راية
04-14-2007, 09:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
لا شك ان كل فرد من الافراد اختبر لونا من الوان الحياة العائلية في حياته الاجتماعية . ولذلك ، فان كلامنا هذا حول المؤسسة العائلية في المجتمع الاسلامي موجه في واقع الامر لكل الافراد مهما كانت افكارهم ومعتقداتهم . والسؤال الذي يبرز هنا بشكل صارخ هو : هل ان المؤسسة العائلية ظاهرة تكوينية ام انها مختصة بلون معين من المجتمعات ، فتكون دراستنا المقارنة بين النظرية الاسلامية والنظرية الغربية مجرد عبث لاينفع الاجيال ؟
وقد جاء الجواب عن طريق المدرسة الاجتماعية الامريكية ، وبالخصوص عن طريق عالم الاجتماع الامريكي (جورج ميردوخ) (1) الذي درس العائلة ووظيفتها وتركيبتها الاساسية في اكثر من مائتين وخمسين مجتمعا من مجتمعات العالم ، وتوصل الى نتيجة مهمة وهي ان ظاهرة العائلة النووية الصغيرة انما هي ظاهرة تكوينية عالمية ، يختبرها كل مجتمع انساني مهما كان تركيبه العلمي او الديني او الثقافي . فالعوائل الانسانية جميعا تتحد في صفات مشتركة كالتعاون الاقتصادي ، والسكن المشترك ، وعملية الانجاب : الا ان الاختلاف يقع في طبيعة تركيب العائلة الكبيرة ، خصوصا
فيما يتعلق بتعدد الزوجات ، او الاستقلال الزوجي عن الابوين والاحفاد ، أو الغربة الاجتماعية عن الروابط الانسانية الطبيعية التي جلبها التصنيع الحديث .
ولو قرأنا تاريخ البشرية منذ البداية لرأينا ان السيطرة الاجتماعية على السلوك الانساني تنبثق في اغلب الاحيان من العائلة . فالمجتمع لايستطع ان يحيا دون وجود مؤسسة للسيطرة على السلوك الانساني . وهذه السيطرة هي التي ولٌدت العرف العقلائي الخاص بالسلوك الجنسي المتفق عليه اجتماعيا . ولولا الحقوق والواجبات التي وضعت على الافراد أو لهم ضمن المجموع ، لما تحقق وجود المجتمع والنظام الاجتماعي ، بل كان الافراد مجرد كائنات حية تعيش بانفراد دون نشاط اجتماعي ملحوظ .
وعلى الصعيد التاريخي ، فان للزواج وللعائلة دوراً حيوياً في السيطرة على السلوك الاجتماعي . فقد طورٌت المجتمعات الانسانية ـ عبر رسالة الدين والفلسفة الاجتماعية ـ العلاقات التفاعلية في الزواج ، ومسؤولية رعاية مصلحة القاصرين من الاطفال والعجزة ، وانتقال الملكية ، والحقوق المدنية ، والمنزلة الاجتماعية ، وانتقال العلوم المتراكمة من جيل لآخر .
الا ان تطور المجتمع عبر الاحقاب الزمنية المتعاقبة ، جعل السيطرة الاجتماعية المنبثقة عن العائلة وحدها بعيدة المنال ، وجعل الدولة والمؤسسة السياسية الحديثة تقوم بتبني دور السيطرة الاجتماعية : فكان من مباني هذا الدور الاجتماعي للدولة إن القوانين إنما جاءت لتلزم الافراد بالانصياعل للتشريعات الاجتماعية أو الدينية . والفرق بين القانون والعرف الاجتماعي
هو إن القانون أو التشريع يكتب بينما يبقى العرف الاجتماعي أمرا معنويا متغيرا مع تغير الاحداث والافراد . ولذلك ، فان القانون أو التشريع له خاصية الديمومة والاستمرار أكثر من العرف الاجتماعي .
ولاريب إن القوانين والتشريعات باجمعها تقدم للمجتمع ، نظريا على الاقل ، شكلاً عادلاً من أشكال السيطرة الاجتماعية لكل الافراد . وعندها يعرف الفرد حدود حقوقه المدنية ، ويتوقع الازامات التي فرضها المجتمع أو الدين عليه .
وفي الواقع ، فأن النظام القانوني أو التشريعي بالتضامن مع السيطرة الاجتماعية يقٌدم للعائلة نظاماً محكما يجهٌز الفرد ـ وهو يكدح في حياته اليومية ـ بقابلية فريدة على توقع صحيح ودقيق لسلوك الافراد . وعلى ضوء ذلك التوقع يتم تفاعله مع هؤلاء الافراد . الا إن القانون الذي يصنعه الافراد لانفسهم يختلف عن التشريع الذي يشرعه الخالق عز وجل ؛ لان قوة القانون تتناسب مع كفاءة فهم الافراد للمتطلبات الاجتماعية في زمن ومكان محدد ، الا إن التشريع الآلهي محكم باعتبار صدوره من جهة المولوية المطلقة أولاً ، وباعتبار أنه لم يحدد بزمان معين أو مكان محدد ثانياً . ومن المتسالم به عند العقلاء ان القانون او التشريع لايمكن ضمان نجاحه ما لم ينزل الى الساحة الاجتماعية مع نظام متكامل للعقوبات . وقد تناولنا موضوع العقوبات في كتاب ( الانحراف الاجتماعي واساليب العلاج في الاسلام ) .
إن الفرق ما بين التشريع الاسلامي الخاص بالعائلة وبين القانون الغربي الخاص بها إن القوانين المعاصرة التي وضعها الانسان ماهي الا
احكام مثالية لاتتطابق مع الواقع المتغير في اغلب الاحيان ، على عكس احكام الشريعة التي أخذت الطبيعة البشرية بقطبيها ووضعت القوانين التي تتناغم مع كل أمواج الطبيعة الانسانية . وأغلب القوانين المدنية والحقوقية الخاصة بالعائلة والمعمول بها اليوم في الغرب مستمدة من أفكار الثورة الفرنسية والامريكية والقانون العرفي الانكليزي ؛ وهي قوانين يصعب تطبيق عشرها على الوضع الاجتماعي المعاصر (1) .
إن الابعاد القانونية الخاصة بالعائلة في النظرية الغربية تشمل تشريعات في قانون الزواج ، وحقوق الاطفال ، والارث . ففكرة الزواج تستند على مبدأ كونه عقداً من العقود . الا إنه يختلف عن العقود التجارية لاعتبارين ؛ الاول : هو أن العلاقة الزوجية لايمكن فسخها بنفس الطريقة التي يمكن بها فسخ العقد التجاري في الحالات الاختيارية . والثاني : إن المتطلبات القانونية للدخول في عقد الزواج تختلف عن المتطلبات اللازمة للدخول في العقود التجارية . ومن الطبيعي أن الزواج في القانون الغربي ينبغي أن يسد حاجتين ؛ الاولى : سد الحاجة المالية للعائلة الجديدة ؛ بمعنى أن الدولة غير مسؤولة عن مساعدة الزوجة والاطفال والقاصرين ، بل يتعين على العائلة سد حاجتها المالية بنفسها . والثانية : سد الحاجة الاجتماعية فيما يتعلق بانجاب الذرية ، وتحديد النشاط الجنسي ضمن حدود الزواج القانوني (2) .
ومن أهم متطلبات الزواج القانونية في النظام الرأسمالي هو البلوغ ، والعقل ، وعدم شرعية زواج المحارم ، وعدم شرعية الزواج بين الاعراق المختلفة كالعرق القوقازي والزنجي والمنغولي . فسن البلوغ القانوني للزواج هو ثماني عشرة سنة للذكر وست عشرة سنة للانثى بشرط موافقة الابوين . أما سن البلوغ القانوني للزواج بدون موافقة الابوين فهو واحد وعشرين سنة بالنسبة للذكر وثماني عشرة سنة بالنسبة للانثى (1) . ولكن ليس هناك دليل يثبت على إن موافقة أو عدم موافقة الابوين في النظرية الغربية تغير من الشروط الردعية التي تنظم عملية الزواج . أما شرط العقل ، فانه من الشروط المهمة في إتمام عملية العقد لان المضطرب عقلياً أو المجنون لايستطيع أن يقوم بمسؤولياته الاقتصادية والاجتماعية الخاصةبالزواج والعائلة . وبذلك فانه سيحمل الدولة مصاريف نفقات عائلته : ولذلك يعتبر زواج المجنون أو المضطرب عقلياً بعيداً عن الصفة القانونية والروح الاجتماعية . أما البعد عن الصفة القانونية فلأن العقد يجب أن يتم ما بين فردين لهما القابلية على الموافقة الصريحة أو الضمنية ، وهذا لايتم مع المجنون . وأما البعد عن الصفة الاجتماعية أو العملية فلأن المجنون ربما يسبب حرجاً شديداً لعائلته وللمجتمع الذي يعيش فيه .
ولايجوز العقد على المحارم في النظرية القانونية الغربية ، لان الكنيسة في القرون الماضية حرمت ذلك . ومن المسلٌم به ان هذا القانون مستمد من الشرائع السماوية ، الا ان القانون الحديث البعيد عن روح الدين
لم يستطع تغيير ذلك . وبطبيعة الحال فان المحارم في القانون الغربي كانت قد قسمت الى نوعين : المحرم الناتجة عن طريق النسب ، والمحارم الناتجة عن طريق السبب . أما القانون العرفي الانكليزي المتعلق بالزواج فهو يشترط شرطين لتحقق الزواج ؛ أولهما : أن يكون الفردان صالحين للعقد ، من ناحية سن البلوغ ، والخلو من الموانع الزوجية ونحوها . وثانيهما : العيش معاً في سكن واحد والاعلان عن زواجهما للملأ والمجتمع المحيط بهما (1) .
والى هذا الحد فان القانون الغربي ينطبق تماما في الموارد السابقة مع الشريعة الاسلامية . وليس هناك أدنى شك من ان فلاسفة ومقنني اوروبا وامريكا قد اقتبسوا من احكام الشريعة الاسلامية كل هذه القوانين التي لايزيد عمرها على أربعة قرون على الاكثر ، بينما يبلغ عمر الشريعة الاسلامية أكثر من أربعة عشر قرناً .
ولكن أحد أهم القوانين التي تعارضه النظرية الاسلامية تماما والمعمول به حتى اليوم في الولايات المتحدة هو قانون ( حرمة تمازج الاجناس عن طريق التزاوج ) : بمعنى ان هذا القانون يحرَم على الفرد الابيض التزاوج من الاجناس الاخرى ، خصوصا الجنس الزنجي ، بدعوى ان التزاوج بين الاجناس المختلفة يساهم في اضعاف الجنس المسيطر على النظام الاجتماعي . ولحد العقد السادس من القرن العشرين كانت احدى وثلاثون ولاية امريكية في الجنوب والجنوب الغربي للولايات المتحدة تحرَم التزاوج بين الافراد البيض وبين أفراد الجنس الاصفر أو المنغولي ، واربع
ولايات في الجنوب الامريكي تحرَم الزواج بين الافراد البيض وبين الهنود الحمر ، وهم اصحاب البلاد الاصليين (1) . ولاشك ان مخالفة ذلك القانون تستدعي عقوبات قاسية ، فتعتبره الدولة زواجاً باطلاً ، والاطفال المتولدين عنه غير شرعيين ، وتلك العلاقة الجنسية بين الزوج وزوجته جنحة مخلة بالشرف .
الا ان هذه القوانين كلها عرضة للتغيير والتبديل . وهذا التبديل الذي يطال هذه القوانين يعكس قصور الانسان وفكره البشري على انشاء قوانين محكمة تصلح للتطبيق في كل الاحوال دون النظر الى الزمان أو المكان . الا ان الرسالة الدينية والاسلامية بالخصوص تحقق ما عجزت النظرية القانونية الغربية عن تحقيقه .
ان الدين في الدول النصرانية له تأثير كبير على شكل علاقة التغشي ما بين الرجل والمرأة . فالسلوك الجنسي يعتبر خطيئة وجرما ، الا ان الزواج يلغي هذا الالصاق: لان النصرانية تؤمن بان هدف التزاوج هو حفظ النسل الانساني من الانقراض وليس مجرد المتعة الجسدية . وقد نظَم مفهوم الدولة الحديثة عملية العلاقة الجسدية ما بين الزوج والزوجة ، واعتبر البغاء ـ ولو نظرياَ ـ جريمة يعاقب عليها . الا انفصال الدين عن السياسة في النظام الرأسمالي ، جعل هذه القوانين المتعلقة بالجرائم الاخلاقية تنحلَ تدريجيا بتغير الوضع الاجتماعي ، بحيث أصبحت المشكلة الاجتماعية التي يعاصرها الغرب الرأسمالي هي كيفية حفظ التصميم العائلي الذي يجرفه التغير الاجتماعي المعاصر . ولعل جوهر الخلاف بين النصرانية والنظرية الرأسمالية .
للموضوع بقية.........
المقدمة
لا شك ان كل فرد من الافراد اختبر لونا من الوان الحياة العائلية في حياته الاجتماعية . ولذلك ، فان كلامنا هذا حول المؤسسة العائلية في المجتمع الاسلامي موجه في واقع الامر لكل الافراد مهما كانت افكارهم ومعتقداتهم . والسؤال الذي يبرز هنا بشكل صارخ هو : هل ان المؤسسة العائلية ظاهرة تكوينية ام انها مختصة بلون معين من المجتمعات ، فتكون دراستنا المقارنة بين النظرية الاسلامية والنظرية الغربية مجرد عبث لاينفع الاجيال ؟
وقد جاء الجواب عن طريق المدرسة الاجتماعية الامريكية ، وبالخصوص عن طريق عالم الاجتماع الامريكي (جورج ميردوخ) (1) الذي درس العائلة ووظيفتها وتركيبتها الاساسية في اكثر من مائتين وخمسين مجتمعا من مجتمعات العالم ، وتوصل الى نتيجة مهمة وهي ان ظاهرة العائلة النووية الصغيرة انما هي ظاهرة تكوينية عالمية ، يختبرها كل مجتمع انساني مهما كان تركيبه العلمي او الديني او الثقافي . فالعوائل الانسانية جميعا تتحد في صفات مشتركة كالتعاون الاقتصادي ، والسكن المشترك ، وعملية الانجاب : الا ان الاختلاف يقع في طبيعة تركيب العائلة الكبيرة ، خصوصا
فيما يتعلق بتعدد الزوجات ، او الاستقلال الزوجي عن الابوين والاحفاد ، أو الغربة الاجتماعية عن الروابط الانسانية الطبيعية التي جلبها التصنيع الحديث .
ولو قرأنا تاريخ البشرية منذ البداية لرأينا ان السيطرة الاجتماعية على السلوك الانساني تنبثق في اغلب الاحيان من العائلة . فالمجتمع لايستطع ان يحيا دون وجود مؤسسة للسيطرة على السلوك الانساني . وهذه السيطرة هي التي ولٌدت العرف العقلائي الخاص بالسلوك الجنسي المتفق عليه اجتماعيا . ولولا الحقوق والواجبات التي وضعت على الافراد أو لهم ضمن المجموع ، لما تحقق وجود المجتمع والنظام الاجتماعي ، بل كان الافراد مجرد كائنات حية تعيش بانفراد دون نشاط اجتماعي ملحوظ .
وعلى الصعيد التاريخي ، فان للزواج وللعائلة دوراً حيوياً في السيطرة على السلوك الاجتماعي . فقد طورٌت المجتمعات الانسانية ـ عبر رسالة الدين والفلسفة الاجتماعية ـ العلاقات التفاعلية في الزواج ، ومسؤولية رعاية مصلحة القاصرين من الاطفال والعجزة ، وانتقال الملكية ، والحقوق المدنية ، والمنزلة الاجتماعية ، وانتقال العلوم المتراكمة من جيل لآخر .
الا ان تطور المجتمع عبر الاحقاب الزمنية المتعاقبة ، جعل السيطرة الاجتماعية المنبثقة عن العائلة وحدها بعيدة المنال ، وجعل الدولة والمؤسسة السياسية الحديثة تقوم بتبني دور السيطرة الاجتماعية : فكان من مباني هذا الدور الاجتماعي للدولة إن القوانين إنما جاءت لتلزم الافراد بالانصياعل للتشريعات الاجتماعية أو الدينية . والفرق بين القانون والعرف الاجتماعي
هو إن القانون أو التشريع يكتب بينما يبقى العرف الاجتماعي أمرا معنويا متغيرا مع تغير الاحداث والافراد . ولذلك ، فان القانون أو التشريع له خاصية الديمومة والاستمرار أكثر من العرف الاجتماعي .
ولاريب إن القوانين والتشريعات باجمعها تقدم للمجتمع ، نظريا على الاقل ، شكلاً عادلاً من أشكال السيطرة الاجتماعية لكل الافراد . وعندها يعرف الفرد حدود حقوقه المدنية ، ويتوقع الازامات التي فرضها المجتمع أو الدين عليه .
وفي الواقع ، فأن النظام القانوني أو التشريعي بالتضامن مع السيطرة الاجتماعية يقٌدم للعائلة نظاماً محكما يجهٌز الفرد ـ وهو يكدح في حياته اليومية ـ بقابلية فريدة على توقع صحيح ودقيق لسلوك الافراد . وعلى ضوء ذلك التوقع يتم تفاعله مع هؤلاء الافراد . الا إن القانون الذي يصنعه الافراد لانفسهم يختلف عن التشريع الذي يشرعه الخالق عز وجل ؛ لان قوة القانون تتناسب مع كفاءة فهم الافراد للمتطلبات الاجتماعية في زمن ومكان محدد ، الا إن التشريع الآلهي محكم باعتبار صدوره من جهة المولوية المطلقة أولاً ، وباعتبار أنه لم يحدد بزمان معين أو مكان محدد ثانياً . ومن المتسالم به عند العقلاء ان القانون او التشريع لايمكن ضمان نجاحه ما لم ينزل الى الساحة الاجتماعية مع نظام متكامل للعقوبات . وقد تناولنا موضوع العقوبات في كتاب ( الانحراف الاجتماعي واساليب العلاج في الاسلام ) .
إن الفرق ما بين التشريع الاسلامي الخاص بالعائلة وبين القانون الغربي الخاص بها إن القوانين المعاصرة التي وضعها الانسان ماهي الا
احكام مثالية لاتتطابق مع الواقع المتغير في اغلب الاحيان ، على عكس احكام الشريعة التي أخذت الطبيعة البشرية بقطبيها ووضعت القوانين التي تتناغم مع كل أمواج الطبيعة الانسانية . وأغلب القوانين المدنية والحقوقية الخاصة بالعائلة والمعمول بها اليوم في الغرب مستمدة من أفكار الثورة الفرنسية والامريكية والقانون العرفي الانكليزي ؛ وهي قوانين يصعب تطبيق عشرها على الوضع الاجتماعي المعاصر (1) .
إن الابعاد القانونية الخاصة بالعائلة في النظرية الغربية تشمل تشريعات في قانون الزواج ، وحقوق الاطفال ، والارث . ففكرة الزواج تستند على مبدأ كونه عقداً من العقود . الا إنه يختلف عن العقود التجارية لاعتبارين ؛ الاول : هو أن العلاقة الزوجية لايمكن فسخها بنفس الطريقة التي يمكن بها فسخ العقد التجاري في الحالات الاختيارية . والثاني : إن المتطلبات القانونية للدخول في عقد الزواج تختلف عن المتطلبات اللازمة للدخول في العقود التجارية . ومن الطبيعي أن الزواج في القانون الغربي ينبغي أن يسد حاجتين ؛ الاولى : سد الحاجة المالية للعائلة الجديدة ؛ بمعنى أن الدولة غير مسؤولة عن مساعدة الزوجة والاطفال والقاصرين ، بل يتعين على العائلة سد حاجتها المالية بنفسها . والثانية : سد الحاجة الاجتماعية فيما يتعلق بانجاب الذرية ، وتحديد النشاط الجنسي ضمن حدود الزواج القانوني (2) .
ومن أهم متطلبات الزواج القانونية في النظام الرأسمالي هو البلوغ ، والعقل ، وعدم شرعية زواج المحارم ، وعدم شرعية الزواج بين الاعراق المختلفة كالعرق القوقازي والزنجي والمنغولي . فسن البلوغ القانوني للزواج هو ثماني عشرة سنة للذكر وست عشرة سنة للانثى بشرط موافقة الابوين . أما سن البلوغ القانوني للزواج بدون موافقة الابوين فهو واحد وعشرين سنة بالنسبة للذكر وثماني عشرة سنة بالنسبة للانثى (1) . ولكن ليس هناك دليل يثبت على إن موافقة أو عدم موافقة الابوين في النظرية الغربية تغير من الشروط الردعية التي تنظم عملية الزواج . أما شرط العقل ، فانه من الشروط المهمة في إتمام عملية العقد لان المضطرب عقلياً أو المجنون لايستطيع أن يقوم بمسؤولياته الاقتصادية والاجتماعية الخاصةبالزواج والعائلة . وبذلك فانه سيحمل الدولة مصاريف نفقات عائلته : ولذلك يعتبر زواج المجنون أو المضطرب عقلياً بعيداً عن الصفة القانونية والروح الاجتماعية . أما البعد عن الصفة القانونية فلأن العقد يجب أن يتم ما بين فردين لهما القابلية على الموافقة الصريحة أو الضمنية ، وهذا لايتم مع المجنون . وأما البعد عن الصفة الاجتماعية أو العملية فلأن المجنون ربما يسبب حرجاً شديداً لعائلته وللمجتمع الذي يعيش فيه .
ولايجوز العقد على المحارم في النظرية القانونية الغربية ، لان الكنيسة في القرون الماضية حرمت ذلك . ومن المسلٌم به ان هذا القانون مستمد من الشرائع السماوية ، الا ان القانون الحديث البعيد عن روح الدين
لم يستطع تغيير ذلك . وبطبيعة الحال فان المحارم في القانون الغربي كانت قد قسمت الى نوعين : المحرم الناتجة عن طريق النسب ، والمحارم الناتجة عن طريق السبب . أما القانون العرفي الانكليزي المتعلق بالزواج فهو يشترط شرطين لتحقق الزواج ؛ أولهما : أن يكون الفردان صالحين للعقد ، من ناحية سن البلوغ ، والخلو من الموانع الزوجية ونحوها . وثانيهما : العيش معاً في سكن واحد والاعلان عن زواجهما للملأ والمجتمع المحيط بهما (1) .
والى هذا الحد فان القانون الغربي ينطبق تماما في الموارد السابقة مع الشريعة الاسلامية . وليس هناك أدنى شك من ان فلاسفة ومقنني اوروبا وامريكا قد اقتبسوا من احكام الشريعة الاسلامية كل هذه القوانين التي لايزيد عمرها على أربعة قرون على الاكثر ، بينما يبلغ عمر الشريعة الاسلامية أكثر من أربعة عشر قرناً .
ولكن أحد أهم القوانين التي تعارضه النظرية الاسلامية تماما والمعمول به حتى اليوم في الولايات المتحدة هو قانون ( حرمة تمازج الاجناس عن طريق التزاوج ) : بمعنى ان هذا القانون يحرَم على الفرد الابيض التزاوج من الاجناس الاخرى ، خصوصا الجنس الزنجي ، بدعوى ان التزاوج بين الاجناس المختلفة يساهم في اضعاف الجنس المسيطر على النظام الاجتماعي . ولحد العقد السادس من القرن العشرين كانت احدى وثلاثون ولاية امريكية في الجنوب والجنوب الغربي للولايات المتحدة تحرَم التزاوج بين الافراد البيض وبين أفراد الجنس الاصفر أو المنغولي ، واربع
ولايات في الجنوب الامريكي تحرَم الزواج بين الافراد البيض وبين الهنود الحمر ، وهم اصحاب البلاد الاصليين (1) . ولاشك ان مخالفة ذلك القانون تستدعي عقوبات قاسية ، فتعتبره الدولة زواجاً باطلاً ، والاطفال المتولدين عنه غير شرعيين ، وتلك العلاقة الجنسية بين الزوج وزوجته جنحة مخلة بالشرف .
الا ان هذه القوانين كلها عرضة للتغيير والتبديل . وهذا التبديل الذي يطال هذه القوانين يعكس قصور الانسان وفكره البشري على انشاء قوانين محكمة تصلح للتطبيق في كل الاحوال دون النظر الى الزمان أو المكان . الا ان الرسالة الدينية والاسلامية بالخصوص تحقق ما عجزت النظرية القانونية الغربية عن تحقيقه .
ان الدين في الدول النصرانية له تأثير كبير على شكل علاقة التغشي ما بين الرجل والمرأة . فالسلوك الجنسي يعتبر خطيئة وجرما ، الا ان الزواج يلغي هذا الالصاق: لان النصرانية تؤمن بان هدف التزاوج هو حفظ النسل الانساني من الانقراض وليس مجرد المتعة الجسدية . وقد نظَم مفهوم الدولة الحديثة عملية العلاقة الجسدية ما بين الزوج والزوجة ، واعتبر البغاء ـ ولو نظرياَ ـ جريمة يعاقب عليها . الا انفصال الدين عن السياسة في النظام الرأسمالي ، جعل هذه القوانين المتعلقة بالجرائم الاخلاقية تنحلَ تدريجيا بتغير الوضع الاجتماعي ، بحيث أصبحت المشكلة الاجتماعية التي يعاصرها الغرب الرأسمالي هي كيفية حفظ التصميم العائلي الذي يجرفه التغير الاجتماعي المعاصر . ولعل جوهر الخلاف بين النصرانية والنظرية الرأسمالية .
للموضوع بقية.........