المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فلسفةُ الواقع وابن خلدون


مـــــريم
10-16-2007, 08:31 PM
*·~-.¸¸,.-~*ميلاد فيثاغورث, شكَّل أول اتحاد بين العبقرية اليونانية والعبقرية الشرقية. وإن فكرة الروح كجوهر حقيقي خالد, وفكرة تناسخ الأرواح, إضافة إلى فكرة بنوَّة الإنسان للحيوان, هي أفكار شرقية. ويذكر أيضاً أن فيثاغورث قد حمل الرياضيات معه من مصر إلى بلاد اليونان.

ولكن, مع الاعتراف بهذا الأثر الشرقي, قدم اليونان إضافة عنصر جديد إلى الفكر الشرقي, وهو عنصر جوهري, أي نوعاً جديداً من الخلق, وهو ليس معجزة, أو خلقاً من العدم, بل كان هذا الخلق هو (الفكر اليوناني), الذي انبثق من الروح القاتمة والعميقة التي كانت موجودة في الشرق. انبثق الفكر وعياً لذاته, ويقيناً بطبيعته اللامتناهية, ووعياً لاستقلاله تجاه الأشياء الخارجية, ويقيناً بحريته. ففي بلاد اليونان قد وجد الفكر ذاته بذاته, وعرف ذاته بذاته, وعرف الكون على أنه جوهر ذاته.‏

في بلاد اليونان نفسها, نشأ المنطق على يد طبقة الأسياد (أفلاطون وأرسطو واضع المنطق); وبالطبع, فإن هؤلاء الأسياد لا يمكنهم أن يفهموا الواقع كما يفهمه العبيد والعمال. لذلك, فإن الحقيقة عندهم لها كيانها القائم بذاته, وهي منفصلة عن نسيج الحياة. وهم (أي الفلاسفة), وجدوا أن النظر في حقائق الحياة الواقعية تحطُّ من شأنهم ومنزلتهم, فارتفعوا بتفكيرهم عن مستوى العبيد والكادحين, وظلوا يحلقون في السماء.‏

اقترب قسم آخر من الفلاسفة, من منطق الحياة الواقعية, وقد اشتهروا باسم السفسطائيين. رأوا بأنه ليس في الدنيا من حقائق مطلقة, إنما هي نسبية. والإنسان هو مقياس الحقيقة في نظرهم. وضمن هذا المنظور, كان يجب أن يتطور الفكر الاجتماعي, على يد هؤلاء, إلى غير ما تطور إليه على يد الفلاسفة; وذلك لو أنهم استطاعوا الانتصار والاستمرار. ولكن, وبما أن الفلاسفة هم أصحاب النفوذ في المجتمع, وهم السادة, فإن النصر الساحق كان حليفهم, وظل كذلك. وبقيت الفلسفة من اختصاص الأسياد, وهم الوحيدون الذين يشتغلون بها, وهذا ما جعل التفكير الاجتماعي الواقعي نادر الحدوث في تراث الفلسفة القديمة. وظلت الفلسفة بعيدة عن هذا التفكير ومشغولة عنه بما وراء المجتمع والحياة, ومعلقة بالأفكار المطلقة; وإن حدث وتطرق أحد الفلاسفة إلى أمور المجتمع, فإنه ينحو منحى طوباوياً وعظياً.‏

ظهر بروتاغوراس ك¯أول السفسطائيين وأعظمهم, وقد قال: »إن الإنسان هو مقياس الأشياء جميعاً, مقياس الأشياء الكائنة بما هي كائنة, ومقياس الأشياء غير الكائنة بما هي غير كائنة«. وبهذا, فإنه أول من رأى أن المعرفة لا تتعلق بالموضوع المعروف فقط, بل بالذات العارفة أيضاً. إنه هو ذاته من طرح مسألة المعرفة. وقد أشار في الوقت ذاته, إلى أن مبدأ الأشياء ينبغي ألا يطلب من العالم الخارجي, وإنما من داخل الإنسان. وقد ركز بروتاغوراس على أن كرامة الإنسان تقوم على الرابطة التي تربطه ببني الإنسان الآخرين, وتجعله قادراً على ممارسة الحياة المدنية. فما يرفع الإنسان فوق الحيوان, هو القوانين والمؤسسات الاجتماعية. وإن البشر جميعاً يشاركون بالعدالة بفضل جوهرهم الإنساني بالذات.‏

أعلن سقراط سيطرة النفس على البدن, حينما أثبت على هذا النحو, تشابه النفس الإنسانية مع العقل الإلهي. واعتبر أن النفس, بما هي عقل خالص, لها القدرة على البقاء بذاتها, بعد فناء البدن. وإن وظيفة النفس الخاصة هي العلم, أي المعرفة العقلية. فالعلم موجود في نفوسنا في حالة كمون, ولا ينقصنا سوى إيقاظ هذه المعرفة الراقدة في ذواتنا.‏

توصل سقراط إلى أن وظيفة النفس الخاصة هي العلم, أي المعرفة العقلية. وقد اتصفت فكرة العلم هذه بصفتين; الأولى, تقول بأن النفس مفطورة على العلم, أي أنه متضمن داخل النفس منذ البداية, ولا يمكن أن يكون آتياً من الخارج. والصفة الثانية هي أن موضوع العلم كلياً, إذ أن موضوع العلم ليس الأشياء الجزئية, بل ماهية الأشياء العامة كلها التي تندرج تحت جنس واحد.‏

نتجت نظرية المثل الأفلاطوني عن نظرية العلم التي صاغها سقراط. وتعلم من سقراط, أن موضوع العلم هو ماهيات الأشياء, ودعا هذه الماهيات مُثُلاً, وقال: »إن الأشياء الحسية لها وجود إلى جانب وجود المثل, ولها أسماء بمقتضى هذه المثل; إذ إن الأشياء لها من الوجود بقدر ما تشارك في المثل«. والحقيقة, فإن أفلاطون قد أحدث تعديلاً عميقاً في فلسفة سقراط, متأثراً بالمذهب الفيثاغوري, الذي عرفه وألفه أثناء إقامته في إيطاليا الجنوبية. قال سقراط بأن العلم متضمن في النفس, وبإمكاننا أن نستخرجه دون أي عون خارجي, وقد أضاف أفلاطون إلى هذا, بأن معرفتنا لا تقدم شيئاً غير تذكر هذا العلم الذي يتزايد تمايزاً, وهذا يعني أن العلم تذكر.‏

أيد أرسطو - كما أفلاطون - أنه ينبغي على الفلسفة أن تطلب علل الأشياء, أي العلل التي خلقت بفضلها الأشياء, والتي تستمد منها وجودها. فالفلسفة, عند أرسطو, هي علم العلل, علم العلل الأولى. وهذا هو تعريف أرسطو للفلسفة في بداية كتابه ««الفلسفة الأولى»«, وهو يفرق بين العلم والمعرفة الاختبارية. ويرى أرسطو أن الفلسفة, بما هي علم العلل, لا بد لها من أن تتجه إلى العالم المحسوس, وأن تبحث فيه بالذات عن علل الصيرورة. ومهمة الفلسفة الأولى هي دراسة العالم المحسوس قبل الارتفاع إلى النظر إلى هذا المبدأ المطلق, لكي تميز العلل التي تتحكم فيه.‏

أثار الفلاسفة الأوائل موضوع الصيرورة, وقالوا بأن الوجود لا يمكن أن ينشأ من الوجود, لأنه بذلك يكون موجوداً قبل نشأته. وبنفس الوقت لا يمكن للوجود أن ينشأ من العدم, لأنه ما من شيء يمكنه أن ينشأ من لا شيء. وقد حل أرسطو هذه المعضلة قائلاً: »إن الوجود لا ينشأ من الوجود ولا من العدم,, بل من المادة التي تحمل سلب الصورة, من دون أن تكون متوحدة في ذاتها مع هذا السلب«.‏

والنتيجة, أن اليونان ظنوا أنه على الفيلسوف أن ينظر في »ما يجب أن يكون« وليس في »ما هو كائن حقاً«. وقد استمرت الفلسفة على مدى قرون, وهي تصرُّ بأنه على المفكر أن ينصح المجتمع لكي يتخلص من واقعه السيء, وذلك عن طريق الوعظ, دون النظر إلى بنية هذا المجتمع ووصف الواقع واكتشاف قوانينه.‏

مع مجيء ابن خلدون, تغير تاريخ الفكر الاجتماعي. وقام بأول محاولة جدية للنزول بالفلسفة من عليائها, أو لنقل من برجها العاجي, والدخول بها في خضم الواقع والحياة الواقعية, ورفض تلك الميتافيزيقا, للوقوف على القوانين التي تسيطر على الحياة الاجتماعية, ودراسة الواقع كما هو. أصر على الابتعاد عن منهج الخطابة والوعظ الذي كان سائداً, ولم يكن همه أن يعظ الجمهور أو يدعوهم إلى اتباع الطريق القويم والأخلاق المحمودة, بل أراد أن يبحث في طبيعة الحياة الاجتماعية, لكي يكتشف القوانين التي تسيطر عليها, سواء أكانت تلك القوانين ذميمة أو حميدة.‏

وفي رأي ابن خلدون أن الناس يسيرون في حياتهم حسب ما تقتضيه طبيعة مجتمعهم الذي يعيشون فيه, أما أولئك الذين تغرهم تلك المواعظ فهم يضرون المجتمع أكثر مما ينفعونه, وكثيراً ما تؤدي أعمالهم إلى العبث والفوضى وسفك الدماء. وهذا الرأي نراه من الأسس التي تقوم عليها العلوم الاجتماعية الحديثة, التي من المعروف عنها أنها تبتعد عن التقييم الأخلاقي في أبحاثها الاجتماعية, إذ هي تدرس الواقع كما هو بغض النظر عن كونه محموداً أو مذموماً.‏

تأثَّر ابن خلدون كثيراً بآراء ابن تيمية والغزالي في نقد العقل والمنطق. ويذكر ابن خلدون في مقدمته في فصل »في إبطال الفلسفة وفساد منتحليها«, كيف أن المنطق الذي يتبعه الفلاسفة قاصرٌ من ناحيتين: الأولى من ناحية النظر في الإلهيات, والثانية من ناحية النظر في الموجودات الجسمانية. وهكذا, فقد أضاف ابن خلدون منطقاً ثالثاً, هو المنطق الحسي, إضافة إلى نوعي المنطق عند الغزالي, وهما: المنطق الأرسطي الذي يصلح لجميع العلوم, ما عدا التي تبحث في الأمور الإلهية, والثاني هو المنطق الكشفي الذي يبحث في الأمور الإلهية. ومنطق ابن خلدون الثالث هو الذي يراه صالحاً لفهم الأمور الاجتماعية. وفي رأيه أن المعرفة الاجتماعية يجب أن تكون مستمدة من المحسوس ولاصقة به. وهكذا يظهر أن الحس عند ابن خلدون أصدق من القياس المنطقي والتجريد العقلي في فهم الأمور الاجتماعية.‏

هذا الرأي الجديد الملائم للواقع الاجتماعي, توصل إليه ابن خلدون, بعد أن مزج بين رأي الغزالي ورأي ابن تيمية. فالغزالي قام بنقد مبدأ العقلانية ومبدأ السببية, ولكنه كان لا يثق بالمعرفة التي تأتي عن طريق الحس, وهو في ذلك يوافق الفلاسفة القدامى في الاستهانة بالحس وتخطئته. أما ابن تيمية, فكان يرى أن البرهان المنطقي القائم على الكليات العقلية لا يوصل إلى علم يقيني.‏

تضمنت رسائل إخوان الصفا كثيراً من الأفكار التي لها صلة بالأمور الاجتماعية, ومن هذه الأفكار قولهم بأن الدولة لها عمر تنتهي بانتهائه. وقد جاء ابن خلدون بهذه الفكرة في مقدمته; حيث شبه أطوار حياة الدولة بأطوار حياة الإنسان, من فتوة وكهولة وهرم. ولكن الفرق بينه وبين إخوان الصفا, أنهم عللوا هذه الظاهرة تعليلاً صورياً, ورأوا بأن الدول تدور في الأرض كالأفلاك تبعاً لقانون عام يشمل الكون كله. أما ابن خلدون, فلا يعلل هذه الظاهرة على أساس ميتافيزيقي كما فعل إخوان الصفا, بل يعللها تعليلاً اجتماعياً, ويعزو انحدار كل دولة إلى الترف الذي يصاحب ازدهارها. وبهذا يفقد الحكام خصالهم القوية شيئاً فشيئاً, وتنهار الدولة معهم.‏

ميز ابن خلدون, أثناء دراساته الاجتماعية, بين نوعين من الحكام, الأول هو الرئيس المتبوع والثاني هو الملك المسيطر. الأول يستمد رئاسته من طاعة قومه له والتفاف عصبيتهم حوله فلا قهر له عليهم. أما الثاني فيقوم على التغلب والحكم بالقهر. وخلافاً لابن تيمية, الذي قضى حياته في كفاح ووعظ, لأنه كان يرى أن فساد المسلمين هو شيوع البدع بينهم, فقد كان ابن خلدون يرى أنه من العبث على الفرد أن يناضل في سبيل إصلاح اجتماعي أو سياسي على خلاف ما تقتضيه طبيعة المجتمع. وهو لا يرى أن إصلاح الدولة أو المجتمع تتم عن طريق إصلاح العادات. لأن العادات في رأي ابن خلدون هي كالظواهر الطبيعية, والناس يخضعون لأمرها دون أن يستطيعوا إخضاعها لأمرهم.‏

اهتدى ابن خلدون, من خلال تأملاته العميقة, إلى أن الظواهر الاجتماعية لا تشذُّ عن بقية ظواهر الكون, وأنها محكومة بقوانين تشبه القوانين التي تحكم ما عداها من ظواهر الكون. وهذه الحقيقة لم يصل إليها تفكير أحد قبل ابن خلدون. وفي رأيه أن البشر إنما يتعاونون لكي يحصلوا على القوت أولاً, ولكي يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم ثانياً. ويجعل ابن خلدون الناحية المادية أهم من الناحية المعنوية في الاجتماع البشري.‏*·~-.¸¸,.-~*

mohamed_cq
10-25-2007, 02:04 PM
موضوع جميل جدا

مـــــريم
10-26-2007, 10:12 PM
مشكور على المرور
تحياتي للجميع