المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظريات حول الدين


مهدي الجزائري
11-07-2007, 11:07 PM
تأثرت المقاربات النظرية تجاه الدين، تأثرا كبيرا بالآراء التي طرحها ثلاثة من كبار المنظرين الذين أسهموا في وضع الأسس لعلم الإجماع , وهم ماركس,دوركهايم و فيبر. ولم يكن أي من هؤلاء الثلاثة متدينين. كما أنهم تكهنوا بانحسار أهمية الدين و آثاره في المجتمعات الحديثة وكان كل منهم يعتقد أن الدين في جوهره يمثل واقعا موهوما ومضللا. ولكنه عظيم الأثر في الحياة البشرية . وقد يكون أتباع الديانات المختلفة على يقين تام بسلامة ما يحملونه من معتقدات وما يمارسونه من شعائر, إلا أن تنوع الديانات وارتباطها الواضح بأنواع مختلفة من المجتمعات. يلقيان حسب ما يرى هؤلاء المنظرون الثلاثة ضلالا من الشك على هذه الاقتناعات الراسخة, وبعبارة أخرى فإن الفرد الذي يولد في واحد من المجتمعات الصيد والالتقاط في استراليا يعتنق مبادئ دينية مختلفة عما يحمله شخص آخر ترعرع في إحدى شرائح الكاست في الهند أو في ظل الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا أو في المجتمع الإسلامي , ومن هنا سنطرح بعضا من فحوى ما جاء به هؤلاء المفكرون في نظرياتهم و هم ماركس,دوركهايم,فيبر.
من نظرية ماركس حول الدين :
إن ماركس,على الرغم من الأثر الكبير الذي تركه في هذا الميدان, لم يدرس الدين بحد ذاته بصورة تفصيلية. بل استقى أكثر أفكاره حول هذا الموضوع من الكتابات عدد من الفلاسفة المفكرين في القرن التاسع عشر. وكان من هؤلاء *لودفيغ فيورباخ* الذي وضع كتابه الشهير المسمى * جوهر المسيحية * سنة 1841. ويتكون الدين في نظر فيور باخ من أفكار وقيم أنتجها البشر خلال تطورهم الثقافي . ولكنهم أسبغوها على قوى سماوية أو إلهية. و نظرا لأن البشر لا يعرفون مصيرهم تمام المعرفة. فإنهم ينسبون إلى قوى الآلهة ما سبق لهم أن أنتجوه في مجتمعاتهم من قيم و معايير. ومن هنا فإن قصة الوصايا العشر التي أنزلها الله على موسى هي مجرد نسخة أسطورية لأصول المبادئ الأخلاقية التي كانت في حياة اليهود القدماء ثم المسيحيين. وهكذا وافقت أفكار* فيورباخ* فكر* ماركس* حول الدين يضيف ناقلا عنه أنه طالما ظل البشر عاجزين عن فهم الرموز الدينية التي ابتدعوها. فإنهم أسرى لقوى التاريخ التي لا يستطيعون التحكم فيها.واستخدم فيورباخ مصطلح *الإستيلاب* أو * الإغتراب * للدلالة على خلق الآلهة أو قوى إلهية متميزة عن البشر. ذلك أن القيم والأفكار الإنسانية تعزى في هذه الحالة إلى كائنات غريبة. وقد ترك الإغتراب في الماضي آثارا سلبية غير أن فهم الناس للدين باعتباره إغترابا أواستيلابا من شأنه أن يفتح أبواب الأمل في المستقبل. وحالما يتبين للبشر أن القيم التي يرجعونها إلى الدين إنما هي من إنتاجهم, فإن هذه القيم ستغدو ممكنة التحقيق على الأرض, ولن يتم إرجاؤها إلى الحياة الأخرى.ويمكن للبشر آن ذاك أن يكتسبوا القوى التي ينسبها المسيحيون لله. فالمحبة والخير والقدرة على التحكم في حياتنا موجودة كما يرى فيورباخ في المؤسسات الاجتماعية, وقد تؤتي ثمارها حالما ندرك ونتفهم طبيعتها الحقيقية. ويتفق ماركس على الفكرة القائلة أن الدين حالة من الإغتراب الإنساني. ويشيع الاعتقاد –في أغلب الأحيان- أن ماركس كان يطالب بنبذ الدين و استئصاله.غير أن مثل هذا الاعتقاد يجانب الصواب فالدين في نظر ماركس هو بمثابة * القلب في عالم لا فلب له *. وهو الملاذ من قسوة الواقع اليومي للمستضعفين في الأرض .
ويرى ماركس بأن الدين بشكله التقليدي سوف يختفي. بل لابد من أن يختفي نظرا إلى أن القيم الايجابية التي يمثلها الدين قد تكون نموذجا هاديا لتحسين الأوضاع البشرية على هذه الأرض. وليس لأن هذه القيم والمثل العليا مغلوطة بحد ذاتها. وعلينا من وجهة نظر ماركس أن لا نخشى الآلهة التي صنعناها بأنفسنا. وأن لا نضفي عليها المثل والقيم العليا التي يمكن للبشر أنفسهم أن يحققوها. وأعلن ماركس في إحدى عباراته الشهيرة قائلا: بأن* الدين هو أفيون الشعوب *. فالدين يرجئ السعادة والجزاء إلى الحياة الأخرى. ويدعو الناس إلى القناعة و الرضا بأوضاعهم في هذه الحياة. و يؤدي ذلك إلى صرف الانتباه عن المظالم و وجوه التفاوت و اللامساواة في العالم. و الهاء الناس بما يمكن أن يكون نصيبهم في عالم الآخرة. و ينطوي الدين على حسب ما يرى ماركس على عنصر إيديولوجي قوي: إذ أن المعتقدات والقيم الدينية تستخدم في أكثر الأحيان لتبرير جوانب اللامساواة في مجالات الثروة و السلطة. إن عبارة مثل * الضعفاء سيرثون الأرض * على سبيل المثال تحمل معنى الخضوع وعدم التصدي للقمع. و هكذا فإن ماركس حاول إيصال فكرة مهمة وهي كيف تسخر طبقة اجتماعية الدين في صالحها لتخدم مصالحها الشخصية دون الطبقة العريضة والمتمثلة في البوليتاريا.

( يتبع باقي النظريات )


مهدي الجزائري