Aـادل
08-29-2007, 07:10 AM
إلى أين سيعود؟
أصابتني الدهشة وانتابني شعور بالإحباط الممزوج باليأس عندما وقع ناظري على ذلك الشاب ابن الخامسة والعشرين... رأيت خالداً مفترشاً لوحاً خشبياً على أحد الأرصفة يستظل بركن مركز تجاري، رأيت فيه الفشل ممداً على ذلك الرصيف، نعم الفشل في تحقيق النجاح، ثم النجاح في الاتجاه المعاكس، أي العودة إلى الفشل، أدركت حقيقة السعي بخطوات سريعة إلى الوراء.
رأيته، وكان شارد الذهن، رث الثياب تغطي وجهه لحية كثيفة غير مشذبة، وخيوط الشمس الحارقة وصلت إلى جسده الذي أنهكه الإعياء الشديد، وحاله يشيب لها الطفل الوليد، وفي تلك اللحظات التي تتفاعل فيها المشاعر الإنسانية أخذت أقترب شيئاً فشيئاً من ذلك الجسد المنهك للتعرف عليه أكثر، والبحث عن الأسرار وسبب ما آل إليه الحال، فآلام السنين تبدو واضحة جلية غير خافية، فعيناه تعتصرهما قسوة الأيام، وشفتاه جافتان من حرقة جحود الخلان، ووجنتاه يرتسم عليهما آثار الندم على ما جاءت به الأيام من الكدر، ويداه تمتدان فتصافحان الجرح الذي حفره الزمن في صدره، وأنفاسه المتسارعة تختلط فيها الآهات المتعالية وصرخات الأنين.
وفي أثناء تقدمي إليه أرجعتني الذاكرة لأربع سنوات مضت، إذ ودعته عند باب المصحة التي كان يعالج فيها من أجل الخلاص والفكاك من داء الإدمان على المخدرات بعد أن قضى ما يقارب العام في تلك المصحة، وإنهاء جميع برامجها العلاجية ليشفى من ذلك الوباء، ودعته وهو عازم على التعافي، ويحثه عليه أمل في غد مشرق، والطموح الصادق، والرغبة القوية في حياة أفضل، والتحول من شخص له ماضٍ مظلم إلى إنسان آخر يعمل جاهداً لتحقيق غد ومستقبل مشرق، اقتربت منه، وتلاقت عيوننا، وعرفني، وبذهول وآهات صارخة خرجت من أعماقي سألته: (خالد إيش اللي حصل ؟)... واحتدم الصراع بين دمعة أبت إلا أن تعبر عن حزنه، وابتسامة لا تحمل أي معنى للفرح، شفتان تتحركان ولكن من دون صوت... يبدو أنه كان يريد الحديث عن أشياء كثيرة، ولكن الشعور بالظلم يأبى أن يخرجها من جوفه كما يريد، وانفجر صارخاً بصوت بعثرته العبرة (ايش اللي حصل ؟ قل ايش ما حصل؟)! أضاف: كل المدة التي قضيتها في المصحة كانت من دون فائدة، وكل الكلام الذي سمعته حصل معي عكسه عندما خرجت إلى المجتمع والناس ... المدمن، والمجرم تلك هي الصورة التي يعرفني بها الناس ويلاحقونني بها سواء تعالجت أو لم أتعالج ... تصور أن كل سرقة في البيت يقول أهلي: «خلاص معروف من هو «الحرامي» الذي أخذ المسروق... إنه خالد، وكل مصيبة تحصل يكون وراءها المدمن خالد، أى مشكلة في الحارة، وكل البلاوي وراءها خالد.
حفيت قدماي بحثاً عن وظيفة، وعندما وفقت إلى واحدة، وبراتب 1400 ريال حمدت الله عليها وعاودني الأمل والطموح، ولكن عندما عرف أصحاب العمل أنى كنت مدمناً طردوني، ولم يصدق أحد توبتي، وتعافيي من الإدمان، (طيب ليش؟) وما حد حس فيني إلا شلتي السابقة، هم آووني وأكلوني وهم من ضحك في وجهي وحسسوني بأنني إنسان له كيان... كنت أصرخ بأعلى صوتي ومن داخل قلبي: «ياناس والله أنا تبت، تبت، ساعدوني، قفوا معي، وعندما لم يسمعني أحد، الكل صد عني لم أجد أمامي غير هذا الطريق، ورجعت للإدمان، رجعت بكل خيبة أملي وبحسرتي وندمي».
أمسكت بيد خالد وحاولت إقناعه بضرورة أن يعود إلى سابق عهده، وأنه ليس المسؤول الوحيد عن «انتكاسته» وعودته إلى الإدمان، بل أن المجتمع يتحمل جزءاً من مسؤولية تلك العودة... ولكننا ونحن في الطريق باغتتني نفسي بسؤال: ما موقفي أنا من خالد إذا تخلص من إدمانه مرة أخرى وعاد ليتعايش مع مجتمعه، هل سأجده في الموقع الذي ينبغي أن يكون فيه بعد تعافيه أم عند هذا الرصيف؟
إن المتعافي من إدمان المخدرات هو ابن هذا المجتمع، فيجب أن نفتح له قلوبنا قبل أذرعتنا بصدق وحب، لأنه إذا قوبل بالصد أو الإجحاف فلن يجد من يفتح له ذراعيه ويهديه الصدر الرحب، لذا يتحتم على المجتمع المحافظة على نجاح وضمان استمرار سير عملية التعافي وتحقيق الأهداف المنشودة منها، وبذلك فإنه يجب عليه القيام بدور كبير في إكمال تلك المسيرة ويرفع عن كاهله أعباء جساماً بعد إعادة تأهيل البنية الاجتماعية، وأن يعطى الفرصة في عملية البناء والنهوض بهذا المجتمع كمواطن صالح وشريف، وأن يعطى الحق في الشعور والثقة بإنسانيته التي سلبت منه حين ساقه رفقاء السوء إلى أوكار السقوط في فخ المخدرات وتعاطيها.
عادل علي الغامدي
* أخصائي اجتماعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ الرابط ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
جريدة الحياة
http://www.daralhayat.com/arab_news/gulf_news/04-2007/Article-20070402-b3bfce48-c0a8-10ed-00c7-f1a5ae3c49d5/story.html
أصابتني الدهشة وانتابني شعور بالإحباط الممزوج باليأس عندما وقع ناظري على ذلك الشاب ابن الخامسة والعشرين... رأيت خالداً مفترشاً لوحاً خشبياً على أحد الأرصفة يستظل بركن مركز تجاري، رأيت فيه الفشل ممداً على ذلك الرصيف، نعم الفشل في تحقيق النجاح، ثم النجاح في الاتجاه المعاكس، أي العودة إلى الفشل، أدركت حقيقة السعي بخطوات سريعة إلى الوراء.
رأيته، وكان شارد الذهن، رث الثياب تغطي وجهه لحية كثيفة غير مشذبة، وخيوط الشمس الحارقة وصلت إلى جسده الذي أنهكه الإعياء الشديد، وحاله يشيب لها الطفل الوليد، وفي تلك اللحظات التي تتفاعل فيها المشاعر الإنسانية أخذت أقترب شيئاً فشيئاً من ذلك الجسد المنهك للتعرف عليه أكثر، والبحث عن الأسرار وسبب ما آل إليه الحال، فآلام السنين تبدو واضحة جلية غير خافية، فعيناه تعتصرهما قسوة الأيام، وشفتاه جافتان من حرقة جحود الخلان، ووجنتاه يرتسم عليهما آثار الندم على ما جاءت به الأيام من الكدر، ويداه تمتدان فتصافحان الجرح الذي حفره الزمن في صدره، وأنفاسه المتسارعة تختلط فيها الآهات المتعالية وصرخات الأنين.
وفي أثناء تقدمي إليه أرجعتني الذاكرة لأربع سنوات مضت، إذ ودعته عند باب المصحة التي كان يعالج فيها من أجل الخلاص والفكاك من داء الإدمان على المخدرات بعد أن قضى ما يقارب العام في تلك المصحة، وإنهاء جميع برامجها العلاجية ليشفى من ذلك الوباء، ودعته وهو عازم على التعافي، ويحثه عليه أمل في غد مشرق، والطموح الصادق، والرغبة القوية في حياة أفضل، والتحول من شخص له ماضٍ مظلم إلى إنسان آخر يعمل جاهداً لتحقيق غد ومستقبل مشرق، اقتربت منه، وتلاقت عيوننا، وعرفني، وبذهول وآهات صارخة خرجت من أعماقي سألته: (خالد إيش اللي حصل ؟)... واحتدم الصراع بين دمعة أبت إلا أن تعبر عن حزنه، وابتسامة لا تحمل أي معنى للفرح، شفتان تتحركان ولكن من دون صوت... يبدو أنه كان يريد الحديث عن أشياء كثيرة، ولكن الشعور بالظلم يأبى أن يخرجها من جوفه كما يريد، وانفجر صارخاً بصوت بعثرته العبرة (ايش اللي حصل ؟ قل ايش ما حصل؟)! أضاف: كل المدة التي قضيتها في المصحة كانت من دون فائدة، وكل الكلام الذي سمعته حصل معي عكسه عندما خرجت إلى المجتمع والناس ... المدمن، والمجرم تلك هي الصورة التي يعرفني بها الناس ويلاحقونني بها سواء تعالجت أو لم أتعالج ... تصور أن كل سرقة في البيت يقول أهلي: «خلاص معروف من هو «الحرامي» الذي أخذ المسروق... إنه خالد، وكل مصيبة تحصل يكون وراءها المدمن خالد، أى مشكلة في الحارة، وكل البلاوي وراءها خالد.
حفيت قدماي بحثاً عن وظيفة، وعندما وفقت إلى واحدة، وبراتب 1400 ريال حمدت الله عليها وعاودني الأمل والطموح، ولكن عندما عرف أصحاب العمل أنى كنت مدمناً طردوني، ولم يصدق أحد توبتي، وتعافيي من الإدمان، (طيب ليش؟) وما حد حس فيني إلا شلتي السابقة، هم آووني وأكلوني وهم من ضحك في وجهي وحسسوني بأنني إنسان له كيان... كنت أصرخ بأعلى صوتي ومن داخل قلبي: «ياناس والله أنا تبت، تبت، ساعدوني، قفوا معي، وعندما لم يسمعني أحد، الكل صد عني لم أجد أمامي غير هذا الطريق، ورجعت للإدمان، رجعت بكل خيبة أملي وبحسرتي وندمي».
أمسكت بيد خالد وحاولت إقناعه بضرورة أن يعود إلى سابق عهده، وأنه ليس المسؤول الوحيد عن «انتكاسته» وعودته إلى الإدمان، بل أن المجتمع يتحمل جزءاً من مسؤولية تلك العودة... ولكننا ونحن في الطريق باغتتني نفسي بسؤال: ما موقفي أنا من خالد إذا تخلص من إدمانه مرة أخرى وعاد ليتعايش مع مجتمعه، هل سأجده في الموقع الذي ينبغي أن يكون فيه بعد تعافيه أم عند هذا الرصيف؟
إن المتعافي من إدمان المخدرات هو ابن هذا المجتمع، فيجب أن نفتح له قلوبنا قبل أذرعتنا بصدق وحب، لأنه إذا قوبل بالصد أو الإجحاف فلن يجد من يفتح له ذراعيه ويهديه الصدر الرحب، لذا يتحتم على المجتمع المحافظة على نجاح وضمان استمرار سير عملية التعافي وتحقيق الأهداف المنشودة منها، وبذلك فإنه يجب عليه القيام بدور كبير في إكمال تلك المسيرة ويرفع عن كاهله أعباء جساماً بعد إعادة تأهيل البنية الاجتماعية، وأن يعطى الفرصة في عملية البناء والنهوض بهذا المجتمع كمواطن صالح وشريف، وأن يعطى الحق في الشعور والثقة بإنسانيته التي سلبت منه حين ساقه رفقاء السوء إلى أوكار السقوط في فخ المخدرات وتعاطيها.
عادل علي الغامدي
* أخصائي اجتماعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ الرابط ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
جريدة الحياة
http://www.daralhayat.com/arab_news/gulf_news/04-2007/Article-20070402-b3bfce48-c0a8-10ed-00c7-f1a5ae3c49d5/story.html