ابتهال محمد
05-06-2007, 05:25 PM
إن فهم الصحة والخدمة الصحية لا يكتمل إلا بإدراجهما في سياق اجتماعي أكبر بما يضمه من عناصر تؤثر على إدراك الفرد لمدى حاجته للمساعدة الطبية وقراره بالبحث عنها واستجابته لها. وبالتالي تؤثر الأبعاد الاجتماعية على الخدمات الصحية، لعل أبسط ما فيها أن البحث عن هذه المساعدة يعد جزءًا من عملية اجتماعية لا يرقى إليها أي فهم طبي مجرد. كذلك لا يخفى علينا دور المتغيرات الاجتماعية في اللجوء إلى الخدمة العلاجية أو الوقائية، وتحديد الخلفيات الاجتماعية في تنميط المرض والسلوك المرتبط به، ومغزى الأوضاع الطبقية في مواجهته، ومدى الاستفادة من الخدمات القائمة، علاوة على دور البيئة الاجتماعية والأسرة في اتخاذ القرار الطبي بالتماس الخدمة عند الحاجة إليها. أضف إلى ذلك أن المؤسسة الصحية التي تقدم الخدمة هي نفسها عبارة عن نسق اجتماعي يحوي مجموعة من الأدوار وتسوده أنماط معينة من العلاقات وتحكمه ضوابط ومعايير وبناءات سلطة وبه جماعات ضاغطة، علاوة على علاقات بالمجتمع المحلي، والمجتمع الأكبر. وفي ضوء هذه الأبعاد الاجتماعية المعقدة يتحدد مدى كفاءة المؤسسة في أداء الخدمة للجمهور.
والواقع أن الطب الحديث قد تعرض لانتقادات واسعة من جانب الصحافة والمحللين الاجتماعيين والجمهور وحتى الأطباء أنفسهم. وتمثلت هذه الانتقادات فيما يتصل بالتنشئة الطبية لدارسي الطب والسيادة المهنية لهذه الجماعة والتكنولوجيات المستخدمة في الممارسة الطبية وأثرها على الأداء المهني، بالإضافة إلى تأثير البناء الاجتماعي والثقافي على الطب ذاته. وعلى ذلك ظهر الإجماع العام من الأطباء وأصحاب القرار على أن التأهيل الاجتماعي للطبيب ضرورة لا بد منها لتحسين التعامل مع المجتمع والتعرف على حاجاته الصحية ومواجهتها بكفاءة، وبالتالي فإذا أدرك الطبيب صورة الواقع الاجتماعي والخريطة الاجتماعية للمؤسسة الصحية، والقيم والتصورات الاجتماعية لدى الجمهور طالب الخدمة، وجماعات الضغط والمصلحة في المجتمع المحلي... إلخ، وصلنا إلى مستوى كفء في الأداء المهني، ومن زاوية أخرى إذا وقفنا على الوضع الاجتماعي للطبيب ومدى تلاؤم المثال مع الواقع بالنسبة لهذا الوضع؛ أمكن اكتشاف مواطن الخلل في النسق الطبي الرسمي، وعلاجها. ويصدق ذلك على الأطباء، والفنيين، والممرضات والعمل... إلخ.
ومن هنا تجسدت الحاجة الأكاديمية في كليات الطب ومعاهد التمريض إلى تدريس علم الاجتماع والأنثربولوجيا وتقديم إطار اجتماعي ثقافي يفيد طلاب الطب ويبصرهم بالأداء السليم لدورهم في المجتمع، بعد أن أثبت الواقع الطبي بعض القصور في الخدمات الصحية، ووجود عوائق ثقافية واجتماعية تحول دون الأداء المهني الأفضل، ولذلك بادرت هذه الكليات بإدخال العلوم الاجتماعية والسلوكية ضمن مناهجها الدراسية، وطالبت بإجراء دراسات اجتماعية طبية تفيد دارسي الطب والتمريض، وعقد ندوات حول هذا الموضوع كان أولها في الإسكندرية في عام 1977 وآخرها في عام 1982 بالقاهرة حول "دور العلوم الاجتماعية والسلوكية في بحوث الخدمات الصحية".
وفي ضوء هذه الاعتبارات والجوانب الثقافية والاجتماعية والمهنية وارتباطها بالخدمة الصحية، كان اختيارنا لهذا الموضوع ليكون رسالة علمية نال بها المؤلف درجة الدكتوراه في علم الاجتماع الطبي. وهي تُلقي الضوء على هذا العلم، كما تُوضح طبيعة تأثير هذه الجوانب على الخدمة الصحية على المستوى النظري، والمستوى الواقعي. أما تناول هذا الموضوع على المستوى النظري فهو يحوي ما تتضمنه صفحات هذا الكتاب. وأما التناول الواقعي فقد عرضناه في كتاب سابقًا لنا.
تقع هذه الدراسة في ثلاثة أبواب، تضم تسعة فصول. يحمل الباب الأول منها عنوان "التعريف بعلم الاجتماع الطبي" ويحوي ثلاثة فصول، يتناول الفصل الأول منها "نشأة علم الاجتماع الطبي" وذلك من خلال استقراء التراث العلمي الغربي، وتوضيح البدايات الأولى للنشأة ومجالات الاهتمام في هذا العلم في مجتمعنا العربي. أما الفصل الثاني فهو يدور حول "جهود العلماء العرب في تأصيل علم الاجتماع الطبي"؛ حيث يستعرض الإسهامات العلمية الرئيسية للعلماء العرب المسلمين في هذا المجال، ومن واقع استقراء التراث العربي؛ مما يؤكد على فضل السبق والريادة العربية لهذا المجال الذي يبدو جديدًا بالنسبة لنا. على حين يبرز الفصل الثالث "النسق الطبي الرسمي" فيشير إلى قنوات تخريج الكوادر الطبية، وإسهامات علم الاجتماع الطبي في دراسة الأطباء، ويوضح أعضاء النسق الطبي من الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان ومشرفات التمريض Head nurses والممرضات Nurses والفنيين المعاونين.. إلخ ودور هؤلاء في الخدمات الصحية.
أما الباب الثاني فهو يعالج "موضوع علم الاجتماع الطبي" من خلال أربعة فصول، يعرض الفصل الأول منها – الرابع – "لدراسة علم الاجتماع الطبي لتاريخ الخدمة الصحية"، وهو يلقي الضوء على النظام الصحي في مصر من خلال نظرة تاريخية، ويوضح مستويات وعناصر الخدمة الصحية، والتنظيم الإداري لها، ونوعيها الرسمي والشعبي. بينما يتناول الفصل الخامس "المستشفى كنسق اجتماعي"، ويبرز لنا مبررات دراسة النسق الاجتماعي والثقافي للمستشفى، وأبعاد دراسة هذا النسق وعناصره الأساسية، ثم يلقي الضوء على بعض قضايا الاجتماع الطبي حول المستشفى. على حين يستعرض الفصل السادس "سوسيولوجيا الصحة والمرض والخدمة الصحية" ويكشف النقاب عن أهم المتغيرات الاجتماعية التي تؤثر في الصحة والمرض كالأسرة والطبقة الاجتماعية والسياق الاجتماعي وسلوك المرض والبيئة الاجتماعية والبناء الاجتماعي، واتخاذ القرار الطبي، وارتباط كل ذلك بالخدمة الصحية. وأخيرًا يتناول الفصل السابع "اقتصاديات الصحية"؛ حيث يشير إلى الصحة كعملية استثمارية، وارتباطها بالتنمية الاقتصادية والتفاعل القائم بينهما، كما يعرض بالتحليل الاقتصادي للخدمات الصحية، وواقع هذه الخدمات بين القطاعين العام والخاص.
على حين يختص الباب الثالث بإبراز "الأُسس المنهجية والنظرية لعلم الاجتماع الطبي" وذلك من خلال الفصلين الأخيرين الثامن والتاسع. أما الفصل الثامن فإنه يركز على "طرق البحث في علم الاجتماع الطبي"، ويستعرض أهم هذه الطرق التي تستخدم في دراسة الصحة والمرض والخدمة الصحية، وعلاقة كل ذلك بالمجتمع. ويأتي الفصل التاسع ليعالج "الأسس النظرية لعلم الاجتماع الطبي" وبهذا تتكامل صورة علم الاجتماع الطبي موضوعًا ومنهجًا ونظرية.
والواقع أن الطب الحديث قد تعرض لانتقادات واسعة من جانب الصحافة والمحللين الاجتماعيين والجمهور وحتى الأطباء أنفسهم. وتمثلت هذه الانتقادات فيما يتصل بالتنشئة الطبية لدارسي الطب والسيادة المهنية لهذه الجماعة والتكنولوجيات المستخدمة في الممارسة الطبية وأثرها على الأداء المهني، بالإضافة إلى تأثير البناء الاجتماعي والثقافي على الطب ذاته. وعلى ذلك ظهر الإجماع العام من الأطباء وأصحاب القرار على أن التأهيل الاجتماعي للطبيب ضرورة لا بد منها لتحسين التعامل مع المجتمع والتعرف على حاجاته الصحية ومواجهتها بكفاءة، وبالتالي فإذا أدرك الطبيب صورة الواقع الاجتماعي والخريطة الاجتماعية للمؤسسة الصحية، والقيم والتصورات الاجتماعية لدى الجمهور طالب الخدمة، وجماعات الضغط والمصلحة في المجتمع المحلي... إلخ، وصلنا إلى مستوى كفء في الأداء المهني، ومن زاوية أخرى إذا وقفنا على الوضع الاجتماعي للطبيب ومدى تلاؤم المثال مع الواقع بالنسبة لهذا الوضع؛ أمكن اكتشاف مواطن الخلل في النسق الطبي الرسمي، وعلاجها. ويصدق ذلك على الأطباء، والفنيين، والممرضات والعمل... إلخ.
ومن هنا تجسدت الحاجة الأكاديمية في كليات الطب ومعاهد التمريض إلى تدريس علم الاجتماع والأنثربولوجيا وتقديم إطار اجتماعي ثقافي يفيد طلاب الطب ويبصرهم بالأداء السليم لدورهم في المجتمع، بعد أن أثبت الواقع الطبي بعض القصور في الخدمات الصحية، ووجود عوائق ثقافية واجتماعية تحول دون الأداء المهني الأفضل، ولذلك بادرت هذه الكليات بإدخال العلوم الاجتماعية والسلوكية ضمن مناهجها الدراسية، وطالبت بإجراء دراسات اجتماعية طبية تفيد دارسي الطب والتمريض، وعقد ندوات حول هذا الموضوع كان أولها في الإسكندرية في عام 1977 وآخرها في عام 1982 بالقاهرة حول "دور العلوم الاجتماعية والسلوكية في بحوث الخدمات الصحية".
وفي ضوء هذه الاعتبارات والجوانب الثقافية والاجتماعية والمهنية وارتباطها بالخدمة الصحية، كان اختيارنا لهذا الموضوع ليكون رسالة علمية نال بها المؤلف درجة الدكتوراه في علم الاجتماع الطبي. وهي تُلقي الضوء على هذا العلم، كما تُوضح طبيعة تأثير هذه الجوانب على الخدمة الصحية على المستوى النظري، والمستوى الواقعي. أما تناول هذا الموضوع على المستوى النظري فهو يحوي ما تتضمنه صفحات هذا الكتاب. وأما التناول الواقعي فقد عرضناه في كتاب سابقًا لنا.
تقع هذه الدراسة في ثلاثة أبواب، تضم تسعة فصول. يحمل الباب الأول منها عنوان "التعريف بعلم الاجتماع الطبي" ويحوي ثلاثة فصول، يتناول الفصل الأول منها "نشأة علم الاجتماع الطبي" وذلك من خلال استقراء التراث العلمي الغربي، وتوضيح البدايات الأولى للنشأة ومجالات الاهتمام في هذا العلم في مجتمعنا العربي. أما الفصل الثاني فهو يدور حول "جهود العلماء العرب في تأصيل علم الاجتماع الطبي"؛ حيث يستعرض الإسهامات العلمية الرئيسية للعلماء العرب المسلمين في هذا المجال، ومن واقع استقراء التراث العربي؛ مما يؤكد على فضل السبق والريادة العربية لهذا المجال الذي يبدو جديدًا بالنسبة لنا. على حين يبرز الفصل الثالث "النسق الطبي الرسمي" فيشير إلى قنوات تخريج الكوادر الطبية، وإسهامات علم الاجتماع الطبي في دراسة الأطباء، ويوضح أعضاء النسق الطبي من الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان ومشرفات التمريض Head nurses والممرضات Nurses والفنيين المعاونين.. إلخ ودور هؤلاء في الخدمات الصحية.
أما الباب الثاني فهو يعالج "موضوع علم الاجتماع الطبي" من خلال أربعة فصول، يعرض الفصل الأول منها – الرابع – "لدراسة علم الاجتماع الطبي لتاريخ الخدمة الصحية"، وهو يلقي الضوء على النظام الصحي في مصر من خلال نظرة تاريخية، ويوضح مستويات وعناصر الخدمة الصحية، والتنظيم الإداري لها، ونوعيها الرسمي والشعبي. بينما يتناول الفصل الخامس "المستشفى كنسق اجتماعي"، ويبرز لنا مبررات دراسة النسق الاجتماعي والثقافي للمستشفى، وأبعاد دراسة هذا النسق وعناصره الأساسية، ثم يلقي الضوء على بعض قضايا الاجتماع الطبي حول المستشفى. على حين يستعرض الفصل السادس "سوسيولوجيا الصحة والمرض والخدمة الصحية" ويكشف النقاب عن أهم المتغيرات الاجتماعية التي تؤثر في الصحة والمرض كالأسرة والطبقة الاجتماعية والسياق الاجتماعي وسلوك المرض والبيئة الاجتماعية والبناء الاجتماعي، واتخاذ القرار الطبي، وارتباط كل ذلك بالخدمة الصحية. وأخيرًا يتناول الفصل السابع "اقتصاديات الصحية"؛ حيث يشير إلى الصحة كعملية استثمارية، وارتباطها بالتنمية الاقتصادية والتفاعل القائم بينهما، كما يعرض بالتحليل الاقتصادي للخدمات الصحية، وواقع هذه الخدمات بين القطاعين العام والخاص.
على حين يختص الباب الثالث بإبراز "الأُسس المنهجية والنظرية لعلم الاجتماع الطبي" وذلك من خلال الفصلين الأخيرين الثامن والتاسع. أما الفصل الثامن فإنه يركز على "طرق البحث في علم الاجتماع الطبي"، ويستعرض أهم هذه الطرق التي تستخدم في دراسة الصحة والمرض والخدمة الصحية، وعلاقة كل ذلك بالمجتمع. ويأتي الفصل التاسع ليعالج "الأسس النظرية لعلم الاجتماع الطبي" وبهذا تتكامل صورة علم الاجتماع الطبي موضوعًا ومنهجًا ونظرية.