المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فندق البحر .


شجاع القحطانى
08-18-2003, 11:19 AM
كلما ركبت قطار أو طائره تأملت نفسي ومن حولي فأجد أن كل الركاب الذين تجمعهم الأقدار في رحلة سفر يحرصون على ان يتعاملوا فيما بينهم برقه وأدب وعطف متبادل وأستعداد للمجاملة والحرص على مشاعر الاخرين لأنهم يعرفون أنهم رفاق سفر لن يطول وسوف يفترقون بعده ويذهب كل منهم الى وجهته لذا فهم يترفعون خلال هذه الرحلة القصيره عن الصغائر........ واذا كان الأمر كذلك فلماذا لانهون نحن رحلة الحياه على أنفسنا وعلى أحبتنا من متاعب السفر في هذه الدنيا بمثل هذه الروح وهذه المعاملة وبمثل هذا التعاطف المتبادل ، فرحلة الحياه قصيره مهما طالت ..فالكاتب :" هنريك إبسن " يقول في مسرحيته :" سيد البنائين " على لسان الجيل القديم : سيأتيني يوما من يطرق بابي ليقول لي : أفسح لي الطريق فأنا الجيل الجديد " . وللامام علي ابن ابي طالب رضي الله عنه كلمه جميله وحكمه بليغه يقول فيها :" خالطوا الناس مخالطة أن متم بكوا عليكم ، وإن عشتم حنو عليكم "
الله كم لهذه العباره من صدى بليغ يمتد بين المسافات والطرقات ليقرع باب كل القلوب المتعبه والمنهكه .. فنحن في النهاية لسنا سوى أشخاص عاديين من " تراب الإنسانية " على حد تعبير الفيلسوف " نيتشه " لا يلتفت الينا ولا يخطب ودنا ولا يتذلل لنا أحد لكنه " الغرور " نعمة الله لأصحاب النفوس الضعيفة والمريضة كما يقول لنا " شكسبير " لأنه يعوضهم عن نقصهم وتفاهتم ويصور لهم ان الشمس لا تشرق في الصباح إلا لكي تلقي بضياءها على وجوههم .
إن بعض البشر تمتلئ قلوبهم بالحقد فيضيع الزمن من بين أيديهم رغم كل الذي يريدون أن يفعلوه من اجل أن لاتفلت الحياه من قبضة أيديهم وينسون بأن الحقد من مظاهر الضعف البشري ، ينتاب الإنسان في لحظات من الضيق ،......... وبعض البشر تأكل الحيره قلوبهم فلا يعودون يعرفون أي طريق يسلكون فتتوه بهم الأقدام وتضيع فيهم الشوارع والأزمنة والموانئ.... وبعض البشر تمتلئ نفوسهم بالإحساس بالحب والخير والعطاء ويجيدون صنع حياتهم ويعرفون أين يضعون أقدامهم ومشاعرهم في هذه الحياه فيملؤنها بالحب والأمل تمنح النماء والعطاء والصفاء لكل ما يحيط بهم رغم كل ما يجدونه من إحباطات ومايتعرضون له من خيبات وما يجدونه من خيانات .
إن قلوبنا ورقة بيضاء نملأها نحن بالخطوط الزمنية وبكلمات الحب والصدق ، نحن لا نعرف زمن حشدها بالمعاني ولا نستطيع إختيار الكلمات التي تكتب عليها لكننا نستطيع منع تركمات غبار الحزن وحبر الحقد والحسد الأسود أن يقع عليه او يطبع لونه على سطورها ....
إن أبسط تعبير وأدق توضيح للحياه هو قول حبيبنا محمد صلى الله عليها أنها مثل الشجره التي يستظل بها المسافر لفتره قليله من الزمن ثم يتركها ويرحل مكملا رحلته وسفره ولعل أيضا تعبير " فندق البحر " هو التعبير الأدبي والشعري الذي وصف به شاعر الألمان " جوته " في محاوراته مع صديقه الناقد الشاب " إكرامان " والذي ترجم لحياته وسجل العديد من ارائه فقال له :" حين اتلفت الى الوراء وأفكر في قلة عدد الباقين معي منذ أيام الشباب أرى الدنيا كفندق صغير من فنادق الشواطئ التي نلجا اليها في الصيف ، فحين نصل إليها نصادف من وجدناه قبلنا فلا يمضي وقت طويل حتى يغادر هؤلأ الفندق لأنتهاء إجازتهم ويؤلمنا رحيلهم ونتحول نحن الى الجيل التالي من النزلأ وتقوى العلاقات بيننا وبينهم ، لكنهم يذهبون هم أيضا ويتركوننا وحدنا مع الجيل الثالث الذي يجئ الى الفندق ونحن نهم بالرحيل عنه ونغادره بالفعل بغير ان تكون هناك بيننا وبينهم أي علاقة ".
إننا في هذه الدنيا لانملك الحب فقط بل نمتلك الإنسانية والقدره على زرع السعاده في قلوب الناس والابتسامة على شفاههم وان نمنعهم من الحزن و الألم والحرمان .. فإذا كنا نستطيع أن نزرع زهره جميله في قلب ودرب إنسان ما في لحظه ما فلماذا لا نفعل ذلك ونبخل عليه بها .
وإذا كنا نستطيع أن نجنب شخصا ما في لحظة ما من ان نجرح قلبه ومشاعره فلماذا لا نفعل ذلك
إننا نستطيع أن نجرح شخصا ما ثم نعتذر اليه لكننا لانستطيع ابدا أن نمحي ذلك الجرح أو ان نزيل مرارته .إنني أجد صعوبة في فهم بعض تصرفات البشر الذي يضيعون من أيديهم فرصة الأيام ويفسدوا على انفسهم وعلى أحبائهم بالشقاق والجفاء والنزاع حول اتفه الأسباب وكأن الحياه لن تنتهي أبدا وكأنهم لن يفقدوا وجوه احبتهم يوما ولن يتمكنوا من رؤية وجوههم ذات لحظة .. وتقرأ في رواية " الفضيلة " للمنفلوطي حكمة معبرة وجميلة تقول :" أعلموا أن الحياة أبسط من تحتاج الى كل هذه الجلبة والضوضاء فخذوها من أفرب وجوهها وألين جوانبها واقنعوا منها بالكفاف الذي يمسك الحدباء ويعين على المسير فإنما انتم مارون لا مقيمون ومجتازون لا قاطنون ولا يوجد بؤس في العالم أعظم من بؤس رجل مسافر نزل على عين ماء ليطفئ بردها غلته ويجد في ظلالها راحته ساعة من نهار ثم يمضي لسبيلة فصدف عنها وظل يشتغل بحفر عين اخرى بجانبها فلم يكد يبلغ قاعها حتى قد كان نال منه الجهد فهلك دون مرامه ضمأ وعياء " .
إننا في النهاية لا نمتلك كل شئ وأيضا لا نجد كل شئ .. ولكننا يجب ان نقنع بالقليل وان نرضى بحصولنا على جزء مما نحلم ونريد وان نقطع خطوات مسافة العمر بهدؤ ورضى وتقبل وان نرى جوانب عديده مضيئة في الحياة رغم غموضها وهشاشتها ومن بينها الحب .. والحب أن تعطي دون ان تفكر لحظة واحدة في ان تأخذ ..
إن الحياه كالبحر تصفو احيانا وتظطرب أحيانا وجدير بنا أن نتقبل هدؤها وعواصفها على السواء .


مودتي

شجاع

طالبة جامعية
09-15-2003, 10:31 PM
كلامك جدا رائع
وجزاك الله عنا في كل كلمة كتبتها الخير بل الخير كله