راية
06-13-2007, 05:05 PM
«البرنامج الإنساني» حوّل اللقاء إلى مشاعر من الحب.. والعناق.. والدموع
اليوم العائلي في السجون يسد «الفراغ العاطفي» لأسر السجناء
تحقيق - أحمد الجميعة
اليوم العائلي في سجون المملكة.. برنامج إنساني واجتماعي فريد من نوعه على مستوى العالم.. يهدف إلى جمع الأسرة مع أبيهم في مكان مهيئ لاستقبالهم دون حواجز أو قيود.. يحصل اللقاء.. والسكن والمودة.. في أجواء معبرة.. فيها الحب.. والعناق.. والدموع..
البرنامج قُصد منه مزيداً من الاستقرار الأسري في حياة السجين، وطمأنة لنفسيته المتألمة من العقوبة.. والرغبة في تهذيب سلوكه وإصلاح الخطأ وعدم الرجوع إليه.. البرنامج هو أيضاً حفظ لأسرة السجين من الضياع، وتحويل السجون إلى دور إصلاح بدلاً من دور للعقوبة.. البرنامج كذلك فرصة للراغبين في عمل الخير لتبنيه في سجون المملكة، سواءً في إقامة مشروعات جديدة أو تطوير أخرى قائمة..
«الرياض» زارت عدداً من السجون في المملكة، والتقت عدداً من السجناء المستفيدين من البرنامج، حيث اشادوا بهذا البرنامج والقائمين عليه، مؤكدين انه برنامج إنساني لا يشعر به إلا من هو خلف القضبان، حين ينتظر الفرصة للقاء زوجته وأطفاله في مكان واحد، ويقضي معهم يوماً كاملاً يحصل فيه الخلوة الشرعية.. وتناول الطعام سوياً.. وتبادل الأحاديث الخاصة داخل غرف تتمتع بالخصوصية الكاملة.
برنامج إنساني
في البداية تحدث المواطن (م.ع.ن) مسجون في قضية قتل، وانتهت بالتحول من القصاص إلى الدية بمبلغ يصل إلى 002 ألف ريال، وقال: تعد تجربة اليوم العائلي في السجون من أنجح التجارب الإنسانية التي مرت على السجون في المملكة، مشيراً الى أن هذه التجربة أتاحت الفرصة للسجناء المتزوجين للاختلاء بزوجاتهم في جو أسري مميز، إلى جانب الالتقاء بأولادهم وقضاء وقت ممتع معهم.
وأضاف: إن المديرية العامة للسجون سعت بجهودها المخلصة، والموفقة، في تمكين السجناء من الالتقاء بأسرهم من خلال تهيئة المكان المناسب داخل السجن، وتنظيم دخول الزوجات والأولاد بما يحفظ لهم خصوصيتهم، كذلك تهيئة الجو المناسب داخل الوحدات المعدة لقضاء اليوم العائلي، من خلال إتاحة الفرصة للسجين لدخول هذه الوحدات بكامل حريته، وخصوصيته، حيث أننا نقضي هذا اليوم بشعور مختلف كأننا لسنا في السجن، بل في منزلنا.
وأشار إلى أن هذه التجربة الناجحة أصبحت اليوم جزءاً من حياة السجين، التي يشعر من خلالها بدفء العلاقة الأسرية، وحرارة العناق مع الأولاد في مشهد إنساني مؤثر.
تفاجأت بالبرنامج
كما تحدث المقيم (س.ح.ح) وقال: إن اليوم العائلي للسجون تجربة تفاجأت بتطبيقها في سجون المملكة حيث على حد علمي لا توجد هذه التجربة في أي مكان من العالم، وهي فعلاً تجربة أثبتت نجاحها من الناحية النفسية للسجين، حيث يلتقي بزوجته مباشرة دون حواجز كما هو حاصل عند «شباك الزيارة».
وأضاف: ان هذه التجربة أسهمت بشكل كبير في حفظ العلاقات الزوجية بين الزوج و الزوجة وبالتالي أتاحت مزيداً من الاستقرار داخل العائلة، كذلك اتاحت هذه التجربة الفرصة كاملة للسجين للقاء زوجته، والاختلاء بها، الى جانب الحديث عن خصوصياته، ومعالجة المشكلات التي تواجه اسرته وهو خارج السجن.
لا يوجد احراج!
من جانبه نفى المواطن (ح. ع. ج) محكوم في قضية تستر على سرقة من وجود احراج على الزوجة في مجيئها الى السجن، ولقاء زوجها، والاختلاء معه.
وقال: ان تنظيمات المسؤولين في السجون لترتيب لقاء السجين بأسرته سهلت كثيراً في رفع هذا الاحراج، حيث ان الزوجة والاطفال يتم استقبالهم لحظة وصولهم الى السجن عن طريق القسم النسائي داخل السجن، ويتم في البداية التأكد من هوياتهم من خلال البطاقة الممنوحة للزوجة من ادارة السجن، ثم تتم عملية التفتيش للزوجة عن طريق النساء، بعد ذلك يتم نقل زوجات السجناء بواسطة باص مجهز لهذا الغرض من بوابة النساء الى داخل السجن باتجاه الوحدات الخاصة لقضاء اليوم العائلي، حيث يكون السجناء قد وصلوا الى هذا المكان، بعد ذلك يتم اللقاء الاسري لكل سجين من خلال وحدة خاصة به، وبعد قضاء المدة المخصصة، يتم نقل الزوجات مرة اخرى الى القسم النسائي لانهاء اجراءات خروجهن، ومن ثم عودتنا الى العنابر الخاصة بنا.
وأضاف: ان كل ذلك يتم وفق تنظيم مميز يراعي خصوصية السجين وزوجته، مشيراً الى ان المسؤولين في السجون يشكرون على هذا الجهد الذي يبذلونه بشكل يومي مع السجناء فجزاهم الله خيراً.
مشاعر اللقاء
كما تحدث المواطن (ف. ع. ز) محكوم في قضية مخدرات، وقال: تخيل معي لحظة لقاء الاب السجين مع زوجته واطفاله.. تخيلها بكل تفاصيلها.. حب وعناق ودموع.. تخيلها حين ينطلق الطفل الصغير ويرتمي في احضان ابيه.. ثم يعانقه في صورة تستحق ان تلتقط من اكثر من زاوية: زاوية الطفل الذي يشعر انه فقد حنان وعطاء ابيه، زاوية المشاعر المحبوسة في نفس هذا الطفل حين يقول: احبك ابي ومشتاق اليك.. زاوية الام التي ضحت بكل شيء لتبقى علاقتها مع زوجها السجين وهي تقف بجانبك بدون شبابيك او حواجز او قيود كأنك معها في البيت..
واضاف: اننا نشكر وندعو لكل من قام بهذا العمل، وسعى فيه لا سيما رجل الاعمال الشيخ محمد بن عبداللطيف جميل، الذي قدم وقفاً خيرياً لوالده - رحمه الله - في سجن بريمان بجدة، حيث قام بانشاء الوحدات الخاصة للسجناء لقضاء اليوم العائلي مع زوجاتهم واطفالهم في جو ملؤه السعادة والفرح ونحن كسجناء ندعو له بكل خير، ونسأل الله ان يتغمد والده بواسع رحمته.
وأشار الى أن هذا العمل الخيري يفترض ان يكون قدوة لأهل الخير في بلادنا لتنفيذ مثل هذه المشروعات الخيرية داخل السجون، لأنها تحفظ واحدا من أهم الضروريات الخمس التي دعا اليها الاسلام وهي العرض والنسل، كما انها تدخل في تفريج الكرب على السجناء من خلال الراحة النفسية التي يجدونها في هذا اليوم لتخفيف آلامهم النفسية من البعد عن الاهل والاولاد.
تسهيل الاجراءات
من جانبه تحدث المواطن (ع. م) محكوم بالقصاص في قضية قتل منذ اكثر من 21 سنة وقال: الحمد لله ان جميع الاجراءات التي اتخذتها ادارة السجون لتمكين السجين من لقاء زوجته هي ممتازة جداً، وتعبر عن رغبة اكيدة من المسؤولين في ان يكون اليوم العائلي للسجين فرصة لمراجعة اخطائه السابقة، والتعلم منها، واستشعار مسؤولياته تجاه اسرته التي كان سبباً في ابتعاده عنها، وحرمانها منه، لتواجه مصيرها الصعب في الحياة، من حيث توفير لقمة العيش والمسكن والكسوة والتعليم والدواء وغيره.
الاستقرار الأسري
كما تحدث المواطن (م. م) محكوم في قضية اخلاقية منذ اكثر من سنتين وقال على الرغم من نوع قضيتي التي اقضي عقوبتها في السجن، إلا ان برنامج اليوم العائلي كان فرصة للقاء بزوجتي والتعبير لها عن خطئي، والاعتذار منها، حيث ساهم هذا اليوم في عودة الاستقرار لأسرتي.
واضاف: كل ما نتمناه ان يكون هناك دراسة تقويمية من المسؤولين في السجون لتطوير هذا البرنامج، لا سيما في الوقت المتاح حالياً، كذلك ايجاد تقنيات خاصة بفحص الاطعمة التي تأتي من اسرة السجين بدلاً من منع بعضها لدواعي امنية، مشيراً الى انه يلقى وزملاؤه السجناء كل التسهيلات التي تمكنهم من الالتقاء بزوجاتهم واطفالهم في جو اسري فريد يستحق الاشادة والشكر لكل من ساهم فيه.
المشروع قدوة لأهل الخير
كما أشاد المواطن (ح. ق) المسجون في اصلاحية الحائر بالرياض، بجهود أحد فاعلي الخير في تطوير الوحدة الخاصة باليوم العائلي داخل السجن، حيث ساهم هذا التطوير في معالجة كثير من السلبيات الموجودة سابقاً.
وقال: ما يهمنا أن يلتفت أهل الخير والمحسنين الى السجون لاقامة مشروعات تطويرية خاصة باليوم العائلي داخل السجون، لأن اجرها عند الله كبير، والسجناء في امس الحاجة اليها، لا سيما في بعض المناطق والمحافظات.
سجين: رُزقنا بالذرية
وقال السجين (ك. م. ع) ان السجين يُمكّن كل اسبوعين مرة واحدة للقاء زوجته واولاده، مشيراً الى ان السجناء الذين في ذمتهم اربع نساء فإنه يمكّن كل اسبوع للقاء احدى زوجاته. واضاف: لا شك ان هذا البرنامج الفريد من نوعه ساهم بشكل كبير في استقرار كثير من الاسر حيث ان كثيرا من السجناء رزقوا بأطفال وهم يقضون عقوبتهم داخل السجن، مشيراً الى ان برنامج اليوم العائلي يمثل حقيقة واقعة لما يلقاه السجين من رعاية واهتمام من المسؤولين، داعياً المنظمات وهيئات حقوق الانسان العالمية الى الافادة من تجربة المملكة في هذا الشأن، والمطالبة بتطبيقه في جميع السجون، لأنها بحق تجربة انسانية فريدة من نوعها، لا يشعر بها، ولا يعيشها إلا من هو داخل السجن.
أهداف البرنامج العائلي
عقب ذلك تحدث الأستاذ سليمان العصيمي مدير شعبة الرعاية الاجتماعية بالمديرية العامة للسجون وقال: نبعت فكرة برنامج اليوم العائلي، على اعتبار أن الاسرة هي اللبنة الاولى لتكوين المجتمع وترابطه، فقد حرص المسؤولون على استمرارية هذا التواصل والترابط بين افراد الاسرة من خلال تنفيذ فكرة اليوم العائلي للسجين ليتم شمله مع اسرته تحت سقف واحد، حيث لقيت هذه الفكرة الدعم والتأييد من صاحب السمو الملكي وزير الداخلية وسمو نائبه، وتم الشروع في تنفيذ وحدات خاصة باليوم العائلي في سجون المنطقة الشرقية، وكان للتوجيهات السديدة من أمير المنطقة الاثر الكبير في اظهار هذه التجربة إلى حيز الوجود وتفعيلها بالصورة المأمولة لتحقق الأهداف الإنسانية منها حتى عمت والحمد لله هذه التجربة معظم سجون المملكة، وكانت من أهم أهداف هذا البرنامج العائلي والإنساني في الوقت نفسه اضافة إلى ما سبق ذكره انه يحقق معاني ومقاصد الشريعة الإسلامية في تقوية أواصر التراحم والتواصل بين أفراد الأسرة الواحدة من خلال ربط السجين باسرته، ويزيد من احساس السجين بمسؤولياته تجاه أسرته (الزوجة - الاولاد) وكذلك تقوية العلاقات الايجابية بين السجين وإدارة السجن من خلال الانضباط والالتزام داخل السجن وتشجيع السجن على الانخراط في الأنشطة والبرامج الإصلاحية والتأهيلية داخل السجن والتي تتوافق مع قدراته وامكاناته العقلية والفكرية، وعلى هذا النحو يمكن القول أنه يشترط لاستفادة السجين من هذا البرنامج أن يكون هذا النزيل حسن السيرة والسلوك، وملتزماً بأوامر وتعليمات السجون، وملتحقاً بأحد المناشط أو البرامج الإصلاحية أو التأهيلية داخل السجن.
تنظيم الزيارة العائلية
أما عن تنظيم هذا البرنامج فأوضح العصيمي انه يعتمد في الاساس على قيام اسرة السجين بزيارة عائلهم في وحدة سكنية مستقلة منفصلة تماماً عن عنابر السجن، وتضم كل وحدة غرفة نوم وصالة ومطبخا ودورات مياه، وكل تلك المرافق مجهزة بكامل الخدمات المنزلية يستطيع فيها السجين الاجتماع مع عائلته (الزوجة والاولاد) من الصباح وحتى المساء لتقضي الأسرة يوماً كاملاً مع بعضهم في جو اسري حميم يتجاذبون اطراف الحديث الذي نتوقع انه سيترك انعكاسات ايجابية على نفسية النزيل، ويتناولون مجتمعين الوجبات الغذائية ويتشاورون ويتعاونون في كل ما يهم اسرتهم بمشاركة فعالة من عائلهم.
وقال في هذا الاطار ينبغي ان نشير إلى اسهام بعض رجال الأعمال والجمعيات الخيرية معنا في مثل هذه المشاريع الإنسانية، وخاصة في هذا المشروع العائلي المبارك، حيث يوجد هناك تعاون وتنسيق مع بعض رجال الأعمال والجمعيات الخيرية في بعض مناطق المملكة لمشاركتنا في انشاء وتجهيز مثل هذه الوحدات السكنية بسجون تلك المناطق، باعتبار ذلك اسهاماً منهم في رعاية فئة من ابناء مجتمعهم تحتاج من الجميع للمزيد من الدعم والعناية والاهتمام، وبما يعود عليهم وعلى اسرهم بالخير والصلاح، ويساهم في اعادتهم لمجتمعهم مواطنين صالحين.
نتائج اليوم العائلي
واضاف: لعل من أهم النتائج المتحققة من تطبيق هذا البرنامج المتميز، هو ما نشعر به ونلاحظه من مدى عمق الشعور النفسي والارتياح العاطفي العميق الذي يشعر به النزيل عندما يحضن أفراد اسرته، وخاصة منهم اولاده وفلذات كبده في تلك اللحظات الإنسانية المعبرة دون حواجز أو عوائق، وهذا مما يزيد من عرى المودة والتآلف على الخير والصلاح، ويحافظ على تماسك الأسرة وعدم تفككها نتيجة لبعد الزوج عن زوجته واولاده، مما يشعر السجين بالتالي بالارتياح النفسي الذي لا حدود له من خلال اجتماعه بزوجته واولاده في هذا الجو الاسري البديع الذي قل مثيله، وبما يتركه من انعكاسات ايجابية على واقع اسرة النزيل، ويتمثل ذلك في زيادة الروابط الاسرية وتقوية أواصر المحبة والالفة بينهم ويساعد على استمرار العلاقة الزوجية والوجدانية بين الزوج وزوجته، مما يشعر الزوجة بمسؤولياتها تجاه ابنائها وحسن تربيتهم، خاصة وان الزوج بعيداً عن اسرته، ومثل هذا اليوم العائلي والخلوة الشرعية التي احلها الله تتيح للزوج والزوجة مناقشة متطلبات الاسرة ومشكلاتها في جو مريح وهادئ مما يساعد بالمحافظة على استمرار الرابطة الزوجية وعدم وقوع الفرقة بين الزوجين، وكذا ما يوفره مثل هذا البرنامج العائلي من مشاركة ايجابية وفعالة للاسرة للمساهمة في نصح وتوجيه وارشاد عائلهم النزيل إلى حسن الخلق، وصلاح النفس، والاستقامة، والالتزام بتعاليم وقيم الدين الحنيف، وتقاليد المجتمع السامية التي هي الضمانة الاساسية بعد توفيق الله سبحانه وتعالى في عودته إلى اسرته ومجتمعه ووطنه عضواً صالحاً نافعاً لنفسه ومجتمعه - إن شاء الله -.
الرعاية اللاحقة
من جانب آخر تحدث الدكتور عبدالعزيز بن علي الغريب أستاذ علم الاجتماع المساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقال: لم تعد الرعاية اللاحقة قاصرة على برامج تقدم للسجناء بعد خروجهم. بل أصبحت الرعاية الاجتماعية داخل السجون جزءاً رئيساً للرعاية اللاحقة، أي أن الرعاية اللاحقة أصبحت العمل الرئيس للرعاية الاجتماعية للسجناء داخل السجن. ومن أبرز برامج الرعاية الاجتماعية برامج التأهيل المهني، والبرامج التوعوية والثقافية والدينية، وبرامج الرعاية الاقتصادية لأسر السجناء، وغيرها، مشيراً إلى أن الأسرة تعد أهم المحاور التي تتمحور حولها العملية التأهيلية والإصلاحية للسجناء، خاصة إذ ما علمنا أن الأسرة تظل محور التفكير للسجناء، بل قد تؤثر على قابليتهم للبرامج الإصلاحية داخل السجن، لذلك من المهم جداً ربط السجناء بأسرهم ومن تلك البرامج برامج الزيارة الدورية، وبرامج الخلوة الشرعية، وبرامج التواصل البريدي والهاتفي بين السجناء وأسرهم.
برنامج إنساني.. وإصلاحي
وقال: يعد برنامج اليوم العائلي إحدى تلك البرامج التي بدأت بعض السجون في المملكة دراسة تطبيقها، وهي حقيقة خطوة إيجابية للأمام لتطوير الرعاية الاجتماعية للسجناء، إذ تجتمع الأسرة بمختلف أعضائها مع السجين في مكان مهيأ لذلك، حيث يلتقي الأب بزوجته وبأطفاله، أو تلتقي الأم السجينة بأفراد أسرتها، وهذا لا شك يزيد من التقارب الاجتماعي والنفسي والجسدي بين الأبناء ووالدهم، كما أنه يزيد من المناعة النفسية لدى السجين، ويطمئن من خلالها على أحوال أسرته بشكل متكامل. وهو يأتي تطويراً لبرامج الزيارة الدورية المعتادة والتي قد لا يستطيع السجين من خلالها التواصل الذاتي مع أسرته، كما أن في تطبيق هذا البرنامج كسر للروتين اليومي للسجون، ويزيد من انضباط السجناء داخل السجون وقابليتهم لبرامج التهيئة والتأهيل النفسي والاجتماعي، كما أن وضع مثل هذا البرنامج فيه احترام للدور الأسري المهم وتأثير ذلك على قابلية السجين للإصلاح، وتزيد من قدرته على اختصار سنوات السجن، واعتبارها حافزاً للمشاركة والتفاعل الاجتماعي داخل السجن، كما أن هناك فوائد اليوم العائلي تنعكس على المجتمع ككل، من خلال استشعار أفراد الأسرة بوقوف المجتمع معهم في محنتهم، ومساندتهم في مصيبته، كما أن ذلك يأتي بعد تغير المفهوم التقليدي للسجين، فهو ليس شخصاً مجرماً على الإطلاق، بل هو إنسان وقع ضحية ظروف بيئية واجتماعية دفعته لارتكاب الجريمة، كما أن الجرائم تختلف في تصنيفاتها ودوافعها، ولا يجب أن تكون نظرتنا سلبية اتجاه السجناء علينا أن ننظر لهم كأفراد وقعوا ضحية ظروف كلنا معروضون للوقوع فيها، لذلك برامج اليوم العائلي تحتاج لمكان ومساكن مهيأة لتنفيذها، ولعلي أرى مناسبة دعوة رجال الأعمال والموسرين للتفاعل مع هذا البرنامج الحيوي المهم، لأنه سيشعر السجين بالقبول الاجتماعي له عند خروجه وهذا يسهم في رضاه عن المجتمع، ويقلل من فرص انتكاسته وعودته للجريمة.
(دعم رجال الأعمال )
وأضاف: إن في ذلك استشعار من رجال الأعمال والمؤسسات المالية كالبنوك والشركات الكبرى لواجباتها تجاه دعم البرامج الاجتماعية للسجناء، وحقيقة الأمر المطلع على البرامج الإصلاحية في السجون في عدد من دول العالم يجد المشاركة المجتمعية الكبيرة من قبل المؤسسات المالية هناك، فكيف نحن، ونحن نعيش في مجتمع إسلامي يحث على التكافل الاجتماعي بين أفراده ومؤسساته، ويحث على العمل الخيري وما يترتب على ذلك من أجر عظيم عند الله عز وجل، من المهم جداً تعاون رجال الأعمال وأهل الخير مع المديرية العامة للسجون حتى يحقق هذا البرنامج الأهداف المتوخاة منه، ويمكن أن يكون هناك تكريم لمن يسهم في إنشاء وحدات سكنية داخل السجون، بحيث تكتب أسماء المتبرعين عليها، للدعاء لهم، وهي صدقة جارية تبقى على مدى الزمن، كما أني أرى مناسبة مشاركة المؤسسات والجمعيات العاملة في مجال الإسكان الخيري للالتفات لهذا الموضوع الحيوي، بحيث يكون جزءاً من برامجها الإسكانية إنشاء وحدات صغيرة داخل السجون.
جريده الرياض السبت 4 صفر 1427هـ - 4 مارس 2006م - العدد 13767
اليوم العائلي في السجون يسد «الفراغ العاطفي» لأسر السجناء
تحقيق - أحمد الجميعة
اليوم العائلي في سجون المملكة.. برنامج إنساني واجتماعي فريد من نوعه على مستوى العالم.. يهدف إلى جمع الأسرة مع أبيهم في مكان مهيئ لاستقبالهم دون حواجز أو قيود.. يحصل اللقاء.. والسكن والمودة.. في أجواء معبرة.. فيها الحب.. والعناق.. والدموع..
البرنامج قُصد منه مزيداً من الاستقرار الأسري في حياة السجين، وطمأنة لنفسيته المتألمة من العقوبة.. والرغبة في تهذيب سلوكه وإصلاح الخطأ وعدم الرجوع إليه.. البرنامج هو أيضاً حفظ لأسرة السجين من الضياع، وتحويل السجون إلى دور إصلاح بدلاً من دور للعقوبة.. البرنامج كذلك فرصة للراغبين في عمل الخير لتبنيه في سجون المملكة، سواءً في إقامة مشروعات جديدة أو تطوير أخرى قائمة..
«الرياض» زارت عدداً من السجون في المملكة، والتقت عدداً من السجناء المستفيدين من البرنامج، حيث اشادوا بهذا البرنامج والقائمين عليه، مؤكدين انه برنامج إنساني لا يشعر به إلا من هو خلف القضبان، حين ينتظر الفرصة للقاء زوجته وأطفاله في مكان واحد، ويقضي معهم يوماً كاملاً يحصل فيه الخلوة الشرعية.. وتناول الطعام سوياً.. وتبادل الأحاديث الخاصة داخل غرف تتمتع بالخصوصية الكاملة.
برنامج إنساني
في البداية تحدث المواطن (م.ع.ن) مسجون في قضية قتل، وانتهت بالتحول من القصاص إلى الدية بمبلغ يصل إلى 002 ألف ريال، وقال: تعد تجربة اليوم العائلي في السجون من أنجح التجارب الإنسانية التي مرت على السجون في المملكة، مشيراً الى أن هذه التجربة أتاحت الفرصة للسجناء المتزوجين للاختلاء بزوجاتهم في جو أسري مميز، إلى جانب الالتقاء بأولادهم وقضاء وقت ممتع معهم.
وأضاف: إن المديرية العامة للسجون سعت بجهودها المخلصة، والموفقة، في تمكين السجناء من الالتقاء بأسرهم من خلال تهيئة المكان المناسب داخل السجن، وتنظيم دخول الزوجات والأولاد بما يحفظ لهم خصوصيتهم، كذلك تهيئة الجو المناسب داخل الوحدات المعدة لقضاء اليوم العائلي، من خلال إتاحة الفرصة للسجين لدخول هذه الوحدات بكامل حريته، وخصوصيته، حيث أننا نقضي هذا اليوم بشعور مختلف كأننا لسنا في السجن، بل في منزلنا.
وأشار إلى أن هذه التجربة الناجحة أصبحت اليوم جزءاً من حياة السجين، التي يشعر من خلالها بدفء العلاقة الأسرية، وحرارة العناق مع الأولاد في مشهد إنساني مؤثر.
تفاجأت بالبرنامج
كما تحدث المقيم (س.ح.ح) وقال: إن اليوم العائلي للسجون تجربة تفاجأت بتطبيقها في سجون المملكة حيث على حد علمي لا توجد هذه التجربة في أي مكان من العالم، وهي فعلاً تجربة أثبتت نجاحها من الناحية النفسية للسجين، حيث يلتقي بزوجته مباشرة دون حواجز كما هو حاصل عند «شباك الزيارة».
وأضاف: ان هذه التجربة أسهمت بشكل كبير في حفظ العلاقات الزوجية بين الزوج و الزوجة وبالتالي أتاحت مزيداً من الاستقرار داخل العائلة، كذلك اتاحت هذه التجربة الفرصة كاملة للسجين للقاء زوجته، والاختلاء بها، الى جانب الحديث عن خصوصياته، ومعالجة المشكلات التي تواجه اسرته وهو خارج السجن.
لا يوجد احراج!
من جانبه نفى المواطن (ح. ع. ج) محكوم في قضية تستر على سرقة من وجود احراج على الزوجة في مجيئها الى السجن، ولقاء زوجها، والاختلاء معه.
وقال: ان تنظيمات المسؤولين في السجون لترتيب لقاء السجين بأسرته سهلت كثيراً في رفع هذا الاحراج، حيث ان الزوجة والاطفال يتم استقبالهم لحظة وصولهم الى السجن عن طريق القسم النسائي داخل السجن، ويتم في البداية التأكد من هوياتهم من خلال البطاقة الممنوحة للزوجة من ادارة السجن، ثم تتم عملية التفتيش للزوجة عن طريق النساء، بعد ذلك يتم نقل زوجات السجناء بواسطة باص مجهز لهذا الغرض من بوابة النساء الى داخل السجن باتجاه الوحدات الخاصة لقضاء اليوم العائلي، حيث يكون السجناء قد وصلوا الى هذا المكان، بعد ذلك يتم اللقاء الاسري لكل سجين من خلال وحدة خاصة به، وبعد قضاء المدة المخصصة، يتم نقل الزوجات مرة اخرى الى القسم النسائي لانهاء اجراءات خروجهن، ومن ثم عودتنا الى العنابر الخاصة بنا.
وأضاف: ان كل ذلك يتم وفق تنظيم مميز يراعي خصوصية السجين وزوجته، مشيراً الى ان المسؤولين في السجون يشكرون على هذا الجهد الذي يبذلونه بشكل يومي مع السجناء فجزاهم الله خيراً.
مشاعر اللقاء
كما تحدث المواطن (ف. ع. ز) محكوم في قضية مخدرات، وقال: تخيل معي لحظة لقاء الاب السجين مع زوجته واطفاله.. تخيلها بكل تفاصيلها.. حب وعناق ودموع.. تخيلها حين ينطلق الطفل الصغير ويرتمي في احضان ابيه.. ثم يعانقه في صورة تستحق ان تلتقط من اكثر من زاوية: زاوية الطفل الذي يشعر انه فقد حنان وعطاء ابيه، زاوية المشاعر المحبوسة في نفس هذا الطفل حين يقول: احبك ابي ومشتاق اليك.. زاوية الام التي ضحت بكل شيء لتبقى علاقتها مع زوجها السجين وهي تقف بجانبك بدون شبابيك او حواجز او قيود كأنك معها في البيت..
واضاف: اننا نشكر وندعو لكل من قام بهذا العمل، وسعى فيه لا سيما رجل الاعمال الشيخ محمد بن عبداللطيف جميل، الذي قدم وقفاً خيرياً لوالده - رحمه الله - في سجن بريمان بجدة، حيث قام بانشاء الوحدات الخاصة للسجناء لقضاء اليوم العائلي مع زوجاتهم واطفالهم في جو ملؤه السعادة والفرح ونحن كسجناء ندعو له بكل خير، ونسأل الله ان يتغمد والده بواسع رحمته.
وأشار الى أن هذا العمل الخيري يفترض ان يكون قدوة لأهل الخير في بلادنا لتنفيذ مثل هذه المشروعات الخيرية داخل السجون، لأنها تحفظ واحدا من أهم الضروريات الخمس التي دعا اليها الاسلام وهي العرض والنسل، كما انها تدخل في تفريج الكرب على السجناء من خلال الراحة النفسية التي يجدونها في هذا اليوم لتخفيف آلامهم النفسية من البعد عن الاهل والاولاد.
تسهيل الاجراءات
من جانبه تحدث المواطن (ع. م) محكوم بالقصاص في قضية قتل منذ اكثر من 21 سنة وقال: الحمد لله ان جميع الاجراءات التي اتخذتها ادارة السجون لتمكين السجين من لقاء زوجته هي ممتازة جداً، وتعبر عن رغبة اكيدة من المسؤولين في ان يكون اليوم العائلي للسجين فرصة لمراجعة اخطائه السابقة، والتعلم منها، واستشعار مسؤولياته تجاه اسرته التي كان سبباً في ابتعاده عنها، وحرمانها منه، لتواجه مصيرها الصعب في الحياة، من حيث توفير لقمة العيش والمسكن والكسوة والتعليم والدواء وغيره.
الاستقرار الأسري
كما تحدث المواطن (م. م) محكوم في قضية اخلاقية منذ اكثر من سنتين وقال على الرغم من نوع قضيتي التي اقضي عقوبتها في السجن، إلا ان برنامج اليوم العائلي كان فرصة للقاء بزوجتي والتعبير لها عن خطئي، والاعتذار منها، حيث ساهم هذا اليوم في عودة الاستقرار لأسرتي.
واضاف: كل ما نتمناه ان يكون هناك دراسة تقويمية من المسؤولين في السجون لتطوير هذا البرنامج، لا سيما في الوقت المتاح حالياً، كذلك ايجاد تقنيات خاصة بفحص الاطعمة التي تأتي من اسرة السجين بدلاً من منع بعضها لدواعي امنية، مشيراً الى انه يلقى وزملاؤه السجناء كل التسهيلات التي تمكنهم من الالتقاء بزوجاتهم واطفالهم في جو اسري فريد يستحق الاشادة والشكر لكل من ساهم فيه.
المشروع قدوة لأهل الخير
كما أشاد المواطن (ح. ق) المسجون في اصلاحية الحائر بالرياض، بجهود أحد فاعلي الخير في تطوير الوحدة الخاصة باليوم العائلي داخل السجن، حيث ساهم هذا التطوير في معالجة كثير من السلبيات الموجودة سابقاً.
وقال: ما يهمنا أن يلتفت أهل الخير والمحسنين الى السجون لاقامة مشروعات تطويرية خاصة باليوم العائلي داخل السجون، لأن اجرها عند الله كبير، والسجناء في امس الحاجة اليها، لا سيما في بعض المناطق والمحافظات.
سجين: رُزقنا بالذرية
وقال السجين (ك. م. ع) ان السجين يُمكّن كل اسبوعين مرة واحدة للقاء زوجته واولاده، مشيراً الى ان السجناء الذين في ذمتهم اربع نساء فإنه يمكّن كل اسبوع للقاء احدى زوجاته. واضاف: لا شك ان هذا البرنامج الفريد من نوعه ساهم بشكل كبير في استقرار كثير من الاسر حيث ان كثيرا من السجناء رزقوا بأطفال وهم يقضون عقوبتهم داخل السجن، مشيراً الى ان برنامج اليوم العائلي يمثل حقيقة واقعة لما يلقاه السجين من رعاية واهتمام من المسؤولين، داعياً المنظمات وهيئات حقوق الانسان العالمية الى الافادة من تجربة المملكة في هذا الشأن، والمطالبة بتطبيقه في جميع السجون، لأنها بحق تجربة انسانية فريدة من نوعها، لا يشعر بها، ولا يعيشها إلا من هو داخل السجن.
أهداف البرنامج العائلي
عقب ذلك تحدث الأستاذ سليمان العصيمي مدير شعبة الرعاية الاجتماعية بالمديرية العامة للسجون وقال: نبعت فكرة برنامج اليوم العائلي، على اعتبار أن الاسرة هي اللبنة الاولى لتكوين المجتمع وترابطه، فقد حرص المسؤولون على استمرارية هذا التواصل والترابط بين افراد الاسرة من خلال تنفيذ فكرة اليوم العائلي للسجين ليتم شمله مع اسرته تحت سقف واحد، حيث لقيت هذه الفكرة الدعم والتأييد من صاحب السمو الملكي وزير الداخلية وسمو نائبه، وتم الشروع في تنفيذ وحدات خاصة باليوم العائلي في سجون المنطقة الشرقية، وكان للتوجيهات السديدة من أمير المنطقة الاثر الكبير في اظهار هذه التجربة إلى حيز الوجود وتفعيلها بالصورة المأمولة لتحقق الأهداف الإنسانية منها حتى عمت والحمد لله هذه التجربة معظم سجون المملكة، وكانت من أهم أهداف هذا البرنامج العائلي والإنساني في الوقت نفسه اضافة إلى ما سبق ذكره انه يحقق معاني ومقاصد الشريعة الإسلامية في تقوية أواصر التراحم والتواصل بين أفراد الأسرة الواحدة من خلال ربط السجين باسرته، ويزيد من احساس السجين بمسؤولياته تجاه أسرته (الزوجة - الاولاد) وكذلك تقوية العلاقات الايجابية بين السجين وإدارة السجن من خلال الانضباط والالتزام داخل السجن وتشجيع السجن على الانخراط في الأنشطة والبرامج الإصلاحية والتأهيلية داخل السجن والتي تتوافق مع قدراته وامكاناته العقلية والفكرية، وعلى هذا النحو يمكن القول أنه يشترط لاستفادة السجين من هذا البرنامج أن يكون هذا النزيل حسن السيرة والسلوك، وملتزماً بأوامر وتعليمات السجون، وملتحقاً بأحد المناشط أو البرامج الإصلاحية أو التأهيلية داخل السجن.
تنظيم الزيارة العائلية
أما عن تنظيم هذا البرنامج فأوضح العصيمي انه يعتمد في الاساس على قيام اسرة السجين بزيارة عائلهم في وحدة سكنية مستقلة منفصلة تماماً عن عنابر السجن، وتضم كل وحدة غرفة نوم وصالة ومطبخا ودورات مياه، وكل تلك المرافق مجهزة بكامل الخدمات المنزلية يستطيع فيها السجين الاجتماع مع عائلته (الزوجة والاولاد) من الصباح وحتى المساء لتقضي الأسرة يوماً كاملاً مع بعضهم في جو اسري حميم يتجاذبون اطراف الحديث الذي نتوقع انه سيترك انعكاسات ايجابية على نفسية النزيل، ويتناولون مجتمعين الوجبات الغذائية ويتشاورون ويتعاونون في كل ما يهم اسرتهم بمشاركة فعالة من عائلهم.
وقال في هذا الاطار ينبغي ان نشير إلى اسهام بعض رجال الأعمال والجمعيات الخيرية معنا في مثل هذه المشاريع الإنسانية، وخاصة في هذا المشروع العائلي المبارك، حيث يوجد هناك تعاون وتنسيق مع بعض رجال الأعمال والجمعيات الخيرية في بعض مناطق المملكة لمشاركتنا في انشاء وتجهيز مثل هذه الوحدات السكنية بسجون تلك المناطق، باعتبار ذلك اسهاماً منهم في رعاية فئة من ابناء مجتمعهم تحتاج من الجميع للمزيد من الدعم والعناية والاهتمام، وبما يعود عليهم وعلى اسرهم بالخير والصلاح، ويساهم في اعادتهم لمجتمعهم مواطنين صالحين.
نتائج اليوم العائلي
واضاف: لعل من أهم النتائج المتحققة من تطبيق هذا البرنامج المتميز، هو ما نشعر به ونلاحظه من مدى عمق الشعور النفسي والارتياح العاطفي العميق الذي يشعر به النزيل عندما يحضن أفراد اسرته، وخاصة منهم اولاده وفلذات كبده في تلك اللحظات الإنسانية المعبرة دون حواجز أو عوائق، وهذا مما يزيد من عرى المودة والتآلف على الخير والصلاح، ويحافظ على تماسك الأسرة وعدم تفككها نتيجة لبعد الزوج عن زوجته واولاده، مما يشعر السجين بالتالي بالارتياح النفسي الذي لا حدود له من خلال اجتماعه بزوجته واولاده في هذا الجو الاسري البديع الذي قل مثيله، وبما يتركه من انعكاسات ايجابية على واقع اسرة النزيل، ويتمثل ذلك في زيادة الروابط الاسرية وتقوية أواصر المحبة والالفة بينهم ويساعد على استمرار العلاقة الزوجية والوجدانية بين الزوج وزوجته، مما يشعر الزوجة بمسؤولياتها تجاه ابنائها وحسن تربيتهم، خاصة وان الزوج بعيداً عن اسرته، ومثل هذا اليوم العائلي والخلوة الشرعية التي احلها الله تتيح للزوج والزوجة مناقشة متطلبات الاسرة ومشكلاتها في جو مريح وهادئ مما يساعد بالمحافظة على استمرار الرابطة الزوجية وعدم وقوع الفرقة بين الزوجين، وكذا ما يوفره مثل هذا البرنامج العائلي من مشاركة ايجابية وفعالة للاسرة للمساهمة في نصح وتوجيه وارشاد عائلهم النزيل إلى حسن الخلق، وصلاح النفس، والاستقامة، والالتزام بتعاليم وقيم الدين الحنيف، وتقاليد المجتمع السامية التي هي الضمانة الاساسية بعد توفيق الله سبحانه وتعالى في عودته إلى اسرته ومجتمعه ووطنه عضواً صالحاً نافعاً لنفسه ومجتمعه - إن شاء الله -.
الرعاية اللاحقة
من جانب آخر تحدث الدكتور عبدالعزيز بن علي الغريب أستاذ علم الاجتماع المساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقال: لم تعد الرعاية اللاحقة قاصرة على برامج تقدم للسجناء بعد خروجهم. بل أصبحت الرعاية الاجتماعية داخل السجون جزءاً رئيساً للرعاية اللاحقة، أي أن الرعاية اللاحقة أصبحت العمل الرئيس للرعاية الاجتماعية للسجناء داخل السجن. ومن أبرز برامج الرعاية الاجتماعية برامج التأهيل المهني، والبرامج التوعوية والثقافية والدينية، وبرامج الرعاية الاقتصادية لأسر السجناء، وغيرها، مشيراً إلى أن الأسرة تعد أهم المحاور التي تتمحور حولها العملية التأهيلية والإصلاحية للسجناء، خاصة إذ ما علمنا أن الأسرة تظل محور التفكير للسجناء، بل قد تؤثر على قابليتهم للبرامج الإصلاحية داخل السجن، لذلك من المهم جداً ربط السجناء بأسرهم ومن تلك البرامج برامج الزيارة الدورية، وبرامج الخلوة الشرعية، وبرامج التواصل البريدي والهاتفي بين السجناء وأسرهم.
برنامج إنساني.. وإصلاحي
وقال: يعد برنامج اليوم العائلي إحدى تلك البرامج التي بدأت بعض السجون في المملكة دراسة تطبيقها، وهي حقيقة خطوة إيجابية للأمام لتطوير الرعاية الاجتماعية للسجناء، إذ تجتمع الأسرة بمختلف أعضائها مع السجين في مكان مهيأ لذلك، حيث يلتقي الأب بزوجته وبأطفاله، أو تلتقي الأم السجينة بأفراد أسرتها، وهذا لا شك يزيد من التقارب الاجتماعي والنفسي والجسدي بين الأبناء ووالدهم، كما أنه يزيد من المناعة النفسية لدى السجين، ويطمئن من خلالها على أحوال أسرته بشكل متكامل. وهو يأتي تطويراً لبرامج الزيارة الدورية المعتادة والتي قد لا يستطيع السجين من خلالها التواصل الذاتي مع أسرته، كما أن في تطبيق هذا البرنامج كسر للروتين اليومي للسجون، ويزيد من انضباط السجناء داخل السجون وقابليتهم لبرامج التهيئة والتأهيل النفسي والاجتماعي، كما أن وضع مثل هذا البرنامج فيه احترام للدور الأسري المهم وتأثير ذلك على قابلية السجين للإصلاح، وتزيد من قدرته على اختصار سنوات السجن، واعتبارها حافزاً للمشاركة والتفاعل الاجتماعي داخل السجن، كما أن هناك فوائد اليوم العائلي تنعكس على المجتمع ككل، من خلال استشعار أفراد الأسرة بوقوف المجتمع معهم في محنتهم، ومساندتهم في مصيبته، كما أن ذلك يأتي بعد تغير المفهوم التقليدي للسجين، فهو ليس شخصاً مجرماً على الإطلاق، بل هو إنسان وقع ضحية ظروف بيئية واجتماعية دفعته لارتكاب الجريمة، كما أن الجرائم تختلف في تصنيفاتها ودوافعها، ولا يجب أن تكون نظرتنا سلبية اتجاه السجناء علينا أن ننظر لهم كأفراد وقعوا ضحية ظروف كلنا معروضون للوقوع فيها، لذلك برامج اليوم العائلي تحتاج لمكان ومساكن مهيأة لتنفيذها، ولعلي أرى مناسبة دعوة رجال الأعمال والموسرين للتفاعل مع هذا البرنامج الحيوي المهم، لأنه سيشعر السجين بالقبول الاجتماعي له عند خروجه وهذا يسهم في رضاه عن المجتمع، ويقلل من فرص انتكاسته وعودته للجريمة.
(دعم رجال الأعمال )
وأضاف: إن في ذلك استشعار من رجال الأعمال والمؤسسات المالية كالبنوك والشركات الكبرى لواجباتها تجاه دعم البرامج الاجتماعية للسجناء، وحقيقة الأمر المطلع على البرامج الإصلاحية في السجون في عدد من دول العالم يجد المشاركة المجتمعية الكبيرة من قبل المؤسسات المالية هناك، فكيف نحن، ونحن نعيش في مجتمع إسلامي يحث على التكافل الاجتماعي بين أفراده ومؤسساته، ويحث على العمل الخيري وما يترتب على ذلك من أجر عظيم عند الله عز وجل، من المهم جداً تعاون رجال الأعمال وأهل الخير مع المديرية العامة للسجون حتى يحقق هذا البرنامج الأهداف المتوخاة منه، ويمكن أن يكون هناك تكريم لمن يسهم في إنشاء وحدات سكنية داخل السجون، بحيث تكتب أسماء المتبرعين عليها، للدعاء لهم، وهي صدقة جارية تبقى على مدى الزمن، كما أني أرى مناسبة مشاركة المؤسسات والجمعيات العاملة في مجال الإسكان الخيري للالتفات لهذا الموضوع الحيوي، بحيث يكون جزءاً من برامجها الإسكانية إنشاء وحدات صغيرة داخل السجون.
جريده الرياض السبت 4 صفر 1427هـ - 4 مارس 2006م - العدد 13767