المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب الإسلام والخدمة الاجتماعية


almushref
11-24-2006, 11:54 PM
كتاب الإسلام والخدمة الاجتماعية (الفصل الأول)

الإسـلام و الخـدمة الاجتــماعية

أ. د. إبراهـيم عبد الرحـمن رجـب
وكيل كلـية الخـدمة الاجتـماعية بجــامعة حـلوان سابقا



الطبعة الأولى



1421 هـ -2000 م



المحتـــــويات



مقــــدمة

الفصل الأول : الحاجة إلى التوجــــيه الإســـلامي للخـــدمة الاجتـــــماعية .

المبحث الأول : استزراع النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وآثاره .

المبحث الثاني : نقـل برامج الرعـاية الاجتـماعية عن الغرب وآثاره.

الفصل الثاني : الشعور بالمشكلة والاستجابة للموقف.

المبحث الأول : الدعوة إلى توطين وتأصيل الخدمة الاجتماعية في الدول النامية.

المبحث الثاني : اليقظة الإسلامية المعاصرة وقضية أسلمة المعرفة.

الفصل الثالث : مفهوم التوجــيه الإســلامي للخدمة الاجتماعية.

الفصل الرابع : أبعـــــــاد التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية.

المبحث الأول : الطبـيعة البشــرية في المنظــور الإسـلامي.

المبحث الثاني : السنن النفسية والاجتماعية.

المبحث الثالث : تفسير المشكلات الفردية والمشكلات الاجتماعية.

المبحث الرابع : الرعــاية الاجتــماعية والإصلاح الاجتماعي.

المبحث الخامس : طــرق التـدخل المهــني للخدمة الاجتماعية.






الإسلام و الخدمة الاجتماعية

مقـــدمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بـهداه إلى يوم الدين ... أما بعد:

فلقد أبدى المتخصصون في الخدمة الاجتماعية في الدول الإسلامية في العقود الأخيرة اهتماما متزايدا بقضية المراجعة النقدية المتعمقة للافتراضات الأساسية التي تبنى عليها المهنة ، وللمبادئ المهنية التي تستند إليها ، بغرض إحداث التغييرات اللازمة في ممارساتـها العملية حتى تصبح أكثر استجابة لحاجات المجتمعات التي تتم فيها تلك الممارسة ، ولكي تصبح أكثر فاعلية في النهوض بالأعباء والمسئوليات التي أولتها إياها تلك المجتمعات ، سواء فيما يتصل بإصلاح الخلل في النظم الاجتماعية ، أو فيما يتصل برعاية أو إعادة تأهيل الأفراد الذين أصيبوا من جراء تلك الأشكال من الاختلال الاجتماعي ، أو فيما يتصل بتنمية وصقل شخصيات الشباب ، وتنمية ورفع مستويات الحياة في المجتمعات المحلية في الريف والحضر .. إلى غير ذلك من صور وأشكال التنمية الاجتماعية .

ولقد شاء الله ببالغ حكمته أن تصل تلك المراجعات المتعمقة في السنوات الأخيرة إلى غايتها إذ تتم في ضوء ما تشهده المجتمعات الإسلامية اليوم من عودة الوعي فيما نراه من هذه اليقظة الإسلامية المباركة ، حيث نشأ عن هذا اتجاه جهود الكثيرين من المتخصصين في الخدمة الاجتماعية بشكل جاد إلى استلهام الأطر النظرية والممارسات التطبيقية لهذه المهنة من منظور الإسلام وتصوره المحدد للإنسان والكون والمجتمع ، دون تفريط فيما صح من الأطر والممارسات الحديثة التي لا تتنافى مع التصور الإسلامي ، وذلك فيما أصبح يعرف اليوم بالتأصيل الإسلامي للخدمة الاجتماعية ، أو التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية ، أو المنظور الإسلامي للخدمة الاجتماعية.



ولا يخرج هذا الاتجاه في جوهره عن أن يكون حلقة أخرى من حلقات محاولة "تطبيع" العلاقات بين النظم والمؤسسات الممارسات التي تعيش المجتمعات الإسلامية في ظلها من جهة ، وبين عقائد وقيم ومبادئ هذا الدين الذي تنطوي عليه جوانح أهل تلك المجتمعات من جهة أخرى ، ويقصد بالتطبيع هنا عودة الأمور إلى نصابها "الطبيعي" من الاتساق الواجب بين المادة والفكر ... بين التنظيمات المادية والتوجيهات الإلهية في كل جانب من جوانب الحياة .. علاجا لهذا الفصام النكد الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية المعاصرة بين الترتيبات المجتمعية التي يُشبع الناس حاجاتهم الإنسانية في إطارها وبين العقيدة التي تملك على الناس مجامع قلوبهم ، والتي تحسم في النهاية مآلهم في دنياهم وأخراهم .. ذلك الفصام الذي يمكن أن نرد إليه حالة التخلف التي تعانى منها الأمة الإسلامية اليوم في كافة الميادين ، والذي لا يمكن تصور تحقيق التنمية الشاملة للأمة على أي وجه إلا بالخلاص منه - ضمن شروط أخرى يقصر عنها نطاق هذه المقدمة.

ومن هنا فإن جهدنا في هذا البحث سينصب أولا على التعريف بأصول الوضع الراهن لتوضيح الأسباب التي تجعل قضية التوجيه الإسلامي للعلوم أمرا حتميا ، وذلك من خلال تحديد الظروف التي نشأ في ظلها هذا الفصام بين علومنا ونظمنا وممارساتنا وبين عقيدتنا الإسلامية ، قبل أن نركز على النتائج التي ترتبت على هذا الوضع في محيط برامج ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، ثم نتجه بعد هذا إلى توصيف بعض المحاولات الباكرة لمواجهة هذا الموقف لإيجاد نوع من التقارب أو الملاءمة بين ممارسات الخدمة الاجتماعية وبين ظروف مجتمعاتنا (وغيرها) فيما يعرف بجهود توطين الخدمة الاجتماعية أو أقلمتها ، أو ما يعرف بتأصيل الخدمة الاجتماعية في الدول النامية .

ثم إننا نتعرض بعد ذلك بقدر من التفصيل لحركة أسلمة المعرفة في صورتها الأصيلة النقية لاستقصاء الظروف التي أبرزتها حتى أصبحت من أكثر الاتجاهات تأثيرا في محيط العلوم الاجتماعية في عالمنا الإسلامي اليوم ، وذلك قبل أن ننتقل مباشرة لاستجلاء مفهوم التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية ، أما ما تبقى من البحث فإننا نخصصه لعدد من المباحث المستقلة التي نتناول فيها الأبعاد الخمسة للتوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية بشيء من التفصيل.

وسيلاحظ القارئ الكريم أن تناولنا لموضوع "أبعاد" التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية وإن ظهر مطولا إلا أنه لم يخرج في كثير من الأحيان عن مجرد إعطاء أمثلة ونماذج محدودة لاتصل إلى استقصاء هذا الموضوع المتعدد الجوانب الذي يحتاج معالجة أكثر تفصيلا وتعمقا. فلقد كان الهدف من تناول موضوع أبعاد التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية على هذه الصورة مجرد تقديم مؤشرات لما يمكن أن يكون عليه تطبيق منهج التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية في دراسة هذه الموضوعات الخمسة قدر ما تسمح به معرفتنا الراهنة حول الموضوع ، ومن هنا جاء حرصنا - عند التعامل مع كل بعد من الأبعاد الخمسة - على تلخيص الأفكار الأساسية لما تتضمنه كتابات العلوم الاجتماعية الحديثة حول كل موضوع ، ثم نقد تلك الأفكار ، ثم استكمالها أو استبدالها بما يلائمها من عناصر التصور الإسلامي المتصلة بالموضوع ، في محاولة لإيجاد التكامل المنشود بين ما صح من نتائج تلك العلوم الاجتماعية الحديثة وبين ما نظن أنه يمثل أصول التصور الإسلامي المتفق عليه - في حدود ما نعلم .

والله الموفق والمستعان وهو نعم المولى ونعم النصير.

المــؤلف




الفصل الأول

الحاجة إلى التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية
المبحث الأول : نقل النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وآثاره

المبحث الثاني : نقـل برامج الرعاية الاجتماعية عن الغـرب وآثاره.



المبحث الأول : نقل النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وآثاره

إن أي محاولة لفهم الواقع المعاصر لممارسة الخدمة الاجتماعية في العالم الإسلامي لا يمكن أن تحقق أهدافها إلا بإلقاء نظرة فاحصة على جذور هذا الواقع وأصوله التاريخية غير البعيدة ، وخصوصا بتحليل الظروف التي سبقت وأحاطت بعملية نقل استزراع المؤسسات والممارسات الاجتماعية من الدول الغربية بعد انهيار الدولة العثمانية وبعد اقتسام المناطق التي كانت تحكمها بين القوى الاستعمارية الأوربية ، ثم ما تلا ذلك كله ( وما سبقه في بعض الأحيان ) من تغلغل وتأثير شديد للحضارة الغربية والنفوذ الغربي بصفة عامة على الأمة الإسلامية.



والحق أنه مهما قيل حول ظروف التخلف والعزلة والتدهور التي أصابت نظم المجتمع المسلم في كل جوانبها في أواخر أيام الدولة العثمانية ، فإن هذا التخلف كان بمعنى ما تخلفا " نسبيا" أي أنه يتصل بتخلف الأمة " بالنسبة " لغيرها من الأمم المنافسة والمعاصرة لها. ولكن ذلك الوضع قد انتهي - نتيجة للتفاوت المتزايد في فوارق القوة بين الدولة العثمانية وبين الدول الأوربية - إلى سيطرة القوى الأجنبية الأوربية على المسلمين واحتلال أراضيهم ، غير أن ذلك التخلف الذي أصاب المسلمين في أواخر أيام الدولة العثمانية - رغم كل آثاره السلبية - لم يحرم المجتمعات الإسلامية من درجة ما من درجات التكامل الاجتماعي الداخلي … ذلك التكامل الذي كان يقوم على الأقل على تشرب النظم والمؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بقيم الإسلام ومبادئه العامة ، بما يؤدي إلى ترابط تلك النظم فيما بينها بدرجة ما وبشكل ما في إطار موحد يقوم في جوهره على الإيمان بالله واليوم الآخر ، ويستهدف ليس فقط النجاح في الدنيا ولكن أيضا النجاة في الآخرة ، على الوجه الذي تفيض به قلوب المؤمنين الموحدين.



ولكن انهيار الدولة العثمانية قد أتى إلى عالم الإسلام ببعد تفكيكي جديد على مستوى أخطر بكثير من مجرد تخلف الأمة نسبيا في النواحي العلمية والتقنية عن العالم المحيط بها ( رغم الخطورة الكبرى لهذا البعد في ذاته )، ذلك أن الدول التي استولت على أراضى الإسلام بقوة السلاح قد آلت على نفسها - من خلال كل قنوات التأثير والتوجيه العسكري والاقتصادي والسياسي المتاحة لها - إلا أن تقتلع النظم والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأصيلة أو المحلية في تلك المناطق ، وأن تستبدلها بنظم وممارسات متوافقة مع منظورها هي للحضارة الغربية "الحديثة" (هذا إذا أحسنا الظن بنوايا تلك الدول) ، أو أن تضمن لها إحكام سيطرتها على حياة الشعوب المسلمة حتى لا تقوم لها بعد ذلك قائمة بأي شكل تتصور أنه يتعارض مع مصالحها .. هذا إذا اخترنا أن نكون أكثر واقعية ، وإذا استأنسنا بنظرة تاريخية تحليلية وتسلحنا بوعي كاف بمغزى العلاقات بين القوى الإسلامية وغير الإسلامية من الناحية التاريخية والمؤسسية (إبراهيم رجب ، 1980).



ولقد فصّل بعض الكتاب الغربيين أنفسهم القول حول طبيعة الأساليب التي اتبعتها القوى السياسية الأوربية قبل مرحلة الاحتلال العسكري بكثير - ومنذ بدية القرن التاسع عشر - لفرض سيطرتها على الحياة الفكرية والسياسية في مصر مثلا برضاء بل وبتشجيع من محمد على وبعض أبنائه من بعده ، جريا وراء سراب تحديث مصر على أسس الحضارة الغربية ، مما يعتبر بذاته عملا "مكافئا للاستعمار" إذا أخذنا الاستعمار بمعنى السيطرة والتوجيه وقصد إحلال نمط ثقافي وحضاري أجنبي محل الأنماط الثقافية التقليدية (ميتشل، 1990) ، كما قام بعض المؤرخين العرب من جهة أخرى بالوصول إلى نفس النتيجة من خلال الدراسة المقارنة بين "النهضة" العربية والنهضة اليابانية ، حيث بينوا أنه بالرغم من أن المنطقتين قد بدأتا متساويتين (إن لم تكن مصر مثلا في وضع أفضل من اليابان في النصف الأول من القرن التاسع عشر) إلا أن الأولى فشلت فشلا ذريعا في حين أن الثانية قد نجحت نجاحا عظيما ، وأن السبب الرئيسي في ذلك إنما يرجع إلى تبني الصفوات الحاكمة في مصر والدولة العثمانية لسياسات تغريبية تمثلت في نقل النظم والمؤسسات والعادات الأوربية في حين نقلت اليابان التكنولوجيا الحديثة وحدها ، فمن الثابت أن مصر كانت تتميز مثلا بفائض زراعي ضخم وكانت شبكة مواصلاتها النهرية والبحرية وخطوط السكك الحديدية فيها أفضل منها في اليابان ، يقول مسعود ضاهر أنه "في العام 1913 كان متوسط دخل الفرد المصري من الناتج المحلي الإجمالي أعلى بقليل من نصيب الياباني ، وكان نصيب الفرد من التجارة الخارجية المصرية ضعف نصيب الياباني … [ومع ذلك] فإن تجربتيْ مصر والسلطنة العثمانية… انتهتا إلى التغريب الشامل … [بينما] تجلى النجاح الأكبر للتجربة اليابانية في رفض اقتباس الثقافات الغربية التي تقود إلى التغريب في المسكن والمأكل واللباس والتعليم والتخاطب اليومي على غرار ما فعل المصريون والعثمانيون . فنجحت حركة التحديث اليابانية في اقتباس تكنولوجيا الغرب فقط حين عملت على توطينها واستيعابها وتطويرها دون أن تغادر أصالة تقاليدها" (ضاهر ، 1999 : 15-19)



وإذا كان هذا هو الموقف على مستوى مصادر التوجيه والتأثير الرسمي "للقائمين على الحكم" في بعض المناطق الإسلامية في القرن الأخير من حكم الدولة العثمانية ، ثم من خلال الحكم الاستعماري المباشر لتلك المناطق فيما تلا ذلك ، ومن خلال الحكومات المحلية التي أقيمت في ظله أو التي التزمت بالخطوط التي تمليها القوى الضاغطة الأجنبية فيما بعد الاستقلال ، فإن الحال لم يختلف كثيرا على مستوى خاصة " الخبراء والمتخصصين" من أبناء الإسلام وأبناء الشعوب الإسلامية الذين يسيرون بثقة وانقياد وراء التوجيه "الفني والعلمي" لأولئك المتخصصين ، فلقد أبدى معظم أولئك الخبراء انبهارا بما قدمته لهم الحضارة الغربية من علوم "حديثة " ، وتبنوا ضمنا الفكر وفلسفة الحياة التي قامت تلك الحضارة على أساسها ، كما سارعوا إلى اقتباس أو استزراع أو شتل Transplantation النظم والمؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المجلوبة من الغرب في التربة المحلية اعتقادا منهم بأن ذلك هو السبيل إلى حصول " التقدم" المنشود واللحوق "بركب الحضارة " من أقرب سبيل.

ولم يتبين لهؤلاء ولا لأولئك - سواء من الحكام الرسميين أو القادة الفنيين المتخصصين والعامة تبع لهم - ولم تتكشف لهم حقيقة "عدم التوافق الجذري" بين ما بنيت عليه تلك النظم والمؤسسات والمعارف الغربية من قيم ومبادئ ونظرة للحياة وبين القيم والمبادئ الإسلامية والنظرة الإسلامية للكون والحياة إلا بعد أن انقضت سنوات تطاولت عددا ، تحولت فيها الاتجاهات نحو تلك النظم والمؤسسات والممارسات الوافدة من مرحلة التشكك المبدئي ، إلى التقبل بل والانبهار ، ثم الاستزراع النشط والنشر المتحمس لتلك المستحدثات ، إلى محاولات جاءت بعد ذلك لتعديل وأقلمة تلك المستحدثات بطريقة تحافظ على جوهر المستزرع مع تقريبه من واقع المجتمع عندما ظهرت عوارض عدم التلاؤم بينهما ، إلى الشعور بفشل المشروع الحضاري الغربي في عقر داره ، وبدء التشكك في صلاحيته لغيره من المجتمعات.

وهنا انقسم الناس في عالمنا الإسلامي فريقين ، فريق قد ارتبطت مصالحهم الذاتية الضيقة بالمشروع الحضاري الغربي سواء من حيث بقائهم في مقاعد السلطة السياسية ، أو احتلالهم لمواقع التأثير والتوجيه المجتمعي ، أو تحكّمهم في موارد هامة للقوة الاقتصادية ، أو حتى تمتعهم بالمكانة العلمية والتقدير الأدبي في ظل ذلك المشروع المرتبط بالحضارة الغربية والتابع لها ( كما في حالة رجال العلم وأستاذة الجامعات).

وفريق آخر أدرك أن المشروع الحضاري الغربي بما يقوم عليه من توجهات مادية علمانية وما يعانيه من "خواء روحي" - على حد تعبير فرانسيس فوكوياما أحد كبار المسئولين بوزارة الخارجية الأمريكية في مقاله الشهير عن " نهاية التاريخ " ( والذي بالمناسبة يشير في ثناياه ضمنا إلى أن الإسلام يمثل الفكر والوعي الوحيد الذي يقدم بديلا سياسيا منافسا للمشروع الحضاري الغربي على الساحة الأيديولوجية في العالم المعاصر) (Fukuyama, 1989 : 14) - نقول أن هذا الفريق قد أدرك أن النموذج الغربي ليس صالحا في المدى البعيد لتوجيه المسيرة البشرية خصوصا بعد ظهور الآثار المدمرة لهذا التوجه على الكثير من جوانب حياة المجتمعات الغربية بل وغير الغربية في مختلف دول العالم .

ولقد أدرك هذا الفريق الأخير أن ما تعانى منه الشعوب الإسلامية اليوم في مختلف المجالات إنما يرتد في جزء كبير منه إلى تبنى تلك الشعوب لهذه المؤسسات المجلوبة ، وللممارسات التي تتم في إطارها والتي تتنافى - على خط مستقيم - في معظم الأحوال مع أصول الإسلام ومبادئه ، كما أدرك هذا الفريق أن جوهر الحل الصحيح لتلك المشكلات إنما يكمن في إعادة النظر في جميع النظم والمؤسسات التي يعيش الناس في ظلها ، والممارسات التي تتم في إطارها بتوجه جديد من منظور الإسلام ، فرأينا نتيجة لذلك دعوة متنامية إلى إعادة إحلال الشريعة الإسلامية محل القوانين الوضعية عند المطالبين " بتطبيق الشريعة الإسلامية "، كما رأينا مطالبة قوية بإحلال "الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية" محل الاقتصاد الوضعي والبنوك الربوية ، كما ظهرت حركات قوية تطالب بممارسات " إسلامية" في مختلف جوانب الحياة كالتربية الإسلامية والإعلام الإسلامي .. الخ (إبراهيم رجب ، 1980).



المبحث الثاني : نقل برامج الرعاية الاجتماعية عن الغرب وآثاره



إذا طبقنا هذا التحليل التاريخي - المؤسسي Historical / Institutional في محيط الخدمة الاجتماعية فإننا سنجد أن أجهزة أن أجهزة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية وممارسات الخدمة الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية قد مرت بكل مرحلة من هذه المراحل التي أشرنا إليها ، كما تعرضت لنفس تلك المؤثرات ، واتخذت نفس تلك التوجهات.

فإذا عدنا إلى الفترات السابقة على الهجمة الاستعمارية على العالم الإسلامي فإننا سنجد أن الرعاية الاجتماعية للأفراد المحتاجين إلى المساعدة كانت تقدم من خلال المبادرات الفردية والجماعية ، كما كانت تقدم من خلال الحكومات المسلمة التي تستشعر - بدرجات متفاوتة - مسئوليتها أمام الله سبحانه وتعالي عن رعاية مواطنيها ، وقد كانت المفاهيم والقيم الإسلامية النبيلة التي تؤكد على أخوة المسلمين ووحدتهم العضوية كالجسد الواحد خير موجه لتلك الجهود الفردية والجماعية والحكومية ، بما يؤدى إلى " تكامل" الجهود التكافلية على مستوى المجتمع بجميع وحداته ، وقد جسدت مؤسسة "بيت مال" المسلمين فكرة التكامل هذه فيما يتصل بالإنفاق على مصالح المسلمين عامة بما في ذلك الرعاية الاجتماعية للمحتاجين ، كما جسدت فكرة "التكامل " بينهم من خلال نظم دقيقة لجباية وإنفاق الزكاة من الموارد وفي المصارف التي حددها الشارع الحكيم العليم بما يُصلح العباد ، أما الصدقات الفردية وحقوق الأقارب وصلة الأرحام وحقوق الجيران وأبناء السبيل .. وغيرها فقد فتحت الباب على مصراعيه لوصول الخير إلى الناس - من كل الناس - دون حدود ، ذلك أن فكرة الصدقة لا تقتصر على الحقوق المالية أو التطوع بالمال ، ولكنها تتجاوز ذلك إلى كل أنواع الخير وكل أشكال التراحم بين أفراد المسلمين ، مع مراقبة الله عز وجل في كل ذلك ، و الطمع فيما عند الله من الثواب مما هو خير وأبقى.

وإذا كان البعض قد يتساءل هنا عما إذا كانت هذه الصورة النظرية أو "المثالية" للمجتمع المسلم المتكامل "كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" تتجسد واقعيا في كل العصور ، فإن من الواضح أن المجتمعات الإسلامية في العصور المختلفة كانت تقترب حينا وتبتعد حينا عن هذا النموذج بحسب درجة تشرب المجتمع ونظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية بتلك القيم الإسلامية النبيلة ، فالتحليل العلمي الاجتماعي الصحيح يدلنا بوضوح إلى أنه كلما كانت علمية التنظيم الاجتماعي Process of Social Organization في المجتمع في عصر ما ذات كفاءة وذات فاعلية …وكلما ازدادت فاعلية التنشئة الاجتماعية وصحّت مسيرتها في الاتجاهات التي تتمشى مع المعايير والقيم الإسلامية …وكلما ضمنت عمليات الضبط الاجتماعي استمرار سير المجتمع بأفراده ومؤسساته ونظمه في نفس الاتجاه ، فإن الموقف في مثل ذلك المجتمع يقترب أشد الاقتراب من هذا النموذج الذي يتمشى بشكل كبير مع القيم المعيارية الإسلامية الصحيحة.

وعلى العكس مـــن ذلك فإن المجتمعات في فترات الانحلال والتفكك الاجتماعي Social Disorganization التي تتسم بتقطع عملية التنشئة الاجتماعية ، وتضارب توجهاتها، وتأثرها بقيم غريبة عن النسيج المعياري للمجتمع المسلم ، خصوصا إذا اقترنت هذه الظروف جميعا بضبط اجتماعي موجه في أهدافه ووسائله بغير قيم المجتمع المسلم ، لا يمكن أن تسودها في تلك الفترات تلك الصورة المتكاملة المتكافلة التي توجهنا إليها قيم هذا الدين ومعاييره.

وعلى أي حال فان ما يعنينا هنا هو أن تلك الصورة - التي قد تقترب أو تبتعد قليلا أو كثيرا عن ذلك النموذج التكاملي في المراحل السابقة على الغزو الاستعماري - قد تعرضت بعد الاحتلال الأجنبي إلى لطمة ساحقة من خلال التبني المنظم للأشكال التنظيمية والممارسات الاجتماعية المشاكلة لتلك التي انبثقت في الغرب ، والتي تقوم على نوع آخر من التكامل الذي يختلف في أساسه الروحي اختلافا كبيرا عن ذلك النمط من التكامل الذي تدعو إليه معايير الإسلام ، ذلك أن تلك الأشكال التنظيمية المستمدة من الغرب تقوم فيما يعنينا في هذه الدراسة على أساسين :

الأساس الأول: فصل الدين عن شئون الدنيا فيما يعرف بالتوجه العلماني Secularization ، مما يعنى أن المؤسسات والممارسات الاجتماعية - مثلها في ذلك مثل غيرها من المؤسسات والممارسات في بقية مناحي الحياة - ينبغي أن تبنى على أســـس تتصل فقط بهذه الحياة الدنيا ، مستبعدة بذلك أي صلة بالله أو اليوم الآخر ( ومما يجدر بالذكر هنا أن الخدمـة الاجتماعية في الغرب قـد قطعت شوطا طويلا في طريق العلمنة حتى بدأ المتخصصون فيها مؤخرا ينتقدون ذلك التوجـه الذي يرونــه مسئولا عن قصور الممارسة في الخدمة الاجتماعية ويدعون للتخلص من آثاره المريرة ) (Marty, 1980: 643).

الأساس الثاني : التخصص وتقسيم العمل سعيا وراء تحقيق أكبر قدر من الكفاءة ، والذي ترتب عليه عدم وجود اهتمام كبير بالعلاقات بين الوحدات المتخصصة ، حتى ولو كانت الوظائف التي تقوم بها تلك الوحدات مترابطة بطبيعتها ، كما هو الحال مثلا بالنسبة للعلاقات بين الأسرة والمدرسة وأجهزة الإعلام التي تشترك مع بعضها في وظائف التنشئة الاجتماعية .

almushref
11-25-2006, 12:03 AM
ولقد أدى إحلال الأجهزة والمؤسسات والسياسات المتصلة بالرعاية الاجتماعية المنطلقة من مثل تلك المنطلقات العلمانية والتجزيئية محل النظم والترتيبات التقليدية في المجتمعات الإسلامية إلى عدد من النتائج يمكن تلخيص أهمها فيما يلي:

1- تبنت معظم الدول الإسلامية مفهوم " الرعاية الاجتماعية" Social Welfare القائم على فكرة الحقوق الموحدة وغير الشخصية للمواطنين المتساوين في درجة حاجتهم ، والتي تقدم بطريقة غير شخصية لمن يحتاجونها كحقوق مفروضة مدنيا ، وذلك بدلا من مفهوم "التكامل" الاجتماعي العضوي القائم على أساس فكرة الأخوة في الله والتراحم بين المسلمين وما يترتب عليها من ارتباط شخصي وثيق ، والذي تنطلق فيه الممارسات مما فرضه الله سبحانه - الذي يعلم ما فيه الخير لخلقه - وعلى الوجه الذي شرعه.

2- تولت الحكومات الوطنية المسؤولية السياسية عن بعض البرامج العامة - كالضمان الاجتماعي - التي يتم الإنفاق عليها من حصيلة الضرائب العامة دون أخذ الواجبات الدينية كفريضة الزكاة في الاعتبار ، وقد قصُرت موارد معظم الدول دون الإنفاق الكافي على تلك البرامج حتى أصبحت شكلا خارجيا أو قوقعة فارغة لا مضمون حقيقي لها ، من جهة عدم القدرة على تقديم الحد الأدنى اللازم للمعيشة وفقا لما هو مفروض نظريا.

3- تضاءل الدور الذي تقوم به الترتيبات والنظم المحلية التقليدية التي كانت تتحمل في الماضي المسؤوليات المتكاملة مع وظائف الرعاية الاجتماعية بالمفهوم الحديث ، وخصوصا شبكة الدعم الاجتماعي غير الرسمي Social Support Network المتمثلة في الدعم الأسرى وعلاقات الجوار والأوقاف الخيرية ، نتيجة لشعور المواطنين بأن الدولة قد التزمت بالقيام بتلك الالتزامات بدلا من الأفراد ، فاستشرت السلبية بين المسلمين إلى حد يصل إلى التبلد وعدم الإحساس بحاجة الآخرين في بعض الأحوال.

4- تضاءل دور الجهود التطوعية المنظمة ، وضعفت المبادرة والجهود الذاتية للمواطنين نتيجة لتضييق بعض الحكومات (خصوصا في فترات ما يسمى بالتحول الاشتراكي) على الجمعيات الأهلية وإحاطتها بالشكوك بسبب التخوف الذي تشعر به تلك الحكومات نحو أي تعاون أصيل فيما بين المواطنين للصالح العام ، لئلا يؤدى ذلك في المدى البعيد إلى تقوية شعور المواطنين بكيانهم وقوتهم مما يقلق بعض النظم الحاكمة . (Springborg, 1989 : 170- 173)

5- تم نشر العديد من المؤسسات التي تقدم الخدمات اللازمة لبعض فئات المجتمع المحتاجة للرعاية كالأطفال والمعاقين والمسنين على نفس الأسس التي تقدم بها في المجتمعات غير الإسلامية حيث يتم التركيز على إشباع الحاجات المادية أساسا ، والنفسية والاجتماعية بشكل أقل ، أما الحاجات الروحية فلا تكاد تدخل في الاعتبار أصلا إلا في أضيق نطاق ، وكقطاع مستقل ومنفصل بشكل مصطنع عن بقية جوانب الرعاية الأخرى ، بدلا من أن تكون محورا لجميع ما يقدم من خدمات وما يبذل من جهود ، مما أفقد تلك المؤسسات قدرا كبيرا من فاعليتها .

6- وفي خضم الحماس الزائد لنقل الأفكار والمشروعات من الدول الأوربية ومن الولايات المتحدة الأمريكية فقد تم نقل أفكار لمشروعات مستحدثه دون فهم للمسلمات والأصول الثقافية التي بنيت عليها ، ودون إدراك بأنها غير ملائمة أصلا للبيئة المحلية ، كفكرة المحلات الاجتماعية Settlement Houses ، والتي بدأت تذوي أو تلغى ، أو تتحول للقيام بوظائف أخرى غير تلك التي أنشئت من أجلها.

7- أما في الدول التي توفرت لها الموارد المالية من عائدات النفط فإن الممارسة فيها وإن نجحت في تحقيق بعض أهدافها إلا أنها تعانى أيضا من نقص الفاعلية بسبب التزامها بالإطار الفلسفي العام وبالممارسات المستمدة من النموذج الغربي للخدمة الاجتماعية ، مع تخوف من الانعتاق من ربقة ذلك النموذج وكأنه سيؤدى إلى التخلي عن الأصول المهنية والعلمية ، أو يؤدى إلى انهيار الممارسة ، مع أن الأكثر احتمالا هو أن استجابتهم التلقائية لواقعهم الثقافي هو أفضل ضمان للنجاح والفاعلية .

8- اتجهت عملية إعداد الأخصائيين الاجتماعيين اللازمين للعمل في مؤسسات الرعاية الاجتماعية والتنمية الاجتماعية للسير في اتجاهات متطابقة مع مثيلتها في الغرب ، خصوصا فيما يتصل بالمقررات والمناهج والمراجع العلمية المعتمدة ، واستمرت تسير في ذلك الاتجاه إلى حد كبير رغم ما يزيد عن نصف قرن من تعليم الخدمة الاجتماعية في بعض الدول كمصر مثلا.

9- تفاقم الانفصال بين التخصصات التي تعمل في ميادين الرعاية الاجتماعية والتنمية الاجتماعية وازداد التعاون بينها صعوبة نتيجة للتركيز الزائد على التخصص وتقسيم العمل حتى ولو أدى ذلك إلى عدم تحقق أهداف البرامج أصلا ، وكما يقول موريس كلاين " إن ثمن التخصص هو العُقم ، وربما يتطلب التخصص براعة فائقة ، ولكنه قلما يكون له معنى " (أجروس وستانسيو ، 1984:115).

فماذا كانت الحصيلة النهائية لهذا كله؟ لا يمكن إلا لمكابر أن ينكر أن خدمات الرعاية الاجتماعية التي قدمت من خلال البرامج والمؤسسات التي تم استحداثها وفقا للتصور الغربي للإنسان والمجتمع قد أفادت قطاعات معينة من السكان ، وأن ممارسة الخدمة الاجتماعية في إطار تلك البرامج والمؤسسات وفي إطار غيرها من المؤسسات التعليمية والصحية والصناعية قد أسهمت في تحقيق قدر من الأهداف المعقودة عليها.

ولكن - وبنفس المنطق - فإنه لا يسع أحدا أن يزعم أن تلك البرامج والمؤسسات والممارسات في قطاعات الرعاية الاجتماعية والتنمية الاجتماعية قد كانت ذات فاعلية كبيرة في تحقيق أهدافها ، والمتفحص لهذه الأجهزة ولما يتم خلالها من ممارسات مهنية لن يملك إلا أن يشعر بأنها "تفتقد الروح" بالمعنيين المعروفين لهذا التعبير ، فهي تفتقد الروح بمعنى افتقاد الحيوية و الدينامية والفاعلية ، ولكنها أيضا تفتقد الروح بالمعنى الأكثر عمقا ، والذي يتمثل في إغفالها للجوانب الروحية والدينية سواء فيما يتصل بتنظيمها أو بخدماتها أو بالممارسات المهنية التي تتم فيها ، ونحن نقصد بالجوانب الروحية هنا تلك الجوانب المتعلقة " بصلة الإنسان بربه" سبحانه وتعالي . فالبرامج يتم تنظيمها على أسس علمانية جافة وجافية ، والخدمات تقدم للعملاء وكأنه لا صلة بين مشكلاتهم وبين نوع معرفتهم بربهم ونوع صلتهم بخالقهم ، والممارسون يقومون (حسب تصورهم ) بعمل "إنساني" محايد قيميا لا بعمل رباني التوجه قائم على مراقبة الله عز وجل ، مما جعل تلك الممارسات بتراء منبتّه الجذور منقطعة الثمار.

ونتيجة لذلك فإن المرء لا يتمالك عند تقويم ما يتم في إطار تلك البرامج والمؤسسات من الشعور " بالشكلية " التي تضرب أطنابها في محيط تلك البرامج ذات الرنين الأجوف الذي لا يستثير في المشاركين فيه ولاء ولا انتماء إلا في حدود ما يحقق مصالحهم قصيرة الأمد. ولقد توصلت إحدى الدراسات الهامة التي أجريت على ما يمكن اعتباره عينة ممثلة لمعظم تلك البرامج في مصر ألا وهي "الوحدات الاجتماعية" التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية إلى توصيف دقيق للأوضاع السائدة في تلك المؤسسات الاجتماعية بشكل يتسم بالصراحة والعمق ، فوجدت أنها تعانى من "نقص الشعور بالهدف أو الرسالة " ، و "ضعف شعور الموظفين بالانتماء"، و"عدم تقبل الأهالي للوحدة الاجتماعية وعدم ارتباطهم بها ، مع "انخفاض مستوى الشعور بالمسئولية" عند العاملين بها (هاردستر و بارفيس ، 1981)، وبطبيعة الحال فإن الثمار المرة لهذا كله قد تجلت في النهاية في ضعف تحقيق الأهداف ونقص كل من الفاعلية والكفاية بشكل خطير.

والواقع أن الأمر لم يكن يتطلب ممن لديهم أي إلمام بالأصول العامة لتصميم البرامج - أو ممن يقوّمون الأمور من منظور الإسلام - إجراء أي دراسات تقويمية منظمة حتى يتبين لهم حقيقة تلك البرامج والمؤسسات ، خصوصا من حيث خوائها الداخلي ونقص فاعليتها المحتوم ، ذلك أن من الأسس المقررة في تصميم البرامج أن كل برنامج يصمم على أساس منبتّ الصلة بالواقع الثقافي والاجتماعي الذي يعمل في إطاره هو برنامج محكوم عليه منذ اليوم الأول بالفشل أو على الأقل بضعف الفاعلية ، فما بالك - من وجهة إسلامية - ببناء المؤسسات والممارسات على غير أساس من الاهتداء بما شرعه خالق الناس لخلقه مما أنزله لصلاحهم وارتضاه تنظيما لشئونهم ، وتوعدهم على مخالفته بأن يجعل لهم معيشة ضنكا في هذه الدنيا بخلاف ما ينتظرهم من عذاب في الآخرة ؟

ولكن العجيب حقا أن الناس قد ألفوا هذه الأوضاع المتردية في مؤسساتنا حتى حسبوها قضاء مبرما وقدرا مقدورا ، باعتبارها جزءا من حالة "التخلف" التي تبدو وكأنها مقدّرة على المسلمين ، وكأنه لا فكاك منها مهما بذلنا من جهد ، حتى أصبح الحديث عن الإصلاح وكأنه صرخة في واد ، أو كأنه أمر ينبغي على العقلاء أن يجتنبوا الخوض فيه لأنه من أشباه المستحيلات ، مع أن تشخيص الموقف هين ويسير على من يسره الله عليه ، وعلى من ولّى وجهه إلى الله وهو محسن.

لقد نادت أصوات كثيرة منذ فترة طويلة بضرورة انطلاق برامج وممارسات الخدمة الاجتماعية من منظور الإسلام حتى يمكن لها أن تحقق الفاعلية المنشودة في إحداث التغيير في الفرد والجماعة والمجتمع ، ولكن تلك الأصوات كانت - أو كادت - تذهب أدراج الرياح في خضم طوفان التغريب-تحت-اسم-التحديث الذي ساد العالم الإسلامي ، ونود أن نشير هنا بشكل خاص في هذا النطاق إلى رسالة للدكتوراه قدمها عبد الله نويرة إلى إحدى جامعات الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر الخمسينات والتي نشرتها وزارة العمل والشئون الاجتماعية (1960) حول "الإسلام والخدمة الاجتماعية" والتي حاول فيها التوصل إلى أسس ومبادئ للخدمة الاجتماعية من منظور الإسلام ، باعتبارها تمثل أحد أهم تلك الجهود الجادة في هذا السبيل.

ولقد سبقت هذه الدراسة وتلتها محاولات أخرى سارت في نفس الطريق ، ولكنها كانت محدودة الأثر ولم يكن لها آثار تراكمية تذكر ، وإن كانت تمثل ولا شك إرهاصات لحركة التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية ، ومن الأمثلة التي ترد هنا على سبيل المثال محاولات د. لبيب السعيد بمجلة الرسالة عن الخدمة الاجتماعية في الإسلام (1949) وعن تنظيم الإحسان في الإسلام (1952)، ودراسة عبد الستار الدمنهوري (1958) عن الخدمة الاجتماعية في الإسلام ودراسة خالد صبحي عثمان (حول عام 1960) عن أثر العامل الديني في تطور الخدمات الاجتماعية، ودراسة إبراهيم رجب (1963) عن التوجيه الديني في مؤسسات رعاية الشباب.

ثم جاءت الستينات بتطوير جديد يتمثل في الاتجاه نحو " توطين الخدمة الاجتماعية" و " تأصيل الخدمة الاجتماعية في الدول النامية" نتيجة للشعور المتزايد على مستوى دول العالم الثالث كلها بعدم التوافق بين النموذج الغربي للخدمة الاجتماعية وبين الأرضية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في تلك الدول ، وقد كان لهذا الاتجاه قيمة كبرى في إثارة الأسئلة حول مدى ملاءمة النموذج الغربي ، مما مهد الطريق من الناحية النفسية على الأقل أمام حركة التأصيل الإسلامي في المراحل التالية .

وسنقوم في الفصل التالي بالحديث عن هذه الاتجاهات بشيء من التفصيل على اعتبار أن جهود التوطين والتأصيل في الدول النامية تمثل شعورا مبكرا بالمشكلة ، ونوعا من الاستجابة الباكرة لحلها ، وأن حركة أسلمة المعرفة وما تزامن معها من يقظة في العالم الإسلامي كانت بمثابة الدافع الأقوى لبلورة جهود التأصيل الإسلامي للعلوم بصفة عامة والخدمة الاجتماعية بصفة خاصة في الاتجاهات التي سارت فيها فيما بعد.

almushref
11-25-2006, 12:05 AM
كتاب الإسلام والخدمة الاجتماعية
الفصل الثاني

الشعور بالمشكلة والاستجابة للموقف



المبحث الأول : الدعوة إلى توطين وتأصيل الخدمة الاجتماعية في الدول النامية.

المبحث الثاني : اليقظة الإسلامية المعاصرة وقضية أسلمة المعرفة.




المبحث الأول : الدعوة إلى توطين وتأصيل الخدمة الاجتماعية في الدول النامية



لعل من الإنصاف أن نذكر ابتداء أن اصطلاح "التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية" أو ما يكافئه "كالتأصيل الإسلامي للخدمة الاجتماعية" لم تظهر إلى الوجود في أشكالها المكتملة الحالية إلا في السنوات العشر الأخيرة ، وقد سبقها بالظهور في الستينات كما ذكرنا مفهومان هامان يتفقان معها في الاتجاه وإن لم يتفقا في التوجه ، ألا وهما:

1- اصطلاح " توطين الخدمة الاجتماعية " الذي هو في أصله ترجمــة لاصطلاح أجنبي بـدأ يظهر في بعض الكتابات الغربيـة المستنيرة ، وفي بعض كتابات المشتغلين بالخدمة الاجتماعية في بعض دول العالم لا ثالث ، هو اصطلاح Indigenization of Social Work.

2- ثم اصطلاح " تأصيل الخدمة الاجتماعية في الدول النامية" ، الذي تبلور لدى المشتغلين بتعليم الخدمة الاجتماعية في مصر تجاوزا لسلبيات الاصطلاح الأول وتعميقا للنواحي الإيجابية فيه.

ونظرا لأهمية هذين الاصطلاحين فقد يكون من المفيد أن نتناول كلا منهما هنا بشيء من الإيجاز قبل أن ننتقل لمعالجة مفهوم التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية .



توطين الخدمة الاجتماعية

لقد استخدم اصطلاح توطين الخدمة الاجتماعية في الكتابات الغربية والعربية ليشير إلى "تكييف أو تطويع أو (أقلمة ) المهنة حسب ظروف ومتطلبات المجتمع الذي تعمل فيه" بدلا من مجرد النقل الكامل من ممارسة الدول الأخرى ، وقد عرف عبد الفتاح عثمان وزملاؤه (1984: 285 ، 290) التوطين بأنه " تلك الجهود العلمية التي تبذل لإحداث تغييرات في بعض مكونات الخدمة الاجتماعية المنتشرة ثقافيا من الخارج ، بقصد التوصل إلى بعض الابتكارات والتجديدات استجابة لبعض الظروف والعوامل الثقافية المميزة لهذا المجتمع ، والمختلفة بقدر ما عن الظروف السائدة في المجتمعات التي انتشرت منها الخدمة الاجتماعية ، وذلك كي تكتسب الخدمة الاجتماعية فاعلية أكبر في تنمية المجتمع العاملة فيه وحل مشكلاته الاجتماعية ، والهدف الأساسي من التوطين هو إكساب المهنة فاعلية يدركها المجتمع .. على نحو يجعل من الخدمة الاجتماعية موضع اهتمام وتقدير قومي".

ولعلنا نلاحظ أولا أن هذا التعريف يشير على استحياء إلى أن التوطين يتطلب إحداث تغييرات في " بعض" مكونات الخدمة الاجتماعية ، للتوصل إلى " بعض" الابتكارات ، استجابة " لبعض " العوامل المحلية ، تجنبا -فيما يبدو- للتحديد الدقيق لأنواع التغييرات المطلوبة أو لمدى تلك التغييرات ، وكأن أصحاب التعريف قد استشعروا أن التغييرات المطلوبة ستكون تغييرات جذرية إن أردنا لها أن تحقق الأهداف المرجوة من ورائها ، أو كأنهم استشعروا أن تحديد أنواع تلك التغييرات أو مداها قد يكشف عن أن المطلوب ليس مجرد أقلمه أو تطويع لبعض المفاهيم الوافدة وإنما هو أمر لا يقل في نطاقه عن عملية إعادة نظر شاملة في المهنة ومكوناتها ، فالقضية ليست قضية استبعاد بعض المصطلحات ، أو استبدال ألفاظ بأخرى ، كما أنها ليست مجرد إعادة ترتيب الأولويات ( التنموية قبل العلاجية مثلا) فمثل هذا التطويع لا يصل إلى التعامل الواضح مع ما جاء بالتعريف نفسه حول الاستجابة لبعض الظروف " الثقافية " ، وإنما يتصل فقط ببعض الأوضاع البنائية ، وما يرتبط بها من نوعية المشكلات وأولويات طرق التدخل ، أما العوامل والظروف الثقافية فإنها تشتمل أول ما تشتمل على التعامل مع الجوانب القيمية والمكونات الروحية والدينية ، وهذا ما تجنبته مناقشات " توطين الخدمة الاجتماعية " بشكل مستمر.

كما نلاحظ من جهة أخرى أن التوطين - وفقا لذلك التعريف- إنما هو في جوهره مفهوم نفعي أو براجماتى ، هدفه أساسا زيادة فاعلية الجهود المهنية للخدمة الاجتماعية اكتسابا للاعتراف المجتمعي بقيمتها ، وذلك من خلال زيادة درجة التوافق بين مفاهيم ونظريات الممارسة المهنية المستوردة وبين الواقع الاجتماعي والاقتصادي الثقافي للمجتمع الذي تمارس فيه ، فالقضية بالنسبة لاتجاه التوطين إذن لا تبدو مسألة مبدأ أو توجه فكرى واضح بقدر ما هي مسألة ملاءمة اجتماعية (وثقافية ؟) مما يجعل مردوده المهني محل شك كبير لعدم وضوح الإطار الفكري الذي ينتظم جوانبه ويلم شتاته.

وأخيرا فإننا نلاحظ أن توطين الخدمة الاجتماعية بهذا المفهوم إنما يقوم على التسليم ضمنا بصدق وصلاحية النموذج الغربي في جوهره ، وبأن كل المطلوب هو " أقلمته أو تطويعه " ليناسب الأوضاع المحلية ليزداد فاعلية في التطبيق ، وهو بهذا لا يتضمن رؤية " نقدية " أصيلة للاختلافات الجذرية بين المسلمات والافتراضات الأساسية التي تقوم عليها المهنة تقليديا والمستمدة من التصورات العامة للحضارة الغربية ، وبين التصورات العامة للثقافة العربية الإسلامية لمجتمعاتنا ، وإلا لما كان بعض رواد اتجاه التوطين هم أنفسهم من أساطين الخدمة الاجتماعية في المجتمعات "الغربية" ذاتها ( من أمثال العالم الشهير الأستاذ هيرمان شتاين) هم الذين أدركوا برجاحة عقولهم وخبرتهم الطويلة أنه لا يمكن للمهنة أن تضرب بجذورها في دول العالم النامي إلا إذا كانت متوافقة مع ثقافة تلك الدول وبناءاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، بعد أن لاحظوا فشل العديد من البرامج التي تم نقلها واستزراعها في الدول النامية دون تطويعها أو أقلمتها - مع عدم إمكان الظن بأن أولئك الخبراء الغربيين لديهم أي شكوك قوية في الأسس التي بنيت عليها المهنة عندهم وذلك باعتبار تشربهم بقيم تلك الحضارة الغربية وصعوبة تجاوزهم لها.



تأصيل الخدمة الاجتماعية في الدول النامية

لمواجهة أوجه القصور المشار إليها في اتجاه توطين الخدمة الاجتماعية فقد نادى بعض المشتغلين بتعليم الخدمة الاجتماعية في مصر بالتحول إلى مفهوم " تأصيل الخدمة الاجتماعية في الدول النامية" كبديل لمفهوم التوطين المشار إليه ، على أساس أن " التأصيل" ينظر للموقف من الزاوية الصحيحة ، فإذا كان التوطين يبدأ بالانطلاق من النماذج الغربية (مع نوع من التسليم الضمني بأنه لا اعتراض على تلك النماذج في جوهرها) ويحاول تطويعها للظروف المحلية ، فان التأصيل - على العكس من ذلك - يبدأ من الواقع المحلى واحتياجاته كأساس للاختيار من بين النماذج الغربية أو غير الغربية ، بمعنى أن اتجاه التأصيل يرفض التسليم ابتداء بصحة النموذج الغربي أو غيره ثم الاجتهاد في البحث عن طرق أقلمته ، وإنما هو يبدأ من التسليم أولا بهويتنا الثقافية وظروفنا البنائية التي إذا حددنا معالمها بوضوح فإنها ستكون هي المعيار الصحيح لما يمكن التسليم به وما لا يمكن التسليم به.

ومن هنا يتضح لنا أن اتجاه تأصيل الخدمة الاجتماعية في الدول النامية ليس اتجاها رافضا على أساس "مبدئي" للنماذج الغربية أو غير الغربية ، فهذا أمر مستحيل من الناحية العلمية (حتى لو تصور البعض إمكانه نظريا ) لأن الخدمة الاجتماعية كإحدى مهن المساعدة الإنسانية لا تملك رفاهية " التوقف" أو حتى التردد حتى نتوصل إلى البديل الصحيح ، ذلك أن الأخصائيين الاجتماعيين مسؤولون عن مؤسسات اجتماعية تمارس أعمالها في خدمة الناس ، وهناك قرارات تتخذ يوميا لأداء تلك الأعمال ، واستناد القرارات حتى إلى تلك النماذج التي تعرضت للنقد هو أفضل بالتأكيد من انتظار الوصول إلى البديل في فراغ ، أو الاعتماد على مجرد المحاولة والخطأ ، ومن الطبيعي إذن أن المطالبين " بتأصيل الخدمة الاجتماعية في الدول النامية" يتصورون أن الحل إنما يكمن في " البدء" مباشرة بالتخطيط لبرنامج جاد لفهم الواقع المحلى يمكن على أساسه التوصل إلى النماذج المحلية الملائمة جنبا إلى جنب مع استمرار المؤسسات القائمة في أداء أعمالها وفق النموذج التقليدي ، مع الإحلال المستمر لأي ممارسات أو أدوات مستحدثة محل مثيلاتها التقليدية بالتدريج .. مهما كان الوقت الذي تحتاجه عملية التأصيل.

وفي ضوء ذلك فإن عملية " تأصيل الخدمة الاجتماعية في الدول النامية" تتطلب القيام بعدد من الإجراءات التي يتصل بعضها بجهود ذات طبيعة بحثية ، كما يتصل بعضها الآخر بالممارسة ، أما البعض الأخير فيتصل بتعليم الخدمة الاجتماعية كما يلي ( رجب ، 1981):

1- بلورة " القيم الاجتماعية الأساسية " المؤثرة على نسق الرعاية الاجتماعية في المجتمع الذي تتم فيه الممارسة.

2- دراسة أوضاع " التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية " المحلية خصوصا من حيث نوع تأثيرها على رفاهية الأفراد والجماعات في المجتمع.

3- تحديد " المشكلات الاجتماعية" التي تؤثر سلبا على حياة السكان في علاقتها بتلك الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يتم إشباع حاجات الناس في إطارها .

4- دراسة " البدائل الوطنية" المحلية المقابلة للبرامج المنقولة عن الدول الأخرى ، لتكون نقطة البداية نحو ابتكار برامج أكثر ملاءمة للظروف المحلية ، في نفس الوقت الذي تتم فيه الاستفادة من الخبرات الجديدة المستفادة من الدول الأخرى .

5- بلورة أساليب الممارسة المهنية الملائمة في ضوء ذلك الفهم الذي تبلور للواقع المحلى مع الاستفادة بما لدى الغير مما لا يتعارض معها.

6- " تجربة" تلك الأساليب في الواقع المحلى " وتقويم درجة فاعليتها" ، وإعادة التجريب الميداني مرة بعد مرة "وتسجيل" النتائج توصلا إلى " نظريات الممارسة المحلية " المؤصلة .

7- إدماج تلك النظريات في برامج " الإعداد المهني " للأخصائيين الاجتماعيين لتكون موجهة لممارستهم المؤصلة في مستقبل عملهم.

وإذن فإن مفهوم " تأصيل الخدمة الاجتماعية في الدول النامية" بهذا الوصف يتجاوز إلى حد كبير الكثير من أوجه النقد التي وجهت لمفهوم " التوطين" خصوصا وأن التأصيل يقوم أولا على معرفة الذات والوعي بالواقع المحلى ، ويجعل التطابق مع هذه المعرفة وهذا الوعي جواز المرور الأوّلى لكل مبدأ مهني أو أداة للممارسة ، مما يتمشى مع الأصول العلمية الصحيحة المرعية في " تحليل المشكلات " و " تخطيط السياسات والمشروعات" ، التي تبدأ بالظروف البنائية والمحددات القيمية والثقافية المؤثرة في الموقف أو المشكلة قبل الدخول في اختيار بدائل السياسة والتخطيط للمشروعات اللازمة لمواجهتها .

ورغم ذلك فإن اتجاهات توطين وتأصيل الخدمة الاجتماعية التي ظهرت في الستينات تشترك فيما بينها في خاصيتين رئيسيتين:

1- أن هذه الدعوات قد انصب اهتمامها على إصلاح مسار الخدمة الاجتماعية في " الدول النامية" بصفة عامة ، ولم يكن أساسا منصبا على الدول الإسلامية ، بل إن علماء الخدمة الاجتماعية في الغرب هم الذين صكوا اصطلاح التوطين ودعوا إليه كما ذكرنا ، ومن هنا فقد كان من المحتم أن تتخذ هذه التوجيهات شكل "الدعوة العامة" غير الموجهة بشكل محدد لخدمة قضايا الدول الإسلامية التي تشترك مع بعضها في الأطر الثقافية والقيمية بل والبنائية المتميزة ، وقد كان من الطبيعي في ضوء ذلك أن العائد منهما كان محدودا ، لم يتجاوز - كما ذكرنا- المناقشات حول تحديد أولويات التدخل التي تناسب العالم الثالث في مقابل تلك التي تناسب الدول الصناعية المتقدمة.

2- كانت هذه الدعوات مدفوعة - كما يرى البعض- " بالحماس الوطني" إضافة إلى إدراك الاختلافات بين الدول النامية والدول الصناعية ( عبد العال ، 1989: 195-196) وهذا دافع له قوته ولكن له حدوده ولاشك ، في حين أن اتجاه التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية كما سنرى ينظر للقضية بشكل أعمق بكثير ، إذ يرى أن تحقيق تنمية العالم العربي والإسلامي إنما تتوقف في جانب من أهم جوانبها على انطلاق علومه ومهنه من منظور الإسلام ، كما يرى في الأمر واجبا والتزاما دينيا أمام الله سبحانه وتعالي في الصدع بأمره ومتابعة هديه قبل التنمية وقبل الحماس الوطني ، وبعدهما .

وعلى أي حال فليس هناك من شك في أن دعوات التوطين والتأصيل قد كانت بمثابة الاستجابة الطبيعية لشعور المتخصصين في الخدمة الاجتماعية بعدم التوافق بين نماذج الممارسة الوافدة وبين الواقع المحلى في المجتمعات التي انتقلت إليها المهنة ، وأنها بذلك تعتبر بمثابة الشهادة الحية على الحاجة إلى إعادة النظر في النماذج الوافدة في ضوء حقائق الواقع المحلى مما هيأ الأذهان وأعدها لحسن استقبال الدعوة إلى المراجعة الجذرية لتلك النماذج في ضوء حقائق الإسلام.



المبحث الثاني : اليقظة الإسلامية المعاصرة وقضية أسلمة المعرفة



رغم أن التأريخ التفصيلي والتحليل المنظم للظروف التي أسهمت في بزوغ حركة اليقظة الإسلامية المعاصرة ، وما صحبها من ظهور أهمية قضية " أسلمة المعرفة" يخرج عن نطاق هذه الورقة ، إلا أننا نستطيع هنا على الأقلّ أن نشير باختصار إلى عدد من الظروف والعوامل التي كانت ذات أهمية خاصة لبلورة تلك التوجهات المباركة ونضجها ، وسنكتشف على الفور أن بعض هذه العوامل إنما يرجع - ومن عجب - إلى تطورات ظهرت على مسرح الحياة العلمية في محيط الحضارة الغربية ذاتها ، كما أن بعضها الآخر لا يخرج عن كونه انعكاسا لتلك التطورات نفسها ونوعَ تأثُّرٍ بها في محيط العالم الإسلامي ، بينما يرجع البعض الأخير إلى طبيعة وظروف وتاريخ العالم الإسلامي ذاته ، وسنشير فيما يلي إلى بعض تلك العوامل باختصار:

1- لعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا أن من أهم العوامل التي أسهمت - بطريق غير مباشر- في تكوين اليقظة الإسلامية المعاصرة ودفعها دفعا حثيثا إلى حيث تقف الآن - بفضل الله - هو تلك الثورة التي تحققت في محيط علم الفيزياء الحديثة في النصف الأول من القرن العشرين فيما يتعلق بفهم طبيعة الذرة وما دونها من جسيمات في إطار نظرية النسبية ونظرية الكم Quantum Theory ومبدأ عدم التيقن على أيدي أينشتاين وهيزنبرج وبور وغيرهم ، تلك التطورات التي أدت إلى انهيار النظرة "المادية" الميكانيكية القديمة التي كانت ترى الكون نسقا ميكانيكيا مكونا من " ذرات مادية صلبة" ... حيث بينت تلك الكشوف الجديدة أن الذرة تتكون بدلا من ذلك من فضاء شاسع ، تدور فيه باستمرار جسيمات متناهية الصغر هي الإلكترونات ، حول نواة تتكون بدورها من بروتونات ونيوترونات وأعداد كبيرة من الجسيمات.

ولقد أوضحت نظرية الكم أن هذه الجسيمات ( الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات وغيرها) كما يقول كابرا ليست من قبيل تلك الأجسام الصلبة التي كانت تحدثنا عنها الفيزياء الكلاسيكية ، ... وإنما هي كيانات مجردة ذات طبيعة مزدوجة تتوقف هويتها على الطريقة التي ننظر بها إليها! فهي تبدو أحيانا كجسيمات Particles وأحيانا كموجات Waves من الطاقة ، ومعنى ذلك أننا عندما ننزل ببحوثنا إلى مستوى مكونات الذرة فإننا نجد " أن الأجسام المادية الصلبة التي كانت تحدثنا عنها الفيزياء التقليدية قد ذابت فاتخذت شكل أنماط احتمالية شبيهة بالموجات ، وفوق ذلك فإن هذه الأنماط لا تمثل "احتمالات لأشياء" Probabilities of Things وإنما هي أقرب لأن تكون احتمالات لأنواع من " الارتباطات المتبادلة "Interconnections... وقد أدت هذه الاكتشافات المدهشة في الفيزياء الحديثة إلى إدراك العلماء "لوحدة الكون" ، كما فتحت الباب على مصراعيه أمام "التوافق التام مع الأهداف الروحية والمعتقدات الدينية" (Capra : 1982: 67-70).

وقد ترتب على هذه الثورة في فهم العالم شيء من التخاذل في صفوف رجال العهد القديم في محيط العلوم الطبيعية وغيرهم ممن درجوا على تمجيد الإلحاد والتطورية لإضفاء مسحه علمية زائفة عليها ، كما أدى ذلك إلى تقوية قلوب أهل الإيمان الذين زادتهم تلكم الكشوف إيمانا على إيمانهم ، كما زادتهم ثقة بوعد ربهم -- وذلك بالرغم مما يرونه واقعيا أمامهم من ضعف الأمة الإسلامية ماديا وتخاذلها وهزيمتها الداخلية نفسيا ، ولكن آثار هذا كله لم تظهر بوضوح وبشكل مباشر ، نظرا لما تحتاجه التطورات العلمية عادة من زمن طويل - قدره بعض العلماء بخمسين سنة - حتى يتم تشربها في العلوم الأخرى وفي وجدان العامة.

almushref
11-25-2006, 12:06 AM
2- وقد دعم تلك الاتجاهات نفسها ذلك التقدم الكبير الذي تحقق من جهة أخرى في السبعينات في علوم الأعصاب Neuroscience وذلك فيما يتعلق بفهم طبيعة المخ والجهاز العصبي وعلاقتهما بالسلوك الإنساني .... فلقد كانت كل الوظائف العقلية ووظائف المخ تفسر في الماضي - كما يقول سبيرى - بتفسيرات مادية بحتة "على أساس أنها محكومة بنشاط الخلايا العصبية... ، وأن هذا النشاط بدوره تحكمه قوانين الطبيعة والكيمياء الحيوية ... " حتى نصل في النهاية إلى أن سلوك الإنسان محتوم بالتفاعلات الطبيعية التي تحدث داخل مكونات الذرات التي يتكون منها المخ بمعنى أن التأثير هو دائما من أسفل إلى أعلى ... إلى أن جاء التوجه "المعرفي - العقلي" الجديدCognitive/ Mentalist ليكشف عن أن الإنسان "كوحدة حية" ذات مستوى وجودي أرقى من مجرد مستوى الذرات والخلايا قادر أيضا - على هذا المستوى الإنساني - على إحداث تأثير من أعلى إلى أسفل نتيجة لظهور خصائص جديدة منبثقة على هذا المستوى لم تكن موجودة من قبل ، هي الخواص "العقلية" ، التي تتفاعل وتؤثر كعوامل سببية على نفس هذا المستوى الأعلى من الوجود ، كما أنها في الوقت ذاته تتحكم سببيا فيما هو أدنى منها من المستويات (الخلايا العصبية ومكوناتها) ، ويقول سبيرى معلقا على ذلك "إن هذا التوجه يدل على أننا وهذا الكون الذي نعيش فيه أكثر من مجرد أسراب راكضة من الذرات والإلكترونات والبروتونات الدائبة الحركة .. وهذه النظرة الجديدة للواقع .. تتقبل الخواص العقلية والروحية كحقائق سببية فاعلة"(Sperry, 1988: 609) .

ولقد أدت تلك الكشوف العلمية الجديدة من جهتها إلى ثورة أخرى ولكنها تتصل هذه المرة بالنظرة إلى طبيعة الإنسان والعوامل المؤثرة في سلوكه ، حيث أزيح كابوس التوجهات الميكانيكية المادية في النظر إلى الإنسان وانفتحت آفاق البحث العلمي المشروع في الجوانب العقلية والروحية والدينية في تأثيرها على السلوك ، فجاء ذلك تدعيما لتوجهات أولئك الباحثين المسلمين الذين لم يكن أمامهم في الماضي إلا أن ينكروا ذلك الضلال العلمي بقلوبهم فأصبحوا ينكرون بألسنتهم وببحوثهم ، بل ويضيفون بصائر جديدة في فهم الإنسان وسلوكه لم يكن من الممكن التوصل إليها في إطار التصورات المادية الميكانيكية التقليدية .

3- ترتب على الاكتشافات المشار إليها في مجال علم الفيزياء الحديثة وفي مجال العلوم البيولوجية وخصوصا علم الأعصاب أن بدأ الشك يحيط بقوة بالأسس التي يقوم عليها المنهج العلمي الحديث ذاته، خصوصا فيما يتصل بالمشروعية "العلمية" لتطبيقه في الدراسات المتصلة بالإنسان والمجتمع ، وذلك بعد أن ثبت أن الإغراق في الإمبيريقية Empiricsm والاعتماد على الحواس وحدها كأساس للمعرفة مع استبعاد العوامل الروحية والدينية من الاعتبار عند دراسة السلوك الإنساني والترتيبات المجتمعية قد أدت إلى إعاقة تقدم العلوم الاجتماعية وكانت السبب في أزمتها الراهنة ، فبدأت ثورة علمية موازية في عالم المنهج أيضا تطالب بإعادة النظر في مسلمات المنهج العلمي التقليدي وفتح الباب أمام ألوان أخرى من الاستبصار مصدرها الوحي الصحيح .

وقد أزال هذا التطور المنهجي آخر الحواجز المتلفعة برداء العلم والتي كانت تحول دون المراجعة الجريئة لكثير مما درج العلماء على احترامه بل وتقديسه مما توجهات قديمة في فلسفة العلوم أو في مسائل المنهج ، وقد أدى هذا إلى فتح الباب على مصراعيه أمام الإدراك المتزايد لأهمية الوحي والأطر التصورية المستمدة منه في توجيه العلوم عامة والعلوم الاجتماعية خاصة ، وقد نوقشت هذه القضايا تفصيلا في غير هذا الموضع حيث يمكن الرجوع إليها (رجب ، 1991) ، فزادت هذه الثورة الإبستمولوجية والمنهجية من الشعور بأن العالم الإسلامي مغبون كل الغبن إذا التزم أبناؤه نفس الخطوط التي التزمها علماء الغرب حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلوه ، مما أعطى دفعة قوية أخرى لقضايا أسلمة المعرفة أو تأصيلها إسلاميا .

4- زوال الانبهار بالتقدم المادي والتكنولوجي المعاصر بعد انكشاف الآثار المدمرة على البيئة والإنسان التي نجمت عنه مباشرة من جهة ، وتلك التي نجمت من جهة أخرى عن انسياق المجتمعات المعاصرة وراء قيم الحضارة الغربية الموجهة لتلك التطبيقات التكنولوجية ، والتي تركز على " قهر الطبيعة" ، وعلى " النمو بأي ثمن" ... تلك الآثار التي وصفها كابرا"بالجوانب المظلمة للنمو" والتي تتمثل في "تلوث الهواء ، والضوضاء المقلقة ، وازدحام الطرق بالمركبات ، والتلوث الكيميائي ، والمخاطر الإشعاعية ، وغير ذلك من مصادر الضغوط الفيزيقية والنفسية التي أصبحت جزءا من الحياة اليومية لكل منا ... ، إن هذا التركيز على (التوسع الاقتصادي ) وتعظيم الربح وزيادة الإنتاجية في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الصناعية قد أدى إلى إيجاد مجتمعات من المستهلكين المتنافسين ، الذين يتم إغراؤهم على شراء واستعمال ثم إلقاء كميات متزايدة باستمرار من المنتجات المشكوك في قيمتها" والتي يتطلب إنتاجها استخدام تقنيات تستهلك المزيد والمزيد من الموارد الطبيعية ، كما تتطلب كميات رهيبة من الطاقة لإنتاجها ، في نفس الوقت الذي يتخلف عن إنتاجها كميات كبيرة من المخلفات الكيماوية والنووية الخطيرة بشكل متزايد .

فإذا أضفنا إلى ذلك كله المشكلات والآثار " المرضية " الناشئة عن سوء توجيه الممارسات الطبية والصيدلية ، وعن الاستخدامات غير الصحية للكيماويات في الزراعة الغذاء ، وانتهاء بمشكلات تكديس السلاح النووي ، فإن الصورة النهائية التي تتجمع من وراء هذا كله تشير بوضوح إلى ما يتهدد البشرية كلها من مخاطر من جراء متابعة ذلك النموذج الغربي (Capra, 1982: 249-281).

ولا شك أن هذه المراجعة الفاحصة لنتائج التقدم العلمي والتقني قد أسهمت في تغيير النظرة التقليدية التي كانت تمجد "التقدم" التكنولوجي والابتكارات "الحديثة" دون أي تحفظ ، وأثبتت أن ما يفعله الإنسان ببيئته سرعان ما يرتد في نحره إن عاجلا أو آجلا ، وأنه ليس هناك من بديل عن التعامل المسئول مع البيئة ، مما قوّى حجة من ينظرون للإنسان على أنه مستخلف في الأرض التي سخرت من أجله ، وأنه مسئول عن رعايتها والمحافظة عليها - تلك القيم النبيلة التي تبين الإنسان المسلم أنه يملكها رغم تخلفه التكنولوجي ، وأصبح يتطلع إلى ذلك اليوم الذي يستطيع فيه أن يسهم في التقدم التكنولوجي ولكن من منظور مهتد بهدى الله خالق الأرض والسماوات.

5- ازدياد ثقة الشعوب الإسلامية بدينها وشريعتها ونظمها بعد أن شهدت فشل حكوماتها المتعاقبة في تجاربها السياسية المتهورة التي تبنت فيها كل أشكال نظم الحكم الوضعي العلمانية المعروفة في عصرنا ، وبعد أن تبين لكل ذي بصر وبصيرة أن استمرار التخلف والفساد في المجتمعات الإسلامية لا علاج له إلا بتبني القيم والنظم الإسلامية الإلهية ، ليس فقط فيما يتصل بالنظم السياسية بل والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية بالمعنى الشامل ، وبالطاعة المطلقة لله سبحانه وتعالي فيما أمر ونهى ، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الدول ، أو على مستوى الفكر والمنهج والممارسة .

6- قيام الجامعات الإسلامية بإنشاء كليات وأقسام للعلوم الاجتماعية على أمل "التوجيه الإسلامي" لتلك العلوم ولما تضمها من تخصصات ، وشعور القائمين بالتدريس في تلك الكليات بالتنافر المعرفي العنيف الناتج عن قيامهم بتدريس تلك العلوم الاجتماعية المنطلقة في كثير من مصادرها الأصلية من فكر إلحادي نشط ( أو على الأقل فكر علماني منبت الصلة عن كل ما يتصل بالله واليوم الآخر) في جامعات "إسلامية" يفترض منطقيا أن يكون كل ما يدرس فيها ملتزما بالأطر التصورية للإسلام ، ولا شك أن هذا الموقف الصعب قد حفز الكثيرين من القائمين بتدريس العلوم الاجتماعية في الجامعات الإسلامية بل وغيرها من الجامعات لبذل مزيد من الجهد ليس فقط لمرجعة ما يدرِّسونه لطلابهم وعرضه على الكتاب والسنة ، بل والاجتهاد في النظر فيما يقتضيه التصور الإسلامي بالنسبة لتخصصاتهم الحديثة .

وبتأثير هذه التطورات الجذرية كلها - سواء منها ما كان على مستوى العلم وما كان على مستوى العالَم - فقد شهدت الأوطان الإسلامية في السنوات الأخيرة تلك الانبعاثة الإسلامية المباركة بأبعادها الشاملة ( وليس فقط بما اصطلح على تسميته بالصحوة الإسلامية التي كانت جوانبها السياسية أكثر ظهورا من غيرها) التي جاءت تأويلا واقعيا لقوله تعالي "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" ( فصلت : 53) والتي تبينت أنه لا صلاح لهذه الأمة ، ولا نجاة لها مما يدبره لها أعداؤها المتربصون ، ولا فلاح لها في الآخرة ، إلا بأن تعيد النظر في كل شأن من شؤون حياتها لتزنه بميزان الإسلام ، وبأن تقيم كل نظمها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على عُمُد مما شرعه الله وارتضاه لهم ، دون تردد أو نكول . وقد جاء هذا تصديقا لما سبق أن أوضحناه من أن استعادة التوافق بين النظم والمؤسسات التي يحيا الناس في إطارها وبين القيم والمعتقدات التي يدينون بها هو من الشروط الرئيسة لفاعلية عملية التنظيم الاجتماعي في تحقيق أهداف المجتمع.

ولقد صاحب تلك الانبعاثة المباركة ، أو كان بمثابة القلب منها ، أو كان أثرا من آثارها الكبرى ، الشعور بضرورة التوجيه الإسلامي للعلوم والمهن في كل مناحي الحياة ، وقد جاءت هذه الحركة التي بدأت بالمطالبة " بأسلمة المعرفة" بمثابة القطب الذي انتظمت حوله الجهود المتفرقة التي كانت تتوق دوما للربط بين الإسلام والخدمة الاجتماعية ، مما أعطى جهود التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية دفعة كبرى منذ بداية الثمانينات ، حيث اتسع وتعمق نطاق الشعور بأن نماذج الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية المستمدة من المنهج الغربي العلماني للحياة لا يمكن أن يتحقق منها الخير لأمة الإسلام التي تؤمن بالله واليوم الآخر ، والتي تعلم علم اليقين أن كل وجه من أوجه حياة الفرد المسلم والمجتمع المسلم تتأثر أشد التأثر بذلك الإيمان وبمقتضياته . فلم يعد مفهوما ولا مقبولا أن يتعامل الأخصائي الاجتماعي مع العميل وكأن صلة هذا العميل بربه لا تعنى شيئا بالنسبة للمشكلة التي يعانى منها ، أو كأنها لا تعنى شيئا بالنسبة لنوع المساعدة التي يصلح أن تقدم إليه لمعاونته على حلها .

وإذا كان هناك البعض ممن ترددوا في القبول بهذه الثورة العلمية المقبلة في محيط الخدمة الاجتماعية في بعض الدول الإسلامية ، تحت وطأة الإلف والاعتياد لتلك النماذج الغربية التي قضوا العمر في تحصيلها ، فإن بعض علماء الخدمة الاجتماعية الغربيين أنفسهم قد بدأوا يشعرون بأن من المستحيل أن تقدم الخدمة الاجتماعية مساعداتها للناس دون اكتراث بقيمهم الدينية ولا لأشواقهم الروحية ، بحجة الحياد القيمي والموضوعية المزعومة التي ورثتها المهنة عندهم من الاتجاهات الامبييريقية المتطرفة التي طفت على سطح المنهج العلمي التقليدي في البحث ردحا طويلا من الزمن ، فأوضح جوزيف هيس مثلا أن أساس " أزمة الهوية " التي تعانى منها الخدمة الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية إنما يكمن في إهمال البعد الروحي في الممارسة (Hess, 1980: 59-66)، كما بين مارتن مارتي في مقال هام بعنوان " الخدمات الاجتماعية : مؤمنة أم كافرة" أن إهمال الدين في كتابات وممارسات الخدمة الاجتماعية يؤدى إلى وجود "فجوة في التصور بين الأخصائيين الاجتماعيين وبين الناس الذين تقدم لهم الخدمات الاجتماعية ، فأولئك الناس قد تكون لديهم دوافع تحركها الرغبة في إيجاد معنى لحياتهم لكن تلك الدوافع والرغبات لا تجد أذنا صاغية عند الأخصائي الاجتماعي الذي يستبعد في لغته المتخصصة أي اهتمام بهذه النواحي " (Marty, 1980 : 463-465) أما سو سبنسر فقد تساءلت قبل ذلك بسنوات طويلة ، وبعبارات تتضمن العجب الشديد من هذه التوجهات العلمانية في إعداد الأخصائيين الاجتماعيين وممارستهم بقولها "إذا كانت هذه الحاجات والدوافع الروحية هي جزء لا يتجزأ من حياة تلك الأعداد الكبيرة من الناس ، وإذا كان استخدام العقيدة الدينية له تلك القيمة الحقيقية أو المحتملة بالنسبة لهذه الأعداد الغفيرة من الناس فإن المرء ليتساءل عن أسباب تردد الأخصائيين الاجتماعيين في الاعتراف بتلك الحاجات ومقابلتها ... " (Spencer, 1957 : 527) .

ويحق لنا أن نشارك سبنسر العجب - بل والدهشة الشديدة - إذا وجدنا بين ظهرانينا من يؤمنون بالله واليوم الآخر ولكنهم يجدون حرجا في أن تنطلق نظريات الممارسة المهنية في الخدمة الاجتماعية من منظور الإسلام ، وقد يكون لبعض هؤلاء بعض عذر أو شبهة ناشئة من شىء من بعض الالتباس الذي قد يقع لديهم حول مفهوم التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية ( أو التأصيل الإسلامي للخدمة الاجتماعية ) ، ومن هنا فقد يكون من المناسب أن ننتقل الآن إلى التعريف بمفهوم التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية ، وتمييز ما هو أصيل بالنسبة لهذا المفهوم مما هو عارض أو ماهو غير وارد ، ثم تحديد أبعاد التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية ، والإشارة إلى بعض الجهود التي بذلت في هذا السبيل.

almushref
11-25-2006, 12:08 AM
كتاب الإسلام والخدمة الاجتماعية

الفصل الثالث

مفهوم التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية



1- التوجيه الإسلامي للعلوم:

لعل من المناسب أن نقدم لمناقشتنا لمفهوم التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية بإيراد التعريف الكلاسيكي "لأسلمة العلوم" الذي قدمه الدكتور إسماعيل الفاروقي يرحمه الله في عام 1982 ، والذي لقي قبولا واسعا لدى المتخصصين في مختلف العلوم والمهن ، حيث عرف أسلمة العلوم ببساطة بأنها "إعادة صياغة العلوم في ضوء الإسلام " ... (الفاروقي ، 1982: 14) وقد فصّل المقصود بذلك بقوله أن ذلك يتضمن "إعادة تحديد وترتيب المعلومات ، وإعادة تقويم النتائج ، وإعادة تصور الأهداف ، وأن يتم ذلك بطريقة تمكّن .. من إثراء وخدمة قضية الإسلام" (الفاروقي ، 1986 : 54).

وقد بين الفاروقي أن تحقيق أهداف أسلمة العلوم أو إسلامية المعرفة (كما ترجمها البعض) يتطلب:

1- فهم واستيعاب العلوم الحديثة في أرقى حالات تطورها ، والتمكن منها ، وتحليل واقعها بطريقة نقدية لتقدير جوانب القوة والضعف فيها من وجهة نظر الإسلام.

2- فهم واستيعاب إسهامات التراث ، المنطلق من فهم المسلمين للكتاب والسنة في مختلف العصور ، وتقدير جوانب القوة والضعف في ذلك التراث في ضوء حاجة المسلمين في الوقت الحاضر ، وفي ضوء ما كشفت عنه المعارف الحديثة .

3- القيام بتلك القفزة الابتكارية الرائدة اللازمة لإيجاد " تركيبة" تجمع بين معطيات التراث الإسلامي وبين نتائج العلوم العصرية بما يساعد على تحقيق غايات الإسلام العليا (الفاروقي ، 1982: 17- 21).



والتوجيه الإسلامي للعلوم في إطار هذا فهم يقوم على أساس من عدم التفريط في النتائج العلمية التي توصل إليها المتخصصون في العلوم الحديثة ، بشرط ألا نعزو لتلك النتائج أي قدر زائد من الصدق Validity الزائد الذي يخرج عما تستحقه تلك النتائج في ضوء التحليل النقدي الرصين ، كما يقوم التوجيه الإسلامي للعلوم من جهة أخرى على الاعتقاد بأن العلم - شأنه في ذلك شأن أي نشاط إنساني آخر مما يقوم به المسلم في حياته الدنيا - ينبغي أن يهتدي بنور العقيدة الصحيحة ، وأن ينضبط بضوابط الشريعة ، وبالتالي فإن هذا التوجه يجمع بين الإفادة من : هداية الوحي ومن اجتهاد البشر بطريقة تتمشى بشكل دقيق مع ما قصد لكل منهما من وظيفة في التصور الإسلامي .

وفي ضوء هذا الفهم يتبين لنا أن إعادة النظر في محتوى ومناهج العلوم والمهن من منظور الإسلام ( أو التوجيه الإسلامي للعلوم) يستحيل أن يكون كما قد تصور البعض "نظرة إلى الوراء .. (أو) حركة ارتداد للخلف…" (عبد العال ، 1989: 197) ، وذلك لأن التوجيه الإسلامي للعلوم يقوم - كما رأينا - ضمن ما يقوم على "استيعاب العلوم الحديثة في أرقى حالات تطورها" استيعابا يمكّننا من نقد نتائج تلك العلوم .. "على علم" ، بحيث نستطيع الاستفادة مما فيها من نتائج صحيحة إلى أقصى حد ممكن ، ولكن مع القدرة في الوقت ذاته على "تجاوز" تلك النتائج بشكل بناء كلما اقتضى الأمر ذلك.

كما يتبين لنا أن التوجيه الإسلامي للعلوم لا يقصد به مجرد الرجوع إلى إسهامات علماء المسلمين الأوائل للاستفادة منها ، أو الاعتماد على المصادر الشرعية وحدها في التوصل إلى السنن والقوانين الجزئية ، وإنما الأمر يتطلب فوق هذا وذلك إيجاد "تكامل حقيقي بين ما تمدنا به تلك الإسهامات والمصادر من تصور إسلامي للإنسان والمجتمع والكون ، وبين نتائج تلك العلوم الحديثة بعد غربلتها وتنقيتها ، مما يوصلنا إلى فهم أفضل للظاهرات الإنسانية يعيننا على حسن التعامل مع الإنسان ومشكلاته بطريقة فعالة وواقعية .

2- التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية :

وفي ضوء هذا التحديد لمفهوم التوجيه الإسلامي للعلوم بصفة عامة ، فإننا نستطيع تعريف التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية تحديدا بأنه:

"عملية بلورة أبعاد التصور الإسلامي للطبيعة البشرية والسنن النفسية والاجتماعية التي تحكم السلوك البشرى والتنظيمات المجتمعية ، وكذلك لأسباب المشكلات الفردية والاجتماعية ، واستخدام هذا التصور لتفسير الحقائق العلمية الجزئية التي تعتمد عليها المهنة من جهة ، ولتوجيه القيم المهنية التي تبنى عليها نظرية الممارسة و أساليب التدخل المهني من جهة أخرى" .

ومن هذا التعريف يتبين لنا ما يلي:

1- أن التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية "عملية" مستمرة تتطلب القيام بإجراءات منهجية منظمة للوصول إلى نتائج معينة ، حيث تتراكم تلك النتائج باضطراد بشكل يقربنا من الهدف المتمثل في إعادة صياغة معارف ومبادئ المهنة وطرقها في التدخل بشكل لا يجوز القول فقط بأنه "يتمشى" مع التصور الإسلامي ، ولكن نقول أنه "ينطلق" من هذا التصور ويهتدي بهداه بشكل أساسي .

2- أن عملية التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية ستتطلب في البداية بذل جهود نشطة ومكثفة وواسعة النطاق نتمكن من خلالها من بلورة ذلك التصور الإسلامي واستكشاف أبعاده والتعرف على حدوده ، لكي نقوم في ضوء ذلك من إسقاط هذا التصور على نظرية الممارسة الحالية واستبعاد ما لا يتوافق معه ، ثم البناء على قواعد هذا التصور وعلى ما يصمد من الأطر التصورية التفصيلية المستمدة من المشاهدات المحققة ومن خبرات الممارسة ، حتى يبلغ الأمر غايته بظهور نظرية الممارسة المنطلقة من التصور الإسلامي ( المواكب لمستوى المعرفة العلمية المتاحة عند تلك النقطة من الزمن)، حتى إذا انتهينا إلى مرحلة الاستواء - التي يصبح فيها هذا التوجه هو التوجه السائد The paradigm - فإن إيقاع النشاط العلمي يعود إلى معدله الطبيعي المعتاد الذي لا تحده إلا حدود الإمكانات البشرية والمادية والتكنولوجية ، والذي يحدوه فضل الله سبحانه وتعالي وما قدره الناس من رزق "معرفي" ببالغ حكمته ورحمته.

3- إن من الطبيعي أن يقدم التعريف مهمة " بلورة التصور الإسلامي" على غيرها من المهام ، باعتبارها تمثل " البعد الغائب " في التصورات التقليدية للخدمة الاجتماعية (وغيرها من المهن والعلوم الاجتماعية) على الوجه الذي وصلتنا به من الغرب ، فمراجع الخدمة الاجتماعية وممارساتها غاصة بالمعارف المستمدة من إسهامات العلم الحديث - أيا كانت قيمتها الحقيقية ، وأيا كانت درجة رضائنا عن وصف تلك الإسهامات بالعلمية أصلا - كما أنها غاصة بنظريات الممارسة وطرق التدخل المنطلقة من المنطلقات الغربية ، وليست قضية التوجيه الإسلامي اليوم - كما يظن بعض المتعجلين للنتائج - هي قضية ترجيح أي من هذه المنطلقات النظرية على الآخر بزعم أنها أقرب للتصور الإسلامي ، ولكن قضيتنا الأساسية هي أولا وقبل كل شىء هي قضية تحديد أبعاد "التصور الإسلامي" الذي يمكننا في ضوئه الحكم على تلك المنطلقات أو الإضافة إليها.

4- ويلاحظ أن "التصور الإسلامي" للإنسان والكون والحياة ، وللسنن النفسية والاجتماعية ، ولأسباب المشكلات الفردية ، لم تتم خدمته حتى الآن بطريقة منظمة تصلح للاستفادة منه بشكل مباشر في صياغة نظريات الممارسة في الخدمة الاجتماعية ، والمهنة أحوج ما تكون اليوم إلى بلورة ذلك التصور وصياغته في شكل قضايا تضمها أنساق استنباطية يمكن أن تستمد منها الفروض لاختبارها في الواقع ، كما يمكن ضمها في جوانبها "القيمية" إلى المشاهدات"المحققة واقعيا" لتكوين نظرية الممارسة.

5- وبهذا تتحدد وظائف " التصور الإسلامي" المستمد من فهمنا للكتاب والسنة الصحيحة في مقابل المصادر الاجتهادية التفصيلية "البشرية" للوصول إلى المعرفة ( والتي تتمثل في الملاحظات الجزئية التي يتم التوصل إليها باستخدام المنهج العلمي الصحيح، كما تتمثل في المبادئ التي تم التوصل إليها من خلال خبرات الممارسة ) على الوجه التالي:

أ- التصور الإسلامي للطبيعة البشرية ، وللسنن النفسية والاجتماعية ، ولأسباب المشكلات الفردية والاجتماعية ، يعتبر بمثابة "الإطار النظري" الذي يفسر ويربط بين المشاهدات أو الملاحظات الجزئية المحققة ، كما يقدم الفروض التي توجه إلى مزيد من البحوث بما يخدم القاعدة المعرفية للمهنة.

ب- يوجه هذا التصور الإسلامي جهود المهنيين في الممارسة - حتى في الجوانب التي لم يتم التحقق من صدقها بعد بطريقة علمية منظمة - ويصبح هذا التصور بالتالي جزءا لا يتجزأ من عناصر الإطار الفكري الذي يتم في ضوئه التوصل إلى "خبرات" الممارسة التي يمكن تعميمها (والتي تسمى في الكتابات المهنية "حكمة الممارسة").

ج- يعتبر "التصور الإسلامي" المشار إليه حجر الزاوية في تحديد القيم الأهداف النهائية التي تتم الممارسة في ضوئها ، وذلك على اعتبار أن هذا التصور يتضمن توصيف الأهداف النهائية والشاملة لحياة البشر ( العملاء منهم والأخصائيين الاجتماعيين) كما يتضمن التوجيهات الإلهية لصلاح حياتهم في الدنيا ولحسن عاقبتهم في الآخرة ، وبطبيعة الحال فإن هذا التصور الشامل يترك مجالا لقيم تفصيلية ومبادئ محددة تلائم مختلف المواقف التي تواجه الأخصائي الاجتماعي خلال عمله اليومي ، وهذه لابد فيها من اجتهادنا البشرى في ضوء التصور الشامل وفي إطاره.

6- وهذا يقودنا إلى ما جاء في نهاية التعريف مما يشير إلى مكان الاجتهاد البشرى في التوصل إلى ، والاستفادة من ، الدراسة العلمية المنظمة للظواهر ، والي استنباط المبادئ الجزئية التفصيلية الموجِّهة للمواقف العملية المحددة ، وإلى ابتكار أساليب التدخل الإجرائية الملائمة ، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام الاستفادة بنتائج البحوث العلمية الحديثة سواء في العلوم التأسيسية أو في بحوث الخدمة الاجتماعية ذاتها ، والاستفادة من ما يتبلور لدى غيرنا من مبادئ جزئية أو من طرق حديثة للتدخل ، على أن يتم ذلك كله في نطاق التصور الإسلامي الشامل على الوجه المشار إليه.

وإذا ما حاولنا تقدير موقفنا الراهن في ضوء هذا التعريف يتبين لنا أننا لازلنا في بداية الطريق نحو التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية ، فبالرغم من أن المكتبة الإسلامية زاخرة والحمد لله بالمراجع والكتب القيمة في مختلف فروع المعرفة الشرعية ، إلا أننا لازلنا بحاجة إلى جهود كبيرة تبذل لاستخلاص ما نحتاجه في محيط الخدمة الاجتماعية من صياغة "التصور الإسلامي" للإنسان والمجتمع والكون في شكل قضايا مترابطة تمثل نسقا استنباطيا يمكن استخدامه بشكل مباشر في توجيه نظريات الممارسة المهنية ، وبطريقة يمكن أن نستمد منها فروضنا العلمية لاختبارها في بحوث الخدمة الاجتماعية.

كما أننا لم نكد نبدأ بعد مهمة المراجعة النقدية الجادة للكتابات الحديثة في محيط الخدمة الاجتماعية في ضوء التصور الإسلامي ، ولازالت نظريات الممارسة المنطلقة من الأنساق القيمية للمجتمعات التي تقدمت فيها الخدمة الاجتماعية - خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية - توجه الكتابات المهنية للخدمة الاجتماعية في كل أرجاء العالم الإسلامي ، باستثناء محاولات محدودة الحجم والأثر على ما يتم تدريسه رسميا في إطار الخطط الدراسية ومحتويات المقررات في كليات ومعاهد وأقسام الخدمة الاجتماعية.

أما عن مهمة إيجاد "التكامل الحقيقي" بين نظريات الممارسة المهنية الحديثة من جانب وبين التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع والكون من جانب آخر فإن من الواضح أن تلك المهمة لا تزال تنتظر تحقيق التقدم على الجبهتين السابقتين حتى يمكن أن تبدأ . ومع ذلك فإن معالم الطريق ولله الحمد قد باتت واضحة ، وحاجتنا الحقيقية هي إلى أن نعقد العزم ، ونعد العدة ، ونجدّ في السير ، فالنور واضح في نهاية النفق المظلم - كما يقولون - ومن هنا فقد يكون مما يفيد هذه المسيرة المباركة أن نجتهد هنا لوضع بعض الخطوط والمؤشرات العامة حول أبعاد التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية ، قُصد منها أن تكون بمثابة نقاط مبدئية يمكن أن يبدأ حولها الحوار العلمي ، الذي نرجو أن يعاون بمشيئة الله على بلوغ الهدف وتحقيق المأمول بفضله وإكرامه.

almushref
11-25-2006, 12:09 AM
كتاب الإسلام والخدمة الاجتماعية

الفصل الرابع

أبعاد التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية



المبحث الأول : الطبيعة البشـرية في المنظـور الإسـلامي.

المبحث الثاني : السنن النفسية والاجتماعية.

المبحث الثالث : تفسير المشكلات الفردية والمشكلات الاجتماعية.

المبحث الرابع : الرعـاية الاجتـماعية والإصلاح الاجتماعي.

المبحث الخامس : طــرق التـدخل المهــني للخدمة الاجتماعية.





الفصل الرابع

أبعاد التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية



إذا كانت الخدمة الاجتماعية كمهنة تستهدف مساعدة "الإنسان" كفرد أو كعضو في جماعة أو مجتمع على مواجهة "مشكلاته" وإشباع حاجاته ، مع تنمية قدراته إلى أقصى حد ممكن ، فإن من الواضح أن عملية المساعدة لابد أن تكون مبنية في الأساس على فهم كاف "لموضوع" تلك المساعدة .. ألا وهو "الإنسان"… سواء من حيث طبيعته ومكوناته التي رُكّب منها ، أو من حيث ديناميات التفاعل بين تلك المكونات .

حتى إذا اتضحت لدينا الصورة حول طبيعة الإنسان ومكوناته التي رُكّب منها ، لزِمَنَا أن نتعرف على السنن والقوانين التي تحكم سلوك هذا الإنسان كفرد ، وتلك التي تحكم علاقاته مع غيره ، إضافة إلى تلك التي تحكم البناء الاجتماعي والثقافي الذي تتم تلك العلاقات في إطاره ، وذلك على اعتبار أن معرفتنا بتلك السنن تساعدنا من جهة على تفسير السلوك الإنساني في حال السواء ، كما تقدم لنا من جهة أخرى معيارا لمضاهاة السلوك عليه في حالة الانحراف.

ولكن لما كانت الخدمة الاجتماعية منذ بداياتها التاريخية الأولى وحتى اليوم تهتم اهتماما خاصا بمساعدة أولئك الذين يواجهون "مشكلات" أو صعوبات في أدائهم لوظائفهم الاجتماعية ، وهو ما يمثل الجانب العلاجي من التدخل المهني ، كما تهتم بإزالة الظروف والمؤثرات التي يمكن أن تؤدى إلى الانحراف معاونة على حماية الناس من الوقوع في مثل تلك المشكلات ، وهو ما يمثل الجانب الوقائي من التدخل المهني ، (في نفس الوقت الذي تعمل فيه بالطبع على إتاحة الفرص أمام الناس لاستثمار طاقاتهم وتحقيق ذواتهم إلى أقصى حد ممكن ، وهو ما يمثل الجانب التنموي من التدخل المهني) ، فإن فهم الأسباب والعوامل المؤدية إلى حدوث المشكلات الفردية والمشكلات الاجتماعية يمثل أساسا لازما لتصميم برامج التدخل المهني في جوانبها العلاجية والوقائية على أساس واقعي .

ولما كانت سياسات وبرامج ومؤسسات الرعاية الاجتماعية والتنمية الاجتماعية تمثل الوعاء الذي تتم في إطاره الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية ، فإن وضوح التصور الإسلامي للأسس التي تقوم عليها تلك "السياسات والبرامج والمؤسسات" يعتبر شرطا لازما لنجاح جهود التدخل المهني.

وأخيرا فإن استجلاء جوانب كل بعد من الأبعاد الأربعة السابقة ، ووضوح العلاقات فيما بينها في ترابطها وتسلسلها ، يمهد الطريق - بشكل منطقي - لوضع الأسس العامة "لنظرية الممارسة" في الخدمة الاجتماعية ، والتي تشمل المواقف والأعراض التي تتطلب التدخل ، كما تشمل الأهداف التي يوجه نحوها العمل المهني في كل نوع من تلك المواقف ، إضافة إلى استراتيجيات وأدوات التدخل الملائمة لكل منها.

ومما سبق فإننا نستطيع أن نحصر "الأبعاد الأساسية" التي ينبغي أن تنصب عليها جهودنا لإعادة بناء الخدمة الاجتماعية وفق التصور الإسلامي - والتي ألمحنا إليها ضمنا في تعريف التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية - في الأبعاد الخمسة التالية :

1- الطبيعة البشرية في المنظور الإسلامي.

2- السنن النفسية والاجتماعية.

3- تفسير المشكلات الفردية والمشكلات الاجتماعية.

4- سياسات وبرامج الرعاية الاجتماعية والتنمية الاجتماعية .

5- طرق وأساليب التدخل المهني للخدمة الاجتماعية .

والمتأمل لهذه القائمة يتبين له على الفور أن مهمة التأصيل الإسلامي للأبعاد الثلاثة الأولى إنما تقع أساسا في نطاق اختصاص المشتغلين بعلم النفس ، وعلم النفس الاجتماعي ، وعلم الاجتماع كشركاء أصليين ، إضافة إلى المتخصصين في علم الاقتصاد والعلوم السياسية كشركاء متضامنين ، ولكن المشاهَد أن المتخصصين في هذه العلوم "النظرية" إذ ينصب اهتمامهم الأوّلي على الفهم والتفسير وبناء النظريات فإنهم عادة ما تستغرق جهودهم لتأصيل علومهم إسلاميا وقتا أطول بكثير مما يأمله منهم المتخصصون في المهن المستفيدة من علومهم ( كالتربية والعلاج النفسي والخدمة الاجتماعية ).

وقد يرجع السبب في هذه الفجوة الزمنية بين رجال التنظير ورجال الممارسة إلى متطلبات الإجراءات المنهجية التي يتعين على المتخصصين في تلك العلوم الوفاء بها قبل إصدار أحكامهم العلمية (التي هي في كل الأحوال ذات طبيعة احتمالية) سواء على صعيد البحوث أو على صعيد النظرية ، ولكنه قد يرجع أيضا إلى ألوان المقاومة و التحرج المألوفة والمتوقعة عند العلماء عندما يواجهون مواقف تتطلب تعديلات جوهرية في أطرهم النظرية أو في "التوجه العلمي السائد" الذي يتبعونه إذا استخدمنا تعبير توماس كون (Kuhn 1970) ، كما قد يرجع السبب في تلك الفجوة إلى اختلاف درجة إلحاح أو ضغط الزمن على كل من الفريقين ، فرجال العلوم النظرية يملكون كل الوقت الذي يشاءون لإجراء بحوثهم واستنباط أطرهم النظرية وإجراء التعديلات عليها، في حين أن رجال الممارسة تقع عليهم ضغوط أشد كثيرا لاتخاذ قرارات لا إمهال فيها ، وليس أمامهم من سبيل إلا الاسترشاد بأفضل ما هو متاح أمامهم من معرفة في اتخاذ تلك القرارات .

ولهذا السبب فإنه ليس أمام المتخصصين في الخدمة الاجتماعية مفر من أن يأخذوا زمام المبادرة بأيديهم لتأصيل تلك البعاد الثلاثة (ضمن بقية أبعاد التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية) ، بدءا من مسح الكتابات التي تتعرض بشكل أو آخر لعملية تأصيل تلك الأبعاد الثلاثة في مصادر العلوم النظرية المشار إليها، إلى محاولة إيجاد قدر من التكامل بين تلك الإسهامات في مختلف تلك العلوم في حدود الإمكان ، بل والاجتهاد وسع الطاقة للإدلاء بدلوهم أيضا في عملية تأصيل تلك الأبعاد في ضوء خبرتهم المباشرة ، على اعتبار أن هذا الموقف أفضل بكثير من مجرد الانتظار - الذي قد يطول - حتى يقوم الزملاء المتخصصون في تلك العلوم الأخرى بتلك المهام بأنفسهم ، هذا علاوة على أننا إذا أخذنا الماضي دليلا على ما يكون في المستقبل فإننا لا نتوقع أن يبذل المتخصصون في كل علم من تلك العلوم جهودا كافية لإيجاد "التكامل" مع العلوم الشقيقة الأخرى ، وذلك لانشغال كل فريق من العلماء بما يعُدّونه " قلب التخصص" ، وعدم الاهتمام بما يعدونه "هامش" التخصص، رغم أن الواقع الذي نعمل معه نادرا ما يعرف هذه التفرقة المصطنعة.

ولعل من أهم الواجبات التي يتعين على المهتمين بالتوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية القيام بها ، بلورة "الافتراضات الأساسية" حول الإنسان والمجتمع والكون التي يقوم عليها التصور النظري لكل هذه الأبعاد الخمسة جميعا ، وذلك من خلال المحاولة الجادة لإيجاد تكامل حقيقي بين معطيات التصور الإسلامي من جهة وبين معطيات العلوم الحديثة من جهة أخرى ، ولكن ما الذي نقصده بتلك الافتراضات الأساسية ؟ وما علاقتها بالتصور النظري المنطلق من منظور إسلامي ؟

إن معظم طلاب العلم المبتدئين لا يتصورون أن النظريات التي يدرسونها مبينة على أي افتراضات أو مسلمات "غير محققه علميا" عن طبيعة الإنسان والمجتمع والكون ، وذلك لأنهم لا يقعون عادة على مثل تلك الافتراضات والمسلمات معروضة بشكل ظاهر ومحدد في الكتابات التي تعرض تلك النظريات ، وقد يظن بعضهم أن تلك النظريات مبنية من ألفها إلى يائها على مشاهدات تم التحقق من صدقها وبالتالي فلا مجال للتساؤل عن مدى صحة تلك الحقائق أو التشكك في مدى إمكان الاعتماد عليها ، وأخيرا فإنهم قد يتوهمون بأن أمثال تلك الافتراضات أو المسلمات سواء كانت جزءا من النظرية أو لم تكن جزءا منها فإن ذلك لا يغير من الواقع شيئا ولا يؤثر على قيمة النظرية في قليل أو أكثر ما دامت تلك الافتراضات أشياء "مسلما بها"، وقد يظنون أن تناول مثل تلك الأمور المجردة بالبحث والتقصي إنما هو من باب التفلسف أو الترف العقلي الذي هم في غنى عنه.

وليس هناك أمر أبعد من الحقيقة عن تلكم التصورات والظنون ، فكل العلماء المهتمين ببناء النظريات Theory Building يُجمعون على أن كل نظرية تقوم بالضرورة على عدد من الافتراضات التي يسلم بها أصحاب النظرية دون إخضاعها للبحث والتحقق العلمي - أو حتى دون أن تكون قابلة أصلا للتحقق من صحتها إمبيريقيا (Black & Champion, 1976: 59) ، ولكن هذه الافتراضات تكون معلنة أحيانا ومضمرة ضمنية في كثير من الأحيان ، وغالبا ما تكون مستمدة من الإطار الثقافي الأشمل للمجتمع وملونة بانحيازاته القيمية ، ومن هنا فإنها تصبغ التفسيرات التي تفسر بها النظرية مجموعة الحقائق العلمية التي تم الوصول إليها من خلال البحوث الواقعية (Hoover,1980 : 74- 75) ، ويؤكد مايردال هذا المعنى في بحثه الشهير حول التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية وما تقوم عليه من افتراضات ضمنية ومن انحيازات قيمية ، حيث شبه تلك الافتراضات وصّور صعوبة الفكاك منها بأنها " كالضباب الذي يغلفنا به ذلك النوع الذي نأخذ به من الثقافة الغربية ، فالمؤثرات الثقافية قد حددت الافتراضات التي ننطلق منها بصدد العقل والجسد والكون ، (فهذه المؤثرات الثقافية ) تطرح الأسئلة التي نلقيها ، وتؤثر في الوقائع التي نلتمسها ، وتقرر التفسير الذي نعطيه لهذه الوقائع ، وتوجه ردود أفعالنا إزاء هذه التفسيرات والاستنتاجات " (أجروس وستانسيو :144).

وإذن فإن هذه الافتراضات المعلنة أو الضمنية تكون بمثابة القواعد أو الأعمدة المختفية التي يبنى عليها صرح النظرية الظاهر للعيان ، ولكنها رغم خفائها تؤثر أبلغ الأثر على الشكل العام أو البناء العام للنظرية ، فإذا كانت الافتراضات صحيحة وكافية كان هذا أدعى لقوة النظرية واتساقها ومطابقتها للواقع ، أما إذا كانت خاطئة أو جزئية أو اختزاليةreductionist (تحيل بعض العوامل إلى ما هو أقل منها قدرة على التفسير ، أو تحذف متغيرات هامة تعسفا ) فإننا قد نجد أنفسنا أمام موقف مدهش ، تكون فيه الحقائق الجزئية التي تضمها النظرية صحيحة ، ولكنها تكون في الوقت ذاته قائمة على قواعد متهاوية أو منهارة ، وبلغة أخرى فإن النظرية في هذه الحالة تكون صحيحة بمعنى ، وغير صحيحة بمعنى آخر ، مما يؤدى إلى كثير من الخلط ، فهي صحيحة بمعنى أنها تضم مجموعة من المشاهدات المحققة والثابتة ، ولكنها غير صحيحة في ضوء الافتراضات التي تم جمع البيانات حول تلك الحقائق في ظلها ، فإذا كانت "الافتراضات" غير صحيحة أو غير كاملة لزم عن ذلك أن النظرية بأسرها تكون غير صحيحة أو غير كاملة تبعا للقاعدة التي أقيمت عليها ، وهذا تماما هو الموقف الذي اتخذه السير جون إيكلز Eccles في تقويمه لإسهامات المدرسة السلوكية إذ يقول " إنني ... أؤيد كل التأييد البحوث العلمية عن السلوك وردود الفعل الشرطية ، بل وجميع البرامج الحالية لعلم النفس النظري .. على أنني اختلف اختلافا جذريا مع السلوكيين في دعواهم بأنهم يقدمون تفسيرا كاملا لسلوك الإنسان ، لأن ( السلوكية ) تتجاهل تجاربي الواعية .. التي تشكل في نظري .. الحقيقة الأولى " ( أجروس وستانسيو : 119).

وفي نطاق نظريات علم الاجتماع يقول ألفين جولدنر " سواء أعجبك هذا أو لم يعجبك ... وسواء عرفت ذلك أم لم تعرفه ... فإنه علماء الاجتماع يصممون بحوثهم في إطار افتراضاتهم المسبقة .. فإذا أردت التعرف على طبيعة أي توجه سوسيولوجي فإن الأمر يتطلب منك ... في ضوئها أن تحدد الافتراضات العميقة التي يقوم عليها ذلك التوجه فيما يتصل بالإنسان والمجتمع ، .. وأنا إن أردت فهم طبيعة أي توجه نظري فإنني لا أنظر في المناهج التي يستخدمها وإنما أنظر بدلا من ذلك في الافتراضات التي يقوم عليها من حيث نظرته للإنسان والمجتمع.." وتضيف بولوما (Poloma, 1970 :1) التي أوردت هذا النقل عن جولدنر أن "كل نظريات علم الاجتماع تقوم على افتراضات حول طبيعة الإنسان وطبيعة المجتمع ، وأن هذه الافتراضات تعتبر الأساس الذي يقام عليه بناء الأطر النظرية المختلفة .. والمتخصصون في علم الاجتماع غالبا ما يَعْمَوْنَ عن الافتراضات التي تحتويها أطرهم النظرية".

ومن هنا فإننا نرى من واجبنا فيما يلي أن نمتحن بعض الافتراضات الأساسية التي تقوم عليها نظريات العلوم الاجتماعية ونظرية الممارسة في الخدمة الاجتماعية فيما يتعلق بكل بعد من الأبعاد الأساسية لعملية التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية ، مع مقارنتها بما نظنه مبدئيا يتمشى مع التصور الإسلامي لتلك الأبعاد ، لعلنا نكتسب شيئا من الاستبصار بتلك المهمة ، ولعلنا نوفق في الإشارة إلى بدايات الطريق في اتجاه انطلاق الخدمة الاجتماعية من منظور الإسلام.

almushref
11-25-2006, 12:12 AM
المبحث الأول : الطبيعة البشرية في المنظور الإسلامي



العلوم الاجتماعية الحديثة وتصورها للطبيعة البشرية:

لو أننا قمنا بتحليل الافتراضات الأساسية التي تقوم عليها نظريات علم النفس الحديث فيما يتصل بالطبيعة البشرية لوجدنا مع كارل روجرز أن "لكل تيار في علم النفس فلسفته الضمنية الخاصة به عن الإنسان ، وهذه الفلسفات وإن كانت في الأغلب لا تُطرح بصراحة (فإنها ) تمارس نفوذها بأساليب خفية .. فالإنسان عند السلوكي مجرد آلة ، آلة معقدة ولكنها مع ذلك قابلة للفهم (كآلة ) ، وفي وسعنا أن نتعلم كيف نؤثر فيه .. ليفكر .. ويتحرك ... ويتصرف بالطرائق التي نختارها له ، والإنسان عند الفرويديين كائن غير عقلاني ، رهين ماضيه بلا فكاك ، وحصيلة لذلك الماضي ، أي (حصيلة) عقله اللاواعي .." ، ويضيف أجروس وستانسيو إلى هذا النقل عن روجرز قولهم بأن نظريات علم النفس تنظر للإنسان على أنه "مجرد كائن مادي" .. ، حيث ترى السلوكية مثلا أن "جسم الإنسان هو الحقيقة الإنسانية الوحيدة" ، أما فرويد فإنه "يبدأ دراسته مفترضا أنه " لا وجود إلا للمادة " (79-84 ، 120).

ومن الطبيعي أن من يسلمون بمثل هذه الافتراضات المختزلة حول الطبيعة الإنسانية ، والتي لا ترى في الإنسانية أكثر من مجرد آلة أو حيوان مدفوع بدوافع مادية ( ولم يطلعونا - بالمناسبة - هل لديهم من سلطان بهذا أو أثارة من علم !) لابد واصلون إلى تفسيرات للسلوك الإنساني تختلف عن تلك التي يسلم بها غيرهم من أصحاب النظريات المعارضة لهم كأصحاب الاتجاه الإنساني Humanistic Approach الأحدث نسبيا الذين يرفضون الافتراضات الأساسية للسلوكيين والفرويديين التي لم يقم عليها أي دليل علمي محقق بأن الإنسان مجرد آلة مادية أو حيوان تسيره غرائزه ، ويطالب أصحاب ذلك الاتجاه "بأنسنة" علم النفس بحيث يعترف إلى جانب تلك العناصر المادية في الإنسان بأولوية تأثير الجوانب العقلية والروحية فيه (ويلاحظ أن الكثيرين من أصحاب هذا التوجه يستخدمون هذا الاصطلاح الأخير - أقصد الجوانب الروحية - غالبا بمعنى الجوانب الأخلاقية والجمالية كسمات منبثقة "تطوريا" عن الجوانب الفيزيقية و البيولوجية)، وإن كانوا لا يزالون متحرجين - لأسباب لا تخفى - من الاعتراف بأن للروح وجودا حقيقيا واقعيا كاملا وإن كان يختلف عن الوجود المادي بأنه غير مقيد بقيود الزمان والمكان ، أو الاعتراف بأن الروح هي مستقر "معرفة" الله عز وجل ، وبأنها هي وعاء الصلة به.

ومن الواضح أن التصور الإسلامي للطبيعة البشرية يستند إلى افتراضات تختلف اختلافا جوهريا عن الافتراضات السابقة جميعا ، وإن استوعبت جوانب الحق فيها كما سنرى ، وبديهي أن هذا التصور لابد أن يقودنا بالضرورة إلى تفسيرات للسلوك تختلف اختلافا جوهريا عن التفسيرات التي تقودنا إليها التصورات الوضعية المختزلة التي أشرنا إليها فيما سبق ، ورغم أن محاولة توصيف التصور الإسلامي للطبيعة البشرية تفصيلا تخرج عن نطاق هذه الورقة ، وأن هذه المحاولة تحتاج لتضافر جهود المتخصصين في العلوم الشرعية والعلوم الحديثة ، إلا أننا سنشير فيما يلي فقط إلى بعض عناصر هذا التصور لغرض المقارنة بالمسلمات والافتراضات التي وجدناها عند رجال علم النفس الحديث ، ولغرض بيان ما يترتب على الاختلافات بينهما من آثار عميقة في فهمنا للإنسان والمجتمع ، والتي تنعكس بدورها على تصوراتنا للإصلاح والتغيير المقصود في محيط الخدمة الاجتماعية .

التصور الإسلامي للطبيعة البشرية:

إذا بدأنا بتعريف الإنسان في كتابات الإسلاميين لوجدنا مثلا أن الراغب الأصفهاني يميز في هذا الصدد بين مفهومين للإنسان : مفهوم عام ومفهوم خاص ، فالإنسان بالمعنى العام هو "كل منتصب القامة مختص بقوة الفكر واستفادة العلم" وأما بالمعنى الخاص فالإنسان هو "كل من عرف الحق فاعتقده والخير فعمله بحسب وسعه" ، والناس يتفاضلون بهذا المعنى ، وبحسب تحصيله تستحق الإنسانية التي تعنى "فعل المختص بالإنسان" ، فتحصل له الإنسانية بقدر ما تحصل له العبادة التي لأجلها خلق (الدباغ ،1991) ، و ينبغي أن نلاحظ هنا أن الفروق بين المفهومين شاسعة حقا ، وأن لها آثاره العميقة على سلوك الإنسان وحياة المجتمعات.

ولعلنا لا نكون قد ابتعدنا عن الحقيقة كثيرا إذا قلنا أن التصور الإسلامي للطبيعة البشرية على هذا الأساس يقوم على الافتراضات الأساسية الآتية - أو على ما هو قريب منها - ( ويمكن لمن أراد مزيدا من التفصيل أن يرجع إلى مقال أفدت منه كثيرا حول "المنظور الإسلامي للطبيعة الإنسانية " (الدباغ، 1991أ ):

1- أن الإنسان " كائن فريد" خلفه الله سبحانه وتعالي - مبدع هذا الكون وصاحب التصرف المطلق فيه (ألا له الخلق والأمر ) (الأعراف : 54) - وأن الله قد فضل هذا الإنسان على كثير من خلقه تفضيلا.

2- اقتضت مشيئته تعالي خلق الإنسان لغاية أو لوظيفة رئيسة تتمثل في "عبادة الله " المتضمنة لمعرفته ، وتعظيمه ، وطاعة أمره ، والقيام بما شرع لعمارة الأرض التي استخلفه فيها.

3- الإنسان مخلوق من عنصرين "جسد" من طين و "روح" نورانية من أمر الله ، تحل في الجسد فتحييه ، ( وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) ( الحجر: 29) ، وينتج عن اندماج الروح والبدن "نفس" تدبر هذا المخلوق وتعطيه وحدته وتكامله .

4- يترتب على الطبيعة المادية الطينية للجسد وجود ميل طبيعي في النفس للإفراط وتجاوز الحدود سعيا وراء ضمان المحافظة على بقاء الإنسان واستمرار وجوده ، مما ينتج في النفس صفات "كنفاذ الصبر والاستعجال" لما ليس عندها ، "والشح والبخل" بما عندها ، " والبطر والفرح والعُجب" بما تراها تميزت به عن الآخرين ، "والجزع واليأس والهلع" عندما تفقده ، "والمراء و اللَّدَد في الخصومة" إن تنازعته مع الغير وهكذا .

5- إذا تُرك لتلك الصفات الفرصة لأن تعبر عن نفسها تعبيرا حرا غير مقيد فإنها تصبح غير وظيفية dysfunctional بمعنى أنها تتعارض مع متطلبات بقاء الإنسان في حياة اجتماعية تعاونية منظمة ، مع أن تلك الحياة الاجتماعية لازمة لإشباع حاجته المتعددة ، لأنه لم يخلق قادرا على إشباعها منفردا أبدا.

6- هنا يأتي دور الطبيعة "الروحية" للإنسان ، والتي تمثل عنصر ارتباط الإنسان بربه وخالقه ، والتي تقوم بمعادلة أو موازنة تلك الاتجاهات التجاوزية ، بما يعطى الإنسان قيمته الحقيقية كإنسان ، ويتجلى هذا الدور من خلال ما يلي:

أ- يتصف الله - خالق الإنسان والكون - بكل صفات الجلال والكمال ، فهو سبحانه القوى القادر العليم الحكيم ، المنتقم الجبار ، الرءوف الرحيم ، الغفور الودود .

ب- عرَّف الله سبحانه وتعالي خلقه به وهم في عالم سابق على الوجود في هذه الدنيا ، فأشهدهم على ربوبيته ووحدانيته وهم في عالم الذر ، ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) ( الأعراف : 172) كيلا يحتج أحد بعد ذلك بأنه كان عن هذا من الغافلين ، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد (…جَمَعَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا ثُمَّ صَوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ…) وفي رواية أخرى لأحمد أيضا (…أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ يَعْنِي عَرَفَةَ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأهَا فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلا قَالَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا…) (انفرد به الإمام أحمد) .

ج- ثم إنه سبحانه - إيقاظا وتدعيما لما أودعه كامنا في هذه الفطرة - قد أرسل الرسل مذكرين ومبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، فمن حافظ على صفاء فطرته ونقاء سريرته فإنه يسارع عند سماع الرسل بالتصديق والانضمام إلى أهل الإيمان ، وأما من التَوَتْ فطرته فإنه يلتصق بالأرض وينضم إلى أهل التكذيب والضلال ، وهذا هو جوهر "الاختبار الإنساني" في هذه الحياة ، وهو أيضا المحك الذي في ضوئه تتحدد "نوعية حياة" الإنسان .

د- فأما من آمن برسالات ربه ، ثم اهتدى بإرشاد الرسل ، فوعى رسالته ووظيفته في هذه الحياة ، وعرف حق ربه ، فوقف عند أمره ونهيه ، فإن ثمرة ذلك تتمثل في ضبط تلك الصفات التجاوزية البدنية وكبح جماحها (إن الإنسان خلق هلوعا ، إذا مسه الخير منوعا، وإذا مسه الشر جزوعا ، إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ، والذين في أموالهم حق معلوم ... ) (المعارج : 19: 24) وذلك إضافة إلى تحقيق الفلاح في الآخرة ( وأما من خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ) (النازعات : 40 - 41) ، والعكس صحيح على كل المستويات وبكل المقاييس.

7- ثم إن الله جل وعلا راد الناس إلى معاد ، ومحاسبهم على ما استخلفهم فيه فمجازيهم على أعمالهم في حياة أخرى هي في التصور الإسلامي "الحياة" الحقيقية ، أما الدنيا بكل ما فيها فإنها دار ابتلاء واختبار في مدى ودرجة الالتزام بواجبات العبودية الحقة لله ، "فالإنسان الذي يقوم بالعبادة - التي من أجلها خلق - حق القيام فقد استكمل الإنسانية ومن رفضها فقد انسلخ من الإنسانية فصار حيوانا ودون الحيوان ، كما وصف الله الكفار ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل) (الفرقان : 44) " (الدباغ ،1991أ).

8- ومحور الحياة الروحية للإنسان هو " القلب" الذي يمثل الرابطة بين "المعرفة والاعتقاد" من جهة "والسلوك والإرادة" من جهة أخرى ، وعرفه الإمام الغزالي بأنه هو "الروح الإنساني المتحمل لأمانة الله ، المتحلي بالمعرفة ، المركوز فيه العلم بالفطرة ، الناطق بالتوحيد بقوله (بلى شهدنا) ، وهو بهذا محل معرفة الله عز وجل" (الدباغ: 1991 أ : 11) ، فإذا قام القلب بوظيفته الروحية المتمثلة في معرفة الله عز وجل وحبه وعبادته وذكره وإيثار ذلك على كل شهوة سواء ، استقامت حياة الإنسان ككل ، فجاء سلوكه متمشيا مع ما يرضى خالقه وبارئه ومثل هذا الإنسان يحيا حياة طيبة مليئة بالطمأنينة والسكينة ، ويعيش مَن حوله منه في راحة ، حتى إذا جاء أوان الارتحال ... القريب دائما ... عن هذه الدنيا كان مآله نعيم الآخرة (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) (النحل :97) وأما إذا مرض القلب فلم يقم بتلك الوظائف فإن ذلك يكون مدعاة لاضطراب حياة الإنسان ككل ، فيعيش معيشة ضنكا مهما تقلب في زخارف الدنيا ، وكان الناس منه في بلاء وشر ، ثم هو في الآخرة من الخاسرين ، ( ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) ( طه : 124) .

فإذا قارنا بين المسلمات التي تقوم عليها العلوم الاجتماعية والسلوكية المعاصرة وبين تلك المسلمات المنطلقة من هذا التصور الإسلامي لوجدناه كالفرق بين الثرى والثريا ، فتلك العلوم تقدم لنا صورة جزئية منقطعة عن سياقها لكائن مادي معزول كأنه وجد من فراغ وكأنه يعيش في فراغ ، لا صلة له بالكون الذي هو جزء منه ، ولا بموجد الكون الذي خلقه وصوره ، مع تجاهل كامل لما كان قبل وجود الإنسان في هذه الدنيا (كالإشهاد على الوحدانية في عالم الذَّر ) ولا لما يكون بعد انقضاء هذا الوجود (كالبعث والجزاء) ، ويترتب على هذا كله إهمال الجوانب الروحية المتصلة بمعرفة الله سبحانه وتعالي ، وإهمال العمل وفقا لمتطلبات تلك المعرفة ، مع أن هذا الجانب بالذات - الذي يدور حوله الوجود الإنساني كله في المنظور الإسلامي - قد يكون هو البعد الحاكم على كل ألوان سلوك الإنسان والموجه لها .

وإن أي نظرية تستبعد من افتراضاتها الأساسية حول طبيعة الإنسان جوانبه الروحية بدءا من الإشهاد على الوحدانية المغروس في الفطرة ، إلى الإيمان بالله واليوم الآخر المتضمَّن في رسالات الرسل ، إلى الآثار المترتبة على تقوى الله العظيم أو عصيانه لا يمكن إلا أن توصلنا إلى نتائج خاطئة تماما أو مبتورة على الأقل فيما يتصل بالسلوك الإنساني ، ومن هنا فإن من أول واجبات التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية استجلاء هذا البعد الهام المتصل بالطبيعة البشرية في مختلف جوانبه باعتباره الأساس الذي تبنى عليه بقية الأبعاد الأخرى ، مع استيعاب تأثير تلك العوامل المادية التي أسرفت العلوم الحديثة في تقدير أهميتها ، ووضعها موضعها الصحيح ، في تكامل واتساق مع حقائق هذا الوجود المشاهدة التي لا يمكن إنكارها.

المبحث الثاني : السنن النفسية والاجتماعية



العلوم الاجتماعية وتفسير السلوك الإنساني والترتيبات الاجتماعية :

قد يكون في حكم المستحيل إعطاء نظريات كل من علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع حقها فيما يتصل بعرض ما انطوى عليه كل منها مما يدخل في نطاق وصف أشكال الانتظام ، أو القوانين ، أو السنن التي تحكم السلوك الفردي والترتيبات الاجتماعية في الحدود التي يمكن أن تتسع لها مثل هذه الدراسة ، ذلك أن سُوق النظريات في تلك العلوم غاصة بعشرات من النظريات المتوافقة حينا والمتصارعة أحيانا ، والتي يركز كل منها على تفسير جانب أو آخر من جوانب السلوك الفردي أو التنظيم الاجتماعي ، وإن زعم المبالغون من أتباعها أنها كفيلة وحدها بتقديم التفسير الأكمل - في حين أن هناك ما يشبه الاتفاق بين العلماء على أن كل النظريات مجتمعة لم تفلح في إعطاء تفسيرات مُرضية للسلوك الفردي والاجتماعي حتى الآن (راجع ما ورد بهذا الخصوص في : رجب ، 1991).

ولذلك فليس أمامنا هنا من خيار إلا الاقتصار على بعض الاتجاهات العامة في تفسير السلوك الفردي والترتيبات المجتمعية مما يمكن اعتباره عينة ممثلة لتلك الاتجاهات بصفة عامة ، وبما يمكّننا من تجاوز الوصف إلى التحليل والنقد ، ثم المقارنة بما نجده من أطر نظرية مستمدة من التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع.

ولقد أكد بعض المشتغلين بتعليم الخدمة الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية على التعقيد الشديد الذي يتسم به السلوك الإنساني في محيط البيئة الاجتماعية ، وحاول بعضهم القيام بمراجعة وتلخيص أهم النظريات التي تصدت لفهم وتفسير السلوك البشرى والتي تصلح لأن تكون أساسا يستند إليه الأخصائيون الاجتماعيون في تدخلهم المهني ، والعبارة الآتية تمثل الرؤية التي توصل إليها اثنان منهم هما بيرجر وفيديريكو للصورة التي تواجهنا في هذا المجال : " إن السلوك البشرى بالغ التعقيد والتنوع ، وأحد الأسباب المؤدية لذلك هو تعدد المصادر التي ينبع منها السلوك ، وهي المصادر البيولوجية ، والنفسية ، والثقافية ، وتلك المتصلة بالبناء الاجتماعي ... ورغم أنه يبدو لنا أن المعرفة التي تتيحها لنا العلوم البيولوجية والسلوكية والاجتماعية قاصرة ومتناقضة بشكل مخيف ، فإن علينا كمهنيين أن نتدخل لإحداث تغييرات (مرغوبة) في حياة الأفراد والجماعات والمنظمات والمجتمعات المحلية والمجتمع الكبير ، ولو أننا انتظرنا حتى تصلنا كل الحقائق [العلمية التي نحتاجها] لكنا ببساطة كمن يجلس "ليعزف ويترك روما تحترق" (Berger & Federico, 1985: 26) ، ثم إن المؤلفين يمضيان بعد ذلك في محاولة حصر المفاهيم التي تقدمها لنا العلوم السلوكية والاجتماعية تفسيرا لتأثير العوامل الوراثية والجسمية على السلوك ، ثم يتبعان ذلك بفحص تأثير العوامل الإدراكية والمعرفية والوجدانية ، ثم العوامل المتصلة بالبناء الاجتماعي كالنواحي الأسرية والاقتصادية ، ثم العوامل المتصلة بالإطار الثقافي للمجتمع ، ولا يكتفي المؤلفان بدراسة الآثار المباشرة لكل نوع من العوامل ، بل يتناولان الطريقة التي تتأثر بها كل مجموعة من تلك المجموعات الأربعة ببقية مجموعات العوامل الأخرى ، ويبينان أثر ذلك على سلوك الإنسان في حدود المعرفة العلمية الراهنة ، وقد نحا المؤلفان في هذا العرض نحوا انتقائيا ، فتعرضا لمفاهيم مستمدة من أطر نظرية مختلفة ، ودون إشارة إلى تلك الأطر تحديدا في بعض الأحيان.

أما أندرسون وكارتر (Anderson & Carter, 1974) فقد حاولا أيضا التوصل إلى ما يشبه الخريطة الشاملة للأطر النظرية المفسرة "لسلوك الإنسان في البيئة الاجتماعية" ، على الوجه الذي يمكن للأخصائيين الاجتماعيين استخدامه لتوجيه ممارستهم المهنية ، وذلك من خلال عرض أكثر نظريات العلوم الاجتماعية شيوعا واستخداما في محيط الخدمة الاجتماعية ، فقاما بعرض الأفكار الأساسية لتلك النظريات في إطار مستمد من نموذج الأنساق الاجتماعية ، وقد تعرض المؤلفان فيما يتصل بتفسير سلوك الإنسان لنظرية التحليل النفسي عند كل من فرويد وإريكسون ، ثم للنظرية السلوكية عند واطسون وسكينر ، ثم للنظرية المعرفية عند بياجيه باعتبارها تمثل الأساس للتوجهات النظرية في الخدمة الاجتماعية في هذا المجال ، ولما كنا قد تعرضنا في المبحث السابق للتوجهات العامة لتلك النظريات بالنقد فإننا سنكتفي بذلك وننتقل للحديث عن نظريات التنظيم الاجتماعي حتى تكتمل أمامنا صورة المنطلقات التي تنطلق منها هذه العلوم الحديثة.

لقد كفانا عالم الاجتماع الأشهر مارفين أولسن (Olsen, 1988 : 239 -257) مؤونة البحث والاستقصاء عندما استعرض المفاهيم الرئيسة لستة مما اعتبره أكثر النظريات شيوعا في تفسير عملية التنظيم الاجتماعي ، وهي نظرية التبادل Exchange theory ونظرية التفاعل الاجتماعي Interaction theory والنظرية الإيكولوجية Ecological theory ونظرية القوة Power theory والنظرية المعيارية Normative theory ونظرية القيم Value theory وقد نوه أولسن أنه بالرغم من أن كلا من هذه النظريات يسهم في زيادة فهمنا للحياة الاجتماعية المنظمة إلا أن أي نظرية منها ليست كافية وحدها لتحقيق ذلك ، وأشار إلى أن أهم مطلب ملح في التنظير السسيولوجى المعاصر هو "تركيب هذه الأطر النظرية المختلفة في شكل نظرية أكثر تكاملا وكفاءة لتفسير التنظيم الاجتماعي" (P 240).

وتقوم نظرية التبادل باختصار على أن التنظيم الاجتماعي يقوم على أساس من "عمليات تبادل مبنية على المصلحة الشخصية للأشخاص الذين يشتركون في التفاعل Actors ، والذين يسعون للحصول على منافع لهم من خلال تبادلات قائمة على الأخذ والعطاء مع الآخرين ، ولكن مع مرور الوقت فإن هذه العمليات التبادلية تتطور لتتخذ شكل أنماط من الترتيبات المؤسسة ، وتؤدى إلى ظهور معايير ثقافية يلتزم بها المشاركون في التبادل ".

أما نظرية التفاعل فترى أن عملية التنظيم الاجتماعي تبدأ من خلال تفاعلات اجتماعية بين الأفراد من خلال ما يقوم به كل مشارك في التفاعل من تفسير للمواقف التي تقابله في ضوء مردودها على تحقيقه لأهداف ، والنظرية بهذا تركز على أن الفرد لا يستجيب للسلوكيات الظاهرة ، وإنما "للمعاني التي يضفيها هو والآخرون على الأفعال والأشياء .. بحيث أن أفعاله اللاحقة تتشكل في ضوء تفسيراته السابقة للموقف" . والتنظيم الاجتماعي عند أصحاب هذه النظرية يتكون من الأفعال الجمعية للأفراد الذين يفكرون في تحقيق أهدافهم من خلال أفعال تعاونية في مواقف يعطونها تفسيرات من لدنهم باستمرار ، "والتنظيم الاجتماعي إذن هو حصيلة لاتفاق الرؤية حول كيفية التصرف في المواقف المعينة ، مما يؤدى إلى تشابه في التصرفات بين الأفراد ، يسمح بوجود قدر من الاستقرار في المواقف التي يتصرف فيها الأفراد" ، ومن هنا فإن الثقافة المشتركة التي تتكون من المعاني والأفكار التي يعتنقها الأفراد المتفاعلون تعتبر أكثر أهمية بكثير من التنظيمات المؤسسية ، ".. فإذا ما ظهرت الثقافة المشتركة بين عدد من الأفراد فإنها تؤثر على أفعالهم الجمعية وتوجهها ، وإن كانت لا تحسمها حتما بشكل كامل ، فهي تقدم لهم تفسيرات للحياة الاجتماعية ، كما تبين لهم توقعات الدوار والتعريفات المعتمدة للمواقف الاجتماعية ، وفوق هذا فإن هذه المعايير والأفكار الثقافية يتم إدماجها في شخصيات الأفراد خلال عملية التنشئة الاجتماعية " فتصبح موجهة لسلوكهم .

أما نظرية القوة فتقوم باختصار على أن القوة الاجتماعية في كل صورها سواء في ذلك القوة الجبرية أو السلطة المشروعة أو السيطرة أو الجاذبية إنما هي سبب ونتيجة لكل تنظيم اجتماعي ، كما تقوم على أن القوة الاجتماعية ليست موزعة بطريقة متساوية بين أفراد المجتمع وجماعاته ، فهناك من يتحكمون في القوة الاجتماعية وهناك من هم أقل قوة ، ولكن المدارس المختلفة في داخل النظرية تختلف حول ما إذا كانت هناك قلة مترابطة من ذوي النفوذ في المجتمع (الصفوة ) تتحكم دائما في مصائر الكثرة ، أو ما إذا كانت هناك مراكز متعددة للقوة تتنافس على حيازة القوة في أي مجتمع Elitist vs. Pluralist .


وترى النظرية الإيكولوجية أن التنظيم الاجتماعي ينشأ عندما تحاول التجمعات البشرية التعامل مع بيئاتها باستخدام المعرفة التقنية المتاحة للحصول على الموارد الضرورية للبقاء أو لتحقيق أهداف أخرى ، وتقوم على فكرة " الاعتماد المتبادل " Interdependence بين أفراد المجتمع على أساس أن هذه الاعتمادات تجبرهم على إيجاد نوع من التنظيم الذي يسمح لهم بالبقاء أو بتحقيق أهدافهم.

almushref
11-25-2006, 12:13 AM
ويرى أصحاب النظرية المعيارية أن المعايير المشتركة تنبت من الحياة الاجتماعية ، ذلك أن الأفراد إذ يسعون لتحقيق أهداف مشتركة تحت ظروف حياتية متشابهة ، فإنهم يكتشفون بعض أنماط الحياة التي يرونها مفيدة أو بعض الحلول الجيدة لمشكلاتهم المشتركة ، ويميلون بالتالي لتكرار تلك الأنشطة ، ويتناقلون هذه الأفكار فيما بينهم ، مما يؤدى بالتدريج إلى ظهور طرق موحدة للتعامل مع مواقف الحياة الأساسية ، ومع الوقت فإن هذه المعايير تنفصل عن المواقف التي نبتت في إطارها ، ويتم تعميمها لتغطى أنواعا جديدة من المواقف ، وبهذا تصبح العنصر "المحوري" لثقافة المجتمع أو لتنظيمه ، وتصبح ملزمة أخلاقيا للآخرين ، فتحدد الطريقة التي ينبغي أن يسلكوا بها في موقف معين ، ثم إن الالتزام الأخلاقي قد يدعم بفرض عقوبات على المخالفين بقوانين تصدرها الدولة.

أما نظرية القيم عند بارسونز فتقوم على أن " القيم المشتركة " Common Values تشكل كل جوانب الحياة الاجتماعية وتتحكم فيها ، ويتم التعبير عن هذه القيم في شكل معايير Norms ، تدخل بدورها في البناء المؤسسي للتجمعات Collectivities ، ويتم تشربها حتى تصبح جزءا من الشخصيات Personalities ، وبلغة أخرى فإن النظرية تبدأ بوجود مجموعة من القيم المشتركة المتفق عليها في إطار النسق الثقافي Cultural System ، ولكن معانيها الأساسية تستمد من "إدراك الحقيقة المطلقة" Ultimate Reality ، ويمكن لهذه القيم أن تتغير مع الوقت نتيجة للتغير في إدراك "الحقيقة المطلقة" ،ثم إن القيم الأخلاقية تعطى الشرعية لتجمعات من المعايير المتخصصة ، وهذه المعايير المشروعة تتحكم بدورها في أنشطة التجمعات المحددة في داخل كل نسق فرعى ، وأخيرا فإن الأفراد الذين يقومون بأدوارهم يتم التحكم فيهم وتوجيههم عن طريق المعايير المجتمعية التي تصبح جزءا من شخصياتهم خلال عملية التنشئة الاجتماعية .

ويلاحظ أن هذه النظريات تتدرج من حيث محاولة التفسير بين أول خطوات عملية التنظيم الاجتماعي وأوسطها وأواخرها ، فنجد أن نظريات التبادل والتفاعل هي من نوع النظريات التحليلية الذرية بمعنى أنها تستهدف تحليل عملية التنظيم الاجتماعي إلى عناصرها الأولية لتفسر لنا كيف ينبت التفاعل بين الأفراد كبداية لإيجاد الحياة الاجتماعية المنظمة ، أما نظرية القوة والنظرية الإيكولوجية فهما أكثر اهتماما بالمراحل الوسطى من مراحل عملية التنظيم الاجتماعي والمتصلة بأنماط التنظيم المؤسسي البنائي للمجتمع ، في حين أن النظرية المعيارية ونظرية القيم تركزان على نهاية عملية التنظيم الاجتماعي والمتمثلة في مستوى الثقافة Culture ، وإن كانت النظرية المعيارية تعطى اهتمامها الأولى إلى الموجهات والأوامر الأخلاقية التي ترى أنها تشكل الحياة الاجتماعية مباشرة كما يقول أولسن في حين أن نظرية القيم تعطى اهتماما الأول إلى "القيم الأساسية" التي يتم ترجمتها إلى معايير وقواعد.

والحق أن من يتفحص النظريات السابقة جميعا ليتعرف على ما تنطلق منه من افتراضات أساسية حول طبيعة الإنسان والمجتمع - استجابة للنصيحة القيمة التي قدمها لنا ألفين جولدنر - لابد واصل إلى نتيجة مؤداها أن تلك النظريات إنما تبدأ وتنتهي بالإنسان ، وكأنه جاء من فراغ وينتهي إلى عدم ، وأنه بين هاتين النقطتين مجرد كائن عضوي آخر تدفعه حاجاته دفعا إلى تنظيم علاقاته مع غيره ، لهدف واحد هو المحافظة على بقائه حتى لا يهلك قبل الأوان - أما عن جوهر هذه الحياة وعمادها ... أما عن حياته الروحية ومتطلباتها ، وعن صلته بخالقه وآثارها ، وعن شرائع ربه التي ارتضاها لخلقه ، وأما عن البعث والحساب والجزاء في يوم تشخص فيه الأبصار وأما عن الحياة الأخرى التي هي الحياة الحقيقية بكل معنى لا ينكره إلا الجاحدون ... فكل هذه الجوانب غائبة غيابا تاما عن تلك النظريات جميعا.

وحتى عندما يقوم هؤلاء المنظرون بدراسة ما يسمى عندهم "بالظاهرة الدينية" أو "بالنظام الديني" كنظام اجتماعي في إطار تلك النظريات ، فإن الدين عندهم سرعان ما يؤول إلى مجرد اختراع بشرى ، ابتكره الإنسان ليساعده على البقاء في مواجهة الظروف الطبيعية والاجتماعية القاسية ، أما الاعتراف بمصدر متعال إلهي للعقائد الدينية فأمر يخرج عندهم بالكلية عن نطاق العلم ، فيدخل في باب الخرافات عند المتطرفين منهم ، أو في باب ما لا يجوز للعالم أن يشغل به نفسه عند أهل الاعتدال.

ولعل نظرية الأنساق لتالكوت بارسونز تعطينا مثالا لموقف رجال علم الاجتماع من أحد كبار منظريهم عندما "يظنون" أنه قد تخطى الحدود الموهومة بين " العلم الاجتماعي" والعلم الغيبي ، حتى عندما تحس أن الرجل قد اقتنع أو أدرك أن حياة الناس وتنظيم المجتمعات يتطلب ما هو أكثر من تلك النظريات الإنسانية القاصرة ، أو أكثر من ذلك الوجود الحائر البائر، فلقد أوضح تالكوت بارسونز أن "الحياة الإنسانية في كليتها" والذي سماه Action Frame of Reference (وإعادة صياغة المفهوم هنا هي لأولسن) يمكن تقسيمها إلى أربعة مستويات من الأنساق التي يعلو بعضها فوق بعض ، بحيث يكون هناك باستمرار تيار من المعلومات والقرارات Information, Decisions هابطا من الأنساق الأعلى إلى الأنساق الأدنى ، كما يكون هناك تيار مستمر من الطاقة Energy صاعدا من الأنساق الأدنى إلى الأنساق الأعلى ، وهذه الأنساق الأربعة تبدأ - من أعلى إلى أسفل - بالأنساق الثقافية ، التي توجه الأنساق الاجتماعية ، التي توجه الأنساق الشخصية ، التي توجه الأنساق العضوية ، ولكن بارسونز يضيف إلى ذلك أن " البيئة الطبيعية" تقع في مستوى أدنى من الأنساق العضوية ، وأنها المصدر لكل الطاقة التي تتطلبها الحياة البشرية ، وأنه - وهذا هو ما يهمنا في هذه النقطة - "… فوق الأنساق الثقافية يقع عالم الحقيقة المطلقة Ultimate Reality والذي هو المصدر النهائي لكل تحكم سيبرنطيقى في الأنشطة الإنسانية" (Olsen : 254) ، فماذا كان موقف علماء الاجتماع من هذا الفرض؟ لقد كان أول نقد وجه لبارسونز هو التساؤل عن ماهية ذلك المصدر للقيم ، حيث رأوا أن بارسونز لم يبين لنا ماهية عالم "الحقيقة المطلقة" ويضيف أولسن أن "الكثيرين من النقاد يرون أن تصور بارسونز للحياة الاجتماعية هو أقرب للفلسفة المثالية البحتة ، حيث تتنزل القيم من عالم علوي يخرج عن نطاق التحكم البشرى جزئيا أو كليا" (P. 257) ، وبطبيعة الحال فإن مثل هذه التهمة - إذا ثبتت - تعتبر طعنا خطيرا في منهجية بارسونز تكاد تخرجه عندهم من مصاف العلماء.

ولكن ما موقفنا نحن كمسلمين نؤمن بالله واليوم الآخر من مثل هذه القضية ؟ هل يجوز لنا التسليم مع هؤلاء "العلماء" أن الإنسان ليس إلا مجرد كائن عضوي منقطع إلا عن نفسه ، مدفوع بغرائز وآليات لا هدف لها إلا حفظ بقائه المادي ، وأن الإنسان يبنى نظمه الاجتماعية وليس له من موجه إلا ما يتحصل عليه من فتات وقائع خبرته ، المحكومة بحدود عقله وتهافت رؤيته ، دون هداية من فطرة في داخله ، أو شريعة إلهية مؤيدة لمقتضيات تلك الفطرة من خارجه؟ ... إن من الواضح أنه لا يجوز لنا - دينا وعقلا - أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ... ونحن من الناحية المنهجية مطالبون بإعادة النظر في هذه الأنظار البشرية القاصرة ، ومطالبون باستلهام التصور الإسلامي كبديل أو كمكمل لمثل تلك الأنظار ، عسى أن نكون من المهتدين ... وعسى أن نكون من المفلحين .

السنن النفسية والاجتماعية في التصور الإسلامي:

لقد تبين لنا بوضوح مما عرضناه في مبحث سابق أنه لا يمكن بأي حال فهم "الإنسان" في حياته الفردية أو المجتمعية إلا في ضوء ذلك البعد الروحي المتصل "بوعي" الإنسان بوجود ربه ومليكه ، و"معرفته" بصفات الخالق وأسمائه وكمالاته ، وما يترتب على ذلك من نوع "صلته" وصفة ارتباطه بالله عز وجل ، ودرجة استعداده لملاقاته في "اليوم الآخر" يوم البعث والجزاء . فهذا البعد الروحي هو الذي يعطى حياة الإنسان معناها الحقيقي ، وهو الذي ينتزع منها سمات العبثية والعدمية ومعاداة الحياة الاجتماعية المنظمة التي نجدها لدى أصحاب الاتجاهات المادية والوجودية والفرويدية.

والمتأمل لحقيقة التصور الإسلامي للطبيعة الإنسانية لا يملك إلا التسليم بالمكانة المحورية التي تشغلها الجوانب الروحية في حياة الإنسان ، بما يميز هذا التصور بوضوح ويباعد بينه وبين غيره من التصورات البشرية التي تقف عند حدود الحياة الدنيا، ( ذلك مبلغهم من العلم)(النجم: 30) وكأنها هي البداية وهي النهاية ، فتجعل من الإنسان كائنا تافها ضعيفا لا وزن له في هذا الكون ولا كرامة . أما التصور الإسلامي القائم على محورية الجوانب المتعلقة بصلة الإنسان بربه فإنه يضع حياة الإنسان ووجوده الموقوت في هذه الدنيا المتحولة الزائلة في إطارها الكوني والإلهي الأشمل والأدوم ، ومن هنا تتضح الأهمية القصوى لمسألة "المحافظة على صفاء الفطرة ونقائها" ، حتى تصح رؤية الإنسان لنفسه ولهذا الكون ، وحتى تستقيم صلته بربه، في الاتجاهات التي تجلب له سعادة الدارين .

فإذا صح لدينا هذا التصور لزم عنه أن يكون الهدف الأول لسلوك الفرد ، والمهمة الأولى للمجتمع المسلم ، هو في الحفاظ بكل وسيلة ممكنة على صفاء الروح ونقاء الفطرة - التي فطر الله الناس عليها - على مدار حياة الإنسان على ظهر هذه الأرض بكل مراحلها ، حتى إذا جاء يوم البعث والنشور كان ممن (أتى الله بقلب سليم ) (الشعراء : 89) مما يعطى وجود الإنسان في الحياة الدنيا قيمته الحقيقية من حيث هي ممر إلى حياة الخلد الحقيقية ، عندما تؤوب الروح إلى موطنها ومستقرها من رضوان الله الدائم في نعيم مقيم.

وعلينا أن ننتبه هنا إلى أن نوع الحياة المنطلقة من مثل ذلك "القلب السليم" تختلف اختلافا يكاد يكون كليا عن نوع الحياة التي طمس فيها على القلب ، فالإنسان الذي صفا قلبه واستقامت فطرته يكون توكله على الله لا على نفسه أو الآخرين ، ويكون أنسه بالله ووحشته من الناس ، فيعيش حياة مختلفة وجوديا ، وكأنه بالتعبير الدارج يعيش "على موجة مختلفة"، فحياته الداخلية مطمئنة هادئة ... لا تفجعه الفواجع ... ولا تطغيه النعم ... وإنما هو يعيش بين الصبر والشكر على مستوى يستحيل أن يتوفر لغيره ممن كبرت الدنيا في عينه .. ممن يصاب بالجزع والنكد إذا فقد من دنياه شيئا ولو قليلا ، ولا يأبه بضياع أخراه بكليتها ، أنسه بالناس وبما في يده من أعراض زائلة ... ووحشته من الله ومن كل ما يذكره به ، فشتان بين النمطين من أنماط الحياة.

ولعل من المناسب أن ننتقل الآن لنعرض بعض الجوانب المختارة من العمليات الفردية والاجتماعية التي نتصور أنها وثيقة الاتصال "بالمحافظة على صفاء القلب ونقاء الفطرة" لتحقيق مثل هذا المستوى الرفيع من الحياة ولكننا نود أن نشير إلى أن هذه العمليات تذكر هنا كمجرد أمثلة يمكن القياس عليها أو إجراء الحوار حولها ، مع ملاحظة أن اهتمامنا في هذا العرض ليس منصبا على "الآليات" التي تحكم سير الأنساق "الشخصية" Personality System أو "الاجتماعية" Social Systems في ذاتها 0 إذا استعرنا اصطلاحات تالكوت بارسونز (Reiss, 1968:2-3) ولكننا أكثر اهتماما "بتوجه" تلك الأنساق أو ما يمكن اعتباره "النسق الثقافي" الموجه لتلك الأنساق من أعلى (Olsen , 1968:253-257) ، وبلغة أخرى فإننا لن نهتم ببيان السنن والضوابط والشروط التي تضمن فاعلية تحقيق تلك الأنساق "لأهدافها" بصرف النظر عن ماهية تلك الأهداف ، فذلك خارج نطاق اهتمامنا نظرا لوفرة الكتابات التي تتناول هذه الآليات تفصيلا في أدبيات العلوم الاجتماعية الحديثة ،كما أن توصيف تلك الآليات من جهة أخرى ليس محور الاختلاف مع التصور الإسلامي ، ولكن قضيتنا أكثر اتصالا بنوع "الأهداف" التي تسعى الأنساق الشخصية والاجتماعية لتحقيقها وبيان صلة ذلك بالإطار الأشمل للنسق "الثقافي" المنطلق من التصور الإسلامي.

أولا: التنشئة الاجتماعية في المجتمع المسلم:

1- تتحمل الأسرة المسئولية الأولى عن الحفاظ على سلامة فطرة أبنائها من الناحية العقيدية ، قال صلى الله عليه وسلم "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (متفق عليه).

2- تتحمل الأسرة من جهة أخرى مسئولية تدريب أبنائها على تحقيق التوازن بين الإشباعات المادية والروحية فالأسرة التي تقوِّي عند أبنائها استمراء الإشباعات المادية مع إهمال الجوانب الروحية ، تجعلهم يشبون على اتباع الشهوات والأهواء التي تطمس الفطرة.

3- التعويد على ممارسة العبادات والطاعات منذ الصغر يساعد على تحقيق الأهداف السابقة ، إذ أنها تعين الأبناء وتيسر عليهم الطاعة والامتثال لأوامر الله ، كما تجعلهم يشبون على التوكل عليه والثقة فيما عنده أكثر من ثقتهم بما في أيديهم ، أما إذا لم تقم الأسرة بمسئولياتها الدعوية فإن الأبناء ينشأون على انحراف الاعتقاد واستمراء البدع ، و اتباع الهوى والشهوة ، وتلك هي الأمراض التي تصيب " القلوب" ، والتي يترتب عليها اضطراب الحياة الدنيا، والخسران المقيم في الآخرة.

4- إذا انطلقت المدرسة بمناهجها ومناخها اليومي والعلاقات بين طلابها والعاملين فيها من نفس النسق القيمي الدعوي ، فإن هذا يدعم ما قامت به الأسرة من جلاء للفطرة وتهذيب لنفوس الشباب ، أما أجهزة قضاء أوقات الفراغ وأجهزة الترويح وأجهزة الإعلام وجميع أجهزة وأدوات التوجيه المجتمعي فإنها إذا انطلقت من نفس المنطلقات فإن ذلك يؤدى في النهاية إلى أن يتنفس الشباب ( والبالغون) نسمات العقيدة الصافية في كل مراحل حياتهم فتصح قلوبهم وعقولهم وتسمو أرواحهم ويستقيم سلوكهم حتى يلقوا ربهم غير مبدلين ولا مفتونين ، ( أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون) ( الأحقاف : 16).

5- والعكس صحيح فإذا أهملت الأسرة واجبها الدعوى ، فإن الأبناء يصابون بأمراض الشبهات والشكوك والشهوات التي تصيب قلوبهم ، وكذلك إذا أهملت المدرسة جانب المحافظة على سلامة الفطرة مكتفية بسلامة الأبدان وتعليم العلوم والصناعات ، وإذا تاهت أجهزة الترويح والإعلام عن أهداف الحياة في الإسلام ، وخبطت في كل واد فإن النتيجة المحتومة لهذا كله هي التشتت والاضطراب والقلق والإحباط المستمر الملازم للأفراد والمجتمعات ، ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا) (الزمر:29) ، وهم في الآخرة من الخاسرين.

ثانيا : توفير الظروف البنائية المواتية:

1- يقوم التصور الإسلامي على ضرورة إقامة الترتيبات المجتمعية التي تضمن لأفراد المجتمع أفضل إشباع ممكن لحاجاتهم المادية والنفسية والاجتماعية -- أو وهو الأصح التي تضمن "إتاحة الفرصة" أمامهم لإشباع تلك الحاجات في إطار التوجيهات الإلهية والقوى الروحية التي تفرض تعديلات على ما يعبر عنه "بأفضل إشباع ممكن" ليترك المجال أمام كل إنسان ليرتفع عن قيود الأرض إلى أرفع قدر يستطيعه ، أو ليتوقف عند حدود استطاعته ما دامت في نطاق "القصد" والاعتدال.

2- ويرتبط بهذا المبدأ قضية توفير "العدالة الاجتماعية" المتضمنة لحسن توزيع الثروة من خلال الترتيبات الوجوبية كالزكوات ، أو الطوعية كالصدقات ، أو من خلال التربية الدعوية التي تغرس في الأفراد معنى العطاء دون حساب ، مع المحافظة في الوقت ذاته على حق الملكية الفردية ومع شيوع عواطف التراحم والتواد بين المعطى والمتلقي ، دون منٍّ ولا أذى ولا استعلاء.

3- منع التظالم بكافة صوره وأشكاله وألوانه ووضع الضوابط التي تكفل ذلك حتى يشعر جميع أبناء المجتمع المسلم بملكيتهم لهذا المجتمع وبانتمائهم له فيضمحل الاغتراب والإحباط ونزعات العدوان إلى أقل حد ممكن.

ثالثا : مسئولية الفرد عن اختياراته وسلوكه:

1- مع التأكيد على دور الترتيبات البنائية فإن التصور الإسلامي يقوم على أن الإنسان أيضا مسئول عن المحافظة على نقاء فطرته وسلامة قلبه وتزكية نفسه ، (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) (الشمس:10).

2- طاعة الله فيما أمر ونهي ، تسليما لحكمه ، وثقة في علمه وحكمته ، ووعده ووعيده … ففي هذه جميعا الضمان لسلامة القلب ، والعكس صحيح ، فالسلوك المنحرف ينكت على القلب نكتا سوداء حتى تكاد تعميه عن رؤية الحق فلا يراه حقا ، وتكاد تجعله يكره ما ينفعه من الخير ويحب ما يضره من كل باطل ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (المطففين: 14).

3- يحتل مفهوم " مجاهدة النفس " مكانا محوريا في الحياة الداخلية للإنسان المسلم ، فالنفس (المتمثلة في تيار الوعي الإنساني ) تتنازعها قوتان : الدوافع المادية البدنية الأرضية التي تلح على الإشباع المباشر ، وتنزع إلى الظلم والتجاوز في ذلك ، والنوازع الروحية التي تتوق إلى القرب من خالقها وإرضاء بارئها ، الذي عرفته بصفات الجمال والجلال، فهي لهذا تستشعر حبه وتشفق من غضبه وعقابه … فترتفع بالإنسان إلى آفاق تضمحل معها قيمة إشباع الحاجات الدنيا إلى حد كبير ، يصل إلى حد استعذاب الاستشهاد في سبيل الله ، رغم أنه يعنى زوال النفس الواعية المكونة من البدن والروح ، كما يعنى فناء البدن ، لأنه فوق هذا يعني صعود الروح الباقية إلى حياة الخلود في النعيم والرضوان من رب العالمين .

4- بالقدر الذي تسود فيه الفطرة السليمة العارفة بربها والمتصلة به يكون التوافق بين الإنسان ونفسه ، وبينه وبين خلق الله ، بل بينه وبين الوجود كله ، وبينه وبين ربه ، ويتنزل الدعم والتأييد على الإنسان من "ملائكة" الرحمن (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا و أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة) (فصلت: 30-31).

5- وبالقدر الذي تسود فيه دفعات الغرائز الدنيا ، وتكبت فيه الفطرة السليمة يكون اضطراب الإنسان داخليا ، ويكون شعوره بعدم التوافق مع الخلق ، وبالتنافر مع هذا الوجود ، وتتنزل "الشياطين" بالتحريض والتزيين لضمان استمرار الإنسان في هذا الطريق المهلك (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) (مريم:83) أي تهزهم وتستفزهم باطنيا (ابن عاشور ،1984).

رابعا: الضبط الاجتماعي المنطلق من روح الإسلام:

1- لا يستهدف الضبط الاجتماعي من منظور الإسلام مجرد المحافظة على الأموال أو الأنفس أو الأعراض مع أهميتها - ولكنه يستهدف أولا وقبل كل شىء المحافظة على طهارة الأرواح والقلوب والحفاظ على صلتها ببارئها باعتبارها محور الوجود في الدنيا والآخرة.

2- وأول الضبط وأهمه ما كان منبثقا عن تقوى الله عز وجل ومراقبته في كل قول وفعل انطلاقا من الفطرة السليمة ، ثم التنشئة الاجتماعية السليمة ، التي تنتهي إلى غرس معرفة الله وحبه وتقواه في النفوس والقلوب فلا تخرج الأفعال إلا مستجيبة لتلك العواطف النبيلة.

3- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمفهوم ، والاحتساب كتجسيد شرعي ورسمي لهذا المفهوم ، يقوم بدور مكمل ومؤيد للضبط والرقابة الشخصية ولكنه ضبط يقوم به الآخرون جميعا حيث يكون كل مسلم راعيَ أخيه ومعاونه على المحافظة على سلامة فطرته ، وحافظ مجتمعه من أن تسوده الفاحشة ، فظهور الفاحشة وشيوعها يؤدى إلى إصابة الأبرياء وتشجيع المترددين في المخالفة ، كما يفتح الباب للتعريض Exposure لأنماط السلوك الانحرافي بما يؤدى إلى انتشار العدوى بين قطاعات جديدة من الناس ، ومن هنا فإننا نستطيع أن نفهم كيف أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان سببا في حلول غضب الله ونقمته على بنى إسرائيل حيث جاء ضمن حيثيات حلول اللعنة عليهم (كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) (المائدة :79).

4- أما الضبط الرسمي فيقوم على مبادئ ثابتة شرعا في شكل حدود قررها الشارع بشكل لا يمكن الطعن بانحيازه لفئة أو جماعة أو طبقة - كما هو الحال في التشريع الوضعي - وفي شكل تعازير ترك فيها المجال للاجتهاد وفق الحاجة ضمانا للمرونة في مواجهة أشكال الانحراف.

5- وفي إطار هذا كله فإن المبدأ الأساسي هو أن يستهدى التطبيق ما يرضى الله سبحانه وتعالي ، وأن يضمن العدل إلى أقصى حد يطيقه البشر الذين يراقبون الله في كل ما يصدر عنهم في هذا الشأن ، بصرف النظر عن هوية أو مكانة الذي يتعرض للعقوبة على المخالفة (وَايْمُ اللَّهِ لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) (متفق عليه).

almushref
11-25-2006, 12:19 AM
خامسا : أحوال الأمم :

1- وعد الله سبحانه وتعالي الأمم الطائعة بأن تحيا حياة طيبة ، وأن يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، وتوعد الأمم التي لا تقيم حدود الله ، والتي تكفر بأنعم الله بأن يذيقها من صنوف الجوع والخوف والهوان وبأن يلبسها شيعا ويذيق بعضها بأس بعض بما كانوا يصنعون.

2- كما قضى سبحانه بأنه لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

3- يتنزل الغضب والعذاب على الأمم وفيها الصالحون لأنهم لم يستنكروا منكرا ولم تتمعر وجوههم غضبا لله ، وخصوصا في إنكار على أئمة الجور وذوى المكانات القيادية والتأثير في قطاعات عريضة من الناس ، لأنهم بهذا يتركون الأبواب مفتوحة للنفوس والأرواح عامة أن تضل وللقلوب أن تزيغ عن فطرة الله التي فطر الناس عليها فتشيع الفاحشة ويستحق العذاب على الجميع.

4- شيوع الترف والبطر والكفر بأنعم الله يجلب غضب الله وعقابه الأليم على الأمم ، وترتبط هذه الظواهر بالظلم والبغي برباط وثيق (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين ، فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون ، لا تركضوا وارجعوا إلى ما أُتْرِفتم فيه ومساكنِكم لعلكم تُسألون ، قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين ، فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين) (الأنبياء : 11-15).

ولعل من الملائم أن نحذر في ختام حديثنا عن السنن النفسية والاجتماعية من خطأ شائع يتعرض البعض للوقوع فيه عند تناول المصطلحات المتصلة بالجوانب الروحية المتعلقة بنوعية الصلة بين الإنسان وربه ، ألا وهو خطأ التعامل مع تلك المصطلحات كألفاظ تنقل صورا "بلاغية" أدبية ، أو كتعبيرات "مجازية" ، مع أن الحق الذي لا ينبغي أن يماري فيه مسلم هو أن لتلك المصطلحات وجودا حقيقيا كاملا لا يقل - إن لم يزد - في صدقه عن وجود ما تدركه حواسنا وما يكبر في صدورنا ، ولكن مع فرق أساسي هو أن لهذه الظواهر مقاييسها وأبعادها التي تختلف عن أبعاد التحيز في المكان (الطول والعرض والارتفاع والكتلة) والزمان المألوفة لإدراكاتنا الحسية ، ولها علاقاتها وقوانينها وسننها التي تختلف كذلك عن الظواهر المحسوسة المألوفة لنا.

ومن هنا فإن أي محاولة لقياس وجودها على الموجودات المحسوسة من خلال إعطائها صفة "مجازية" أو بلاغية خطابية لهي أمر يتنافى على خط مستقيم مع أساسيات التصور الإسلامي ذاته ، ويبدو أن الوقوع في مثل هذا الخطأ ليس إلا من بقايا ما ألفناه من أساليب وتصورات مادية في التفكير ، ومن هنا فإن منهجنا في التعامل مع مثل تلك المصطلحات ينبغي أن يكون واعيا ومنتميا بشكل حقيقي للتصور الإسلامي.

فإذا قلنا أن " الفطرة" تتضمن إدراك الوحدانية كما جاء بذلك القرآن الكريم صراحة فإن النماذج النظرية التي نبنيها ينبغي أن تتضمن ذلك البعد كأمر واقعي يقيني لا مجازى ، وإذا حدثَنا الكتاب الكريم عن القلوب وأحوالها وأمراضها في مثل قوله تعالي (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) (البقرة : 10) وقوله (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) (الأحزاب : 32) فإن علينا أن ندرك أن " القلب" له وجوده الحقيقي كأحد أوجه الحياة الروحية للإنسان (وإن لم يكن وجودا ماديا) وأن له "أمراضا" تصيبه بمعنى أشد قوة وتأثيرا على حياة الإنسان ككل من غيرها من الأمراض التي تصيب الجسد . وإذا عرّفنا القرآن الكريم "بالشيطان" وبموقفه منا وبخصائصه في مثل قوله تعالي (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) (فاطر:6) ، وقوله (زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل) (النمل:24) ، وقوله (إما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) (فصلت:36) وقوله (إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) ( الأعراف:27) وقوله (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ) (آل عمران :175) فإن علينا كباحثين "علميين" أولا أن نأخذ من هذه الآيات وجود "الشيطان" كحقيقة وجودية واقعية فعالة ومؤثرة في حياتنا اليومية ، كما أن علينا ثانيا أن نعرف أنه عدو مبين لبني آدم ، وأن نعرف ثالثا أن من صفاته وأساليبه أنه يزين للناس باطل الأعمال ، وأنه ينزغ ويوسوس ويخوف ويعد الناس ويمنيهم بغرور ، وأنه ولى وقرين لأهل الضلال ... وهكذا ، كما أن علينا أن ندخل تلك الأبعاد والخصائص في نماذجنا النظرية.



المبحث الثالث: تفسير المشكلات الفردية والاجتماعية



المشكلات الفردية والاجتماعية في كتابات العلوم الاجتماعية:

لقد ذكرنا فيما سبق أن الخدمة الاجتماعية قد كانت منذ نشأتها الأولى في العصر الحديث تهتم اهتماما خاصا بمساعدة الناس على مواجهة "مشكلاتهم الشخصية" ، إضافة إلى العمل على التخفيف من ويلات "المشكلات الاجتماعية" إلى أقصى حد مكن ، كما أشرنا أيضا إلى اهتمام المهنة المتزايد في السنوات الأخيرة بقضايا الوقاية من المشكلات الفردية والاجتماعية ، مما يتطلب توافر قاعدة نظرية متماسكة لتفسير تلك المشكلات تكون أساسا لتصميم البرامج الوقائية وتحديد طرق التدخل العلاجية الفعالة .

فإذا رجعنا إلى الكتابات النظرية الحديثة لتتعرف على التفسيرات التي تقدمها لنا للمشكلات الفردية والاجتماعية ، فإننــــا سنجد أن ما قرره روبرت مرتون وروبرت نيزبيت منذ مايزيد عن ربع قرن من الزمان لا يزال يصدق اليوم ، من جهة أنه "لا توجد حتى الآن نظريـة شاملة (لتفسير) المشكلات الاجتماعية ، ولكنها قد تكون في طريقها إلى الوجود"(Merton & Nisbet, 1966 :V) ، والصورة التي تعكسها الكتابات الحالية لازالت تكشف عن وجود عدد كبير من النظريات الجزئية المتنافسة التي تحاول تفسير هذه الظاهرة ، والتي لم تفلح أي منها في تقديم صياغة تفسيرية متكاملة لها.

ويرى ميرتون أن من الممكن تقسيم "المشكلات الاجتماعية" من الناحية التحليلية المجردة إلى فئتين عريضتين إحداهما تتمثل في التفكك الاجتماعي Social disorganization والأخرى تتمثل في السلوك الانحرافي Deviant behavior ، وهاتان الفئتان هما في الواقع متشابكتان متفاعلتان تؤدى كل منهما إلى الأخرى ، بحيث أنك إذا تعرضت لدراسة أي مشكلة واقعية فستجد ما يشير إلى كل منهما ولكن بدرجات متفاوتة (Merton & Nisbet: 799-800) ، وتتبع معظم الكتابات النظرية في الموضوع هذا التصنيف.

والتفكك الاجتماعي هو عجز النظم الاجتماعية عن القيام بوظائفها بكفاءة ، ويرى ويليامسون وزملاؤه (Williamson, et al. , 1974:18-22) أن التفكك الاجتماعي يحدث عادة نتيجة للتغير الاجتماعي السريع الذي يؤدى إلى اختلال التوازن في المجتمع ، مما يؤدى إلى الخلط والاضطراب في المعايير الاجتماعية ، فيصعب التنبؤ باستجابات الآخرين ، ويضعف تأثير القواعد المتفق عليها للسلوك على الأفراد.

ويقارن أولئك المؤلفون بين التفكك الاجتماعي والسلوك الانحرافي بقولهم أنه "إذا كانت نظرية التفكك الاجتماعي تركز على التغير الاجتماعي وما يؤدى إليه من اضطراب المعايير والنظم الاجتماعية ... فإن نظرية السلوك الانحرافي تركز على انحراف الفرد عن المعايير الاجتماعية" ، وبلغة أخرى فإن تفسير السلوك الانحرافي يقوم على الافتراض بأن المعايير الاجتماعية العامة سليمة ، ولكن لسبب أو لآخر فإن الأفراد لم يتم لهم من التنشئة الاجتماعية الصحيحة ما يضمن التزامهم بتلك المعايير ، ويلخص ويليامسون وزملاؤه عددا من النظريات المفسرة للسلوك الانحرافي ، والتي تقوم إحداها على أن تنشئة الفرد قد تتم أحيانا في إطار "ثقافة فرعية انحرافية" Deviant Subculture كما في حالة من ينشأون في أحياء متخلفة تشيع فيها المعايير الانحرافية ، بينما ترى الأخرى أن السلوك الانحرافي يرجع إلى متابعة الفرد لمعايير انحرافية من وجهة نظر المجتمع والثقافة الفرعية ولكنها تعتبر سوية في نظر جماعة مرجعية Reference group أخرى يتخذها الفرد مرجعا موجها لسلوكه ، كما ترى نظرية ثالثة أن السلوك الانحرافي يكون متوقعا عندما تَحُول أوضاع بنائية مستقرة في المجتمع - وبشكل مضطرد - دون إتاحة الفرصة لبعض فئات المجتمع للحصول على الوسائل المشروعة التي تمكنهم من تحقيق الأهداف المرغوب فيها وفق الإطار الثقافي السائد Anomie theory.. وهكذا.

وبصفة عامة فإننا نلاحظ أن التفسيرات التي تقدمها لنا تلك الأطر التصورية تتسم بالتركيز على الآليات والعمليات الاجتماعية من جهة ، وبالنسبية الثقافية من جهة أخرى ، فالتركيز على التغير الاجتماعي والتفكك الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية والضبط الاجتماعي يجعل المشكلات الاجتماعية "الواسعة النطاق" تبدو وكأنها أمر طبيعي تحتمه ميكانيكية هذه الآليات الاجتماعية التي لا ترحم ، وأما التفسيرات التي تركز على دور المعايير الاجتماعية والثقافات الفرعية فإنها تبدأ وتنتهي من القيم الاجتماعية السائدة أيا كانت تلك القيم ، فتُحيل التفسير إلى قضية فنية بحتة تتم فيها مضاهاة توجهات الثقافات الفرعية والسلوكيات الفردية على القيم التي تبنتها الثقافة القائمة في المجتمع ، أما نقد تلك القيم المجتمعية من منظور أرقى فإن هؤلاء العلماء (باستثناء أصحاب اتجاه اليسار الجديد) يرونه خارج نطاق مهمتهم.

ولعل مما يشهد على التزام العلماء بهذا الموقف ما ذكره مارفين أولسن (Olsen, 1968:130) في مجرد حاشية تعليقا على ما ذكره من أن الانحراف يتم تعريفه في ضوء الثقافة ، وأن السلوكيات المحرمة في إحدى الثقافات الفرعية قد تكون سلوكا مثابا في ثقافة أخرى ، حيث قال في تعليقه "إن حقيقة كون السلوك الانحرافي على الدوام أمر نسبى للتنظيم الذي يحدث فيه لا يستبعد إمكانية اعتبار بعض السلوكيات لا أخلاقية في ذاتها في ضوء مبادئ قدسية أو متعالية على البشر ، ولكن هذه مسألة تقع خارج نطاق العلوم الاجتماعية" (!!) ، وهو بهذا يبرر مسألة النسبية في النظر إلى الانحراف في كتابات العلوم الاجتماعية ، ولا يرى سبيلا إلى حل الإشكال بإيجاد التكامل مع القيم الدينية مثلا.

فإذا انتقلنا إلى الكتابات المهنية في محيط الخدمة الاجتماعية ، فإننا سنجد أنها تعكس نفس الأطر التصورية السابقة التي وجدناها عند المتخصصين في علم الاجتماع ، مع محاولة لإيجاد قدر من التكامل بينها وبين ما يقدمه المتخصصون في علم النفس تفسيرا للمشكلات الفردية ، والواقع أنه يمكننا - مع المخاطرة بالوقوع في قدر قليل من التبسيط الزائد - القول بأن كتابات الخدمة الاجتماعية تنظر لأسباب المشكلات النفسية - الاجتماعية Psychosocial على أنها تتمثل فيما يلي:

1- النقص أو القصور في إشباع الحاجات الإنسانية ( مع تعريف الحاجات تعريفا ضيقا يكاد ينصب أساسا على الحاجات المادية ثم ما يتبعها من حاجات نفسية واجتماعية) وما يترتب على ذلك القصور في إشباع الحاجات من إحباط وعدوان.

2- ما يترتب على استمرار القصور في إشباع الحاجات - أو ما يسببه - من مشكلات في العلاقات مع الآخرين وفي التوافق الاجتماعي ، وهو ما يعبر بالمشكلات المتصلة بعملية "أداء الوظائف الاجتماعية" Social functioning.

3- العمليات الاجتماعية الأشمل التي تحيط بهذا كله كالتغير الاجتماعي وما يؤدى إليه من تفكك اجتماعي Social disorganization يتصل بقصور النظم لاجتماعية عن القيام بوظائفها بكفاءة (قارن (Northen, 1987 :173:.

وتتفاوت المحاولات المختلفة بعد ذلك في تركيزها على عامل أو آخر من تلك العوامل ، أو حتى في التركيز على الديناميات التي تندرج تحت أي عامل منها بذاته ، أو في تشكيلة العوامل التي تجمع بينها كأسباب للمشكلات ، فنجد أن بعض الكتاب مثلا يرون أن المشكلات إنما ترجع في أساسها إلى الصراع النفسي بين جوانب النفس المختلفة ، كما يرى آخرون أن المشكلات عبارة عن سلوك يتم تعلمه من خلال مثيرات بيئية خارجية ، في حين يرى غيرهم أن المشكلات إنما ترجع إلى تفاعل العوامل الذاتية مع العوامل البيئية .

المنظور الإسلامي لتفسير المشكلات الفردية والاجتماعية:

والآن ما هو موقفنا كمسلمين من هذه التفسيرات لأسباب المشكلات الفردية والاجتماعية؟ إن من الطبيعي أن مناقشتنا لهذا البعد الثالث من أبعاد التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية والمتصل بالمشكلات وتفسيرها من منظور إسلامي - ينبغي أن تكون مبنية بشكل مباشر على ما توصلنا إليه في دراستنا للبعدين الأول والثاني والمتصلين بفهم طبيعة الإنسان بمختلف جوانبها المادية والروحية ، وتوضيح ديناميات التفاعل بين تلك القوى الداخلة في تكوين ذلك الإنسان ، وبيان تأثيراتها على العلاقات بين الناس ، وعلى بناء المجتمع.

لقد بذلت في العقد الماضي بعض المحاولات الجيدة لاستجلاء معالم المنظور الإسلامي لتفسير المشكلات الفردية بوجه خاص ، ومن هذه المحاولات ما قام به محمد محروس الشناوي (1991) من استقصاء لنظريات الإرشاد والعلاج النفسي الغربية وتقويمها في ضوء المنهج الإسلامي من حيث أهدافها في مساعدة الأفراد على مواجهة مشكلاتهم.

ومنها أيضا محاولة عفاف الدباغ (1991ب) للتوصل إلى "منظور إسلامي لتفسير المشكلات الفردية" والتي قامت فيها بعرض نقدي لبعض التوجهات الحالية حول تفسير المشكلات الفردية سواء في كتابات العلوم الاجتماعية أو كتابات الخدمة الاجتماعية ، ثم حاولت الجمع بين ما صح عندها من هذه التوجهات وبين ما يشير إليه التصور الإسلامي في الموضوع.

أما على زيدان (1991) فقد قام بدراسة حول التصور الإسلامي "للتعامل مع ظاهرة الانحراف وصفا وتحليلا وتفسيرا وعلاجا" ولكنه اختار الاقتصار على المصادر الإسلامية وحدها "حتى لا يقع أسيرا للفكر الوضعي بما فيه من مفاهيم وتصنيفات ... حتى نستطيع استخلاص المنظور الإسلامي نقيا لا تشوبه شوائب المزج بينه وبين النظريات الغربية التي يسهل الانزلاق إليها لما تتضمنه من مفاهيم وعلاقات جاهزة" (ص ص 3-4).

ولقد كفتنا تلك المحاولات - كل منها من زاويته الفريدة - مؤونة استعراض العناصر التفصيلية لمعالم التصور الإسلامي لتفسير المشكلات الفردية والاجتماعية ، ولذلك فإننا سنكتفي هنا بعرض موجز لأهم ما استخلصناه من هذه الدراسات ومن غيرها (ويمكن لمن أراد المزيد الرجوع إلى تلك المصادر ).

لقد رأينا فيما سبق أن النظريات النفسية - الاجتماعية نتيجة لقيامها على تصورات مادية مختزلة بالنسبة للطبيعة الإنسانية ، فإنها تنحو نحوا ماديا متطرفا في نظرتها للحاجات الإنسانية ، في حين أن النظرة الإسلامية للحاجات تقوم - بدلا من ذلك - على أساس "أن هناك حاجة أولية مهيمنة على جميع الحاجات - لأنها ضامنة لإشباعها جميعا - أولا وهي "الافتقار إلى الله عز وجل" (الدباغ، 1991ب:12) والمتضمنة في قوله تعالي "يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ، والله هو الغنى الحميد " (فاطر : 15) ، حيث يفسر ابن كثير " أنتم الفقراء" بقوله "أي أنتم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات" ، كما فسر الفخر الرازي "إلى الله" بأن في هذا إعلاما من الله بأنه لا افتقار إلا إليه ، وأن هذا يوجب عبادته لكونه مفتقرا إليه سبحانه ، وعدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره ، فالإنسان في حاجة إلى الله لأنه سبحانه وتعالي هو الذي خلق وسخر ما في السماوات وما في الأرض لإشباع حاجاته الدنيوية ، وكل إنسان كائنا من كان في حاجة إلى شكر الله - بعبادته - حتى تقضى حاجاته في الدنيا وفي الآخرة أيضا (12-13).

وإذن فالإسلام ينظر للحاجات المادية وغير المادية على أن لكل منها مشروعيته ، ولكنه ينظر لإشباع كل الحاجات جميعها من منظور لا يتوقف فقط عند حدود هذه الحياة الدنيا ، بل يربط دوما بين كل ما في الدنيا وبين الآخرة التي هي دار القرار، فيجعل إشباع الحاجات الدنيوية "وسيلة" طيبة للقيام بمهام العبودية لله ولا يجعل ذلك الإشباع غاية في ذاته .

ورغم ما يبدو لأول وهلة من بساطة هذا المنظور أمام العقل المسلم ، إلا أن هذا الفهم تترتب عليه آثار شديدة العمق والشمول ، تقلب رأسا على عقب تصوراتنا حول توصيف وتفسير المشكلات الفردية والاجتماعية ... آثار لم تكد كتاباتنا العلمية تصل إلى الوعي بها بشكل كاف - ناهيك عن أن تتشربها أو أن تنطلق منها!

فعلى عكس ما يظن المتخصصون في العلوم الاجتماعية المعاصرة فإن حاجات الإنسان تقع في فئتين رئيسيتين على الترتيب الآتي:

1- الافتقار إلى الله عز وجل ، والحاجة إلى الارتباط به والاستمساك بحبله المتين ، باعتبار أن هذا الارتباط فيه الضمان لإشباع كل حاجة أخرى في هذه الحياة الزائلة المتحولة ، بل وفيما وراءها مما يعتبر الحياة الحقيقية الدائمة.

2- الحاجات المادية والنفسية والاجتماعية " الدنيوية " ، التي أفاض في وصفها وتحليل أبعادها أولئك المتخصصون ، والتي تتصل بإشباع الحاجات الفزيولوجية والحاجة إلى الأمن والحب والتقدير والمكانة وصولا إلى تحقيق الذات .. الخ .

ولقد اتضح لنا مما سبق قيام المنظور الإسلامي على الارتباط الوثيق بين هذين النوعين من الحاجات - بشكل يتوازى مع الارتباط الوثيق بين الروح والبدن اللذين منهما يتكون الإنسان ، ولكن مع أولوية وهيمنة النوع الأول من الحاجات على الوجود الإنساني كله ، وفي ضوء ذلك الفهم فإن بإمكاننا القول - بصورة مبدئية - بأن التصور الإسلامي لتفسير المشكلات الفردية والاجتماعية يقوم على ثلاثة مسلمات أساسية نصوغها فيما يلي في شكل قضايا يمكن استنباط فروض قابلة للاختبار منها ، وهي :

المسلمة الأولى : مع ثبات جميع العوامل الأخرى - فإن انقطاع أو ضعف صلة الإنسان بالله عز وجل يعتبر في ذاته سببا "أساسيا وكافيا وحده" لوقوع الفرد في المشكلات الشخصية والمشكلات المتصلة بالعلاقات الاجتماعية في هذه الحياة الدنيا ، كما يكون فوق ذلك سببا للهلاك في الآخرة ، ويصدق ذلك عند كل مستويات إشباع الفرد للحاجات الدنيوية المذكورة.

وتفسير ذلك : أن انقطاع الصلة بالله عز وجل أو ضعفها يؤدى إلى افتقاد إشباع النوع الأول من الحاجات ، ألا وهو افتقار الروح إلى الارتباط بخالقها وبارئها الذي ليس لها من دونه من ملجأ أو ملاذ ، مما يجعلها تعيش في حالة من الشعور بالحرمان المطلق من الأمان أو الاطمئنان إلى اليوم أو الغد ، وتحس كما لو أنها واقفة على شفا حفرة عميقة مالها من قرار ، هذا من جهة ، كما أن انقطاع الصلة بالله من جهة أخرى أمر يجلب سخَط الله وغضبه وخذلانه للعبد ، فالإنسان إذا افتقد اليقين بالله سبحانه وتعالي ، وإذا ضل عن طريق الله الذي اشترعه لعباده ، فإنه يتخبط في إشباع حاجاته الدنيوية (المادية والنفسية والاجتماعية ) على غير هدى من الله ، فيبالغ مبالغة شديدة في الجزع من أي نقص في إشباع تلك الحاجات التي هي عنده غاية الغايات ، وفوتها لا يعوض لا في عاجل ولا في آجل ( في الدنيا والآخرة ) ، فتتأثر بذلك حالته الانفعالية ، وقد يمتد التأثير إلى الإصابة بالأمراض البدنية أو ظهور الأعراض السيكوسوماتية.

وعلى الجانب الآخر... فإن من توفرت له الموارد الكثيرة التي تكفي لإشباع حاجاته المادية وتفيض ، فإنه نتيجة لضعف صلته بالله عز وجل يبالغ في تقدير قيمة نفسه فيميل إلى الطغيان والتجاوز ، فيكون بذلك سببا في المشكلات لنفسه ولغيره ، ومن ذلك نستنتج أن نقص المعرفة وضعف اليقين بالله تعالي يؤدى إلى وقوع المشكلات سواء أشبعت الحاجات المادية على أرقى المستويات ، أو كان الحرمان والافتقار إلى الموارد .

والأدلة الشرعية على صحة هذه المسلمة لا حصر لها ولكننا نكتفي هنا بهذه الآيات الكريمة من سورة طه (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ، فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ، ونحشره يوم القيامة أعمى ، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ، كذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) (133-137) ، والحق أن التحليل العلمي لهذه الآيات الكريمة وحدها بغرض صياغة القضايا التي يمكن أن تستخلص منها لتكون أساسا لبناء النظرية الإسلامية حول الإنسان والمشكلات الفردية والاجتماعية ليتطلب مؤلفا مستقلا لإعطائها ما تستحق ، ولا يسعنا في هذا المقام إلا التوقف عند هذه الإشارة بأمل التوفيق إلى خدمة الموضوع بشكل أوفي في المستقبل إن شاء الله تعالي .

أما الأدلة الواقعية على صحة هذه المسلمة فكثيرة أيضا وتضيق عن الحصر في هذا المقام ونكتفي منها لمجرد الدلالة على الاتجاه فقط بما أورده ماسلو في مقاله الهام (1977) حول نظرية "الدوافع الأرقى" Metamotivation التي قرر فيها نتيجة لبحوثه وممارسته الطويلة بأن الإنسان حتى بعد أن يتم له إشباع كل حاجاته الأساسية عند أعلى مستوى ، وعندما يصل إلى تحقيق ذاته Self Actualization فإنه لا يزال يشعر بقوى دافعة خارجية (ذكر ماسلو أنه يصعب تحديد كنهها) لا تزال تدفعه في اتجاه تحقيق قيم عليا تتصل بالحياة الروحية ، وأن الإنسان إذا حرم من التعبير عن هذه الحاجات العليا Metaneeds فإنه يصاب بما أسماء الأمراض العليا Metapathologies ، وإذا كان ماسلو - بنزعته التطورية الواضحة - قد رأي أن هذه الدوافع الراقية لها أساسها البيولوجي حتى اعتبرها نوعا من الحيوانية "الأرقى" ، فإن ما يعنينا هنا أن ملاحظاته وما يشبهها مما تكتظ به كتابات أمثال فروم ويونج وروجرز وغيرهم من إشارات إلى مظاهر وآثار الخواء الداخلي أو الروحي حتى عند أولئك الذين يملكون كل شىء ولا يفتقرون لشيء من متاع الدنيا لتدل دلالة واضحة على أن الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تزال تصرخ في داخل الإنسان مطالبة بالأمان للروح في كنف خالقها الذي أخذ عليها الميثاق وأشهدها على نفسها بذلك مهما أوتيت من إشباعات لدوافعها الدنيوية.

وبإمكاننا أن نضيف إلى هذه الأدلة كلها دليلا واقعيا آخر يتمثل في ذلك العجز والقصور الواضح الذي تعانى منه مهن المساعدة الإنسانية كالخدمة الاجتماعية والعلاج النفسي في مساعدة العملاء على مواجهة مشكلاتهم بطريقة فعالة وحاسمة ، مما يمكن أن نعزوه إلى أن تلك المهن تبني مساعداتها للناس على نظريات قائمة على تفسيرات مادية مختزلة ، و هذا ما يشير إلى أن أصحاب تلك النظريات وأصحاب تلك الممارسات المهنية قد ضلوا طريق الحق في نظرتهم للإنسان ومشكلاته ، وأنه لابد من عكس المسار في هذه المهن بحيث تحتل الجوانب الروحية مكان الصدارة في تفسيراتنا لمشكلات الإنسان إذا أردنا حقيقة أن نقدم خدمات ذات فاعلية عالية لمساعدته على مواجهة تلك المشكلات.

almushref
11-25-2006, 12:21 AM
المسلمة الثالثة : إن التغير الاجتماعي السريع وما يؤدى إليه من تفكك اجتماعي لهو سبب أساسي في حدوث المشكلات الاجتماعية في كل المجتمعات ، ولكن درجة حدة تلك المشكلات ودرجة انتشارها تكون أقل كثيرا في حالة المجتمعات التي تهيمن فيها القيم المستمدة من الإسلام ، والتي تعكس مؤسساتها ونظمها الاجتماعية تلك القيم الإلهية التوجه ، والتي (نتيجة لذلك) يحتفظ فيها الناس بسلامة فطرتهم.

وتقوم هذه المسلمة على أساس مما ثبتت صحته في الدراسات الواقعية من الارتباط بين سرعة التغير وسرعة التفكك الاجتماعي ، الذي لا تستطيع عملية إعادة التنظيم الاجتماعي Social Reorganization ملاحقته ، مما يؤدى إلى ظهور المشكلات الاجتماعية Social Problems التي تصيب فئات واسعة نسبيا من السكان ، على أساس أن سبب المشكلات في هذه الحالة مؤسسي أو نسقى Systemic وليس فرديا.

ومع ذلك فان المجتمع المسلم الذي تسوده درجات من التكامل الاجتماعي Social Integration الأقوى نسبيا من غيره بحيث يكون "كالجسد الواحد" بتعبير سيد الخلق ، والذي رغم تمايزه إلى أنساق فرعية متعددة إلا أن توجه كل منها وسلوكه يكون سلوك "الأجزاء الملتزمة" Committed Parts - على حد تعبير دارسي عملية التنظيم الاجتماعي - ، تكون قدرته على الاستجابة السريعة والفعالة لتلك المشكلات أقوى بدرجة كبيرة من غيره من المجتمعات التي تتصرف أجزاؤها (الأفراد أو الجماعات أو المنظمات) كعناصر ذات استقلالية عالية Autonomous Elements (هذه مصطلحات أولسن Olsen , 1968 : 79 ).

ويرجع السبب في ذلك إلى أن المجتمع المسلم - بقدر اتصافه بالتماسك والتكامل الاجتماعي المتوقع في المجتمعات المسلمة - يكون أسرع إلى الإحساس أو "الاكتشاف المبكر للمشكلات" عند بدء ظهورها ، مما يمكن مؤسسات التوجيه المجتمعي من سرعة الاستجابة قبل أن تنتشر المشكلات وتتفاقم ، بالمقارنة ببطء الاستجابة الذي تتصف به نسبيا المجتمعات الأخرى ، ومن جهة أخرى فإن وحدة الإطار القيمي للمجتمع تمكن تلك المجتمعات من اتخاذ القرارات حول الاتجاه الذي ينبغي أن تتخذه الاستجابة للمشكلات في سرعة ويسر ، وأخيرا فإن إلهية المصدر بالنسبة لتلك القيم يعطيها قدرة أكبر على حسم الاختلافات بين التوجهات التي تظهر عندما يقوم الناس بتقويم التغيرات والتحولات الطارئة ، وهذا بالطبع موقف يختلف اختلافا جذريا عن الموقف الذي يسود المجتمعات التي لا تتبنى قيم الإسلام ، ففي مثل تلك المجتمعات تتصارع الآراء المتساوية الوزن لكل البشر ويبقى الترجيح لمن يملك القوة على فرض رؤيته ، أما في المجتمع المسلم فإن التوجهات المطروحة لمواجهة المشكلات تنبع من معين واحد رباني المصدر لا ينحاز إلى ذي قوة أو ذي هوى ، فيقل التناقض والصراع القيمي الذي يؤدى في غيرها من المجتمعات إلى مضاعفات تؤدى بدورها إلى مزيد من المشكلات الاجتماعية.



هذا فيما يتصل بالتغيرات الوافدة من خارج المجتمع ، أما بالنسبة للتغير النابع ذاتيا من داخل المجتمع ، فإنه في المجتمعات الإسلامية يكون موجها منذ البداية بتوجيهات الإطار القيمي الإسلامي الذي يقوم على مبادئ الأخوة في الله ، والعدل ، والإيثار ، فيكون أثر التغير الاجتماعي في إحداث التفكك الاجتماعي محدودا جدا .

وبالمقارنة فإن المجتمعات الأخرى - وأيضا المجتمعات الإسلامية التي تحذو حذوها - التي ينظر فيها كل فرد وكل مؤسسة وكل نظام اجتماعي لنفسه على أنه وحدة ذات استقلال - كما أشرنا - فإن كل وحدة ترى أن من حقها أن تحدث التغييرات التي تراها محققة لمصلحتها الذاتية Self - interest مع اكتراث قليل بما على هذه التغييرات من تفكك اجتماعي أو نقص في إشباع حاجات الآخرين ، فرجال الأعمال فيها مثلا يكون أكبر همهم هو تحقيق أكبر ربح ممكن ، ورجال السياسة يكون أكبر همهم حشد أكبر قدر ممكن من القوة السياسية ... وهكذا ، أما لماذا؟ وعلى حساب من ؟ وما هي النتائج المترتبة على ذلك السلوك على المجتمع في المدى البعيد ؟ فهي أسئلة غير مطروحة - تكنس تحت البساط كما يقولون ، ولا تتم مواجهتها مواجهة جادة وكأن عدم رؤيتها يؤدى إلى إبطال مفعولها ! ومن الواضح أن تلك الأنماط "الانتهازية" من الحياة الاجتماعية تؤدى إلى بقاء - بل والي تفاقم - المشكلات الاجتماعية على الوجه الذي نلاحظه بشكل مؤلم في المجتمعات المعاصرة من حولنا .

وأخيرا فإن من الضروري أن ننبه هنا إلى أن غرضنا الأساسي في هذا المبحث (كما هو الحال بالنسبة لبقية أبعاد التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية ) ليس هو حصر أو استنفاد العوامل المؤثرة في إحداث المشكلات الفردية أو الاجتماعية بقدر ما نهدف إلى لفت الأنظار إلى العوامل الفريدة التي يتميز بها التصور الإسلامي عن التصورات الوضعية الشائعة بيننا اليوم ، بما يؤدى - إن شاء الله تعالي - إلى مناقشة تلك الصياغات وإجراء الحوار حولها ، بما يمهد الطريق أمام إجراء الدراسات والبحوث التي تنطلق من هذا التوجيه الحديث .



المبحث الرابع : الرعاية الاجتماعية والإصلاح الاجتماعي



(1) المشكلات الاجتماعية ، والسياسة الاجتماعية ، والرعاية الاجتماعية :

لا يخلو مجتمع من المجتمعات من المشكلات الاجتماعية ، التي تعبر عن نفسها في النهاية في صورة مواقف أو صعوبات أو مشكلات تواجه الأفراد أو الأسر ، وظهور هذه المشكلات يتطلب اتخاذ إجراءات لمواجهتها وللوقاية منها على مستوى المجتمع ككل ... ، أو اتخاذ إجراءات وممارسات لمواجهة أثارها وأعراضها من خلال مساعدة الأفراد والأسر - بطريقة مباشرة- على حل تلك المشكلات ، وتنمية قدرتها على التعامل مع مثلها في المستقبل .

والصلة وثيقة بين سرعة التغير الاجتماعي وبين انتشار المشكلات الاجتماعية والانحرافات الفردية ، فكلما ازدادت سرعة التغير ( على الصورة التي تعانيها المجتمعات في العصر الحديث وخصوصا منذ بدء الثورة الصناعية ) كلما ازدادت المشكلات الاجتماعية تفاقما ، وذلك نتيجة لأن جهود الإصلاح - أو عملية إعادة التنظيم الاجتماعي Social Reorganization - تقصر سرعتها عادة عن ملاحقة السرعة التي يحدث بها التفكك الاجتماعي كما رأينا في المبحث السابق ، ومن هنا فإن عجز النظم الاجتماعية عن القيام بوظائفها (أي التفكك الاجتماعي ) يعنى وجود حاجات إنسانية غير مشبعة عند قطاعات عريضة من السكان ، ولمواجهة ذلك الموقف فقد تمخضت جهود الإصلاح في المجتمع الحديث عن ظهور نظام اجتماعي جديد هو نظام الرعاية الاجتماعية The Social welfare institution مهمته الأساسية هي المساعدة على مواجهة قصور النظم الاجتماعية الأخرى ومعالجة آثار ذلك القصور ، ثم العمل في الوقت ذاته على توفير الظرف الإيجابية التي تمنع حدوث المشكلات الاجتماعية في المستقبل بقدر الإمكان .

ولقد عرّفت دائرة معارف الخدمة الاجتماعية (1971 ) الرعاية الاجتماعيةSocial welfare بأنها اصطلاح "يشير بصفة عامة إلى جميع الأنشطة المنظمة للمؤسسات الأهلية والحكومية ، التي تستهدف الوقاية من المشكلات الاجتماعية المعروفة ، أو تخفيف وطأتها ، أو الإسهام في حلها أو التي تستهدف تحسين أحوال الأفراد والجماعات المحلية " (Pumphrey , 1971 : 1446 ) ويعتبر هذا التعريف من أشمل التعريفات المطروحة للرعاية الاجتماعية ، ذلك أنه لم يتوقف عند الجوانب العلاجية للرعاية الاجتماعية ، بل ضم إليها الجهود الوقائية وأيضا الجهود التنموية أو الإنشائية ، كما أنه يأخذ في الاعتبار الجهود الأهلية ولا يتوقف عند حدود الخدمات والبرامج الحكومية وحدها .

أما ريتشارد تتمس فيربط بين الرعاية الاجتماعية والسياسة الاجتماعية Social Policy على وجه يقصر مداهما على القرارات والبرامج والخدمات الحكومية وحدها ، حيث يقول "إن الخدمات الاجتماعية أو الرعاية الاجتماعية هي مسميات أعطيت منذ وقت طويل لوصف مجال معين من مجالات تدخل الدولة ، يتضمن برامج المساعدات المالية وبرامج الصحة العامة التي ينظر إليها على أنها هي المكونات الرئيسة للسياسة الاجتماعية ، لأنها تتصل بإجراءات حكومية واضحة مباشرة قابلة للقياس ، اتخذت لأسباب سياسية مختلفة لمواجهة عدد معين من الحاجات المادية والاجتماعية التي لا يمكن لنظام السوق إشباعها بالنسبة لفئات معينه من السكان ( Schorr , et al., 1971 : 1363) ومعنى ذلك أن تتمس (وهو من كبار رجال السياسة الاجتماعية البريطانيين المعروفين) يرى أن الأصل هو قيام الأسرة ونظام السوق (الذي يقوم على فكرة شراء السلع والخدمات المشبعة لكل الحاجات مقابل دفع الثمن ، الذي يتحدد في ضوء العرض والطلب) بتنظيم إشباع الحاجات بطريقة تلقائية طبيعية ، أما في حالة عجز الأسرة ونظام السوق عن إشباع حاجات فئات اجتماعية معينة ، فإن على الدولة أن تتدخل لإيجاد وسائل لإشباع الحاجات خارج نظام السوق .

ويوضح آلفين شور وزميله هذا المعنى بقولهما "إن السياسة الاجتماعية تعنى عند الكثيرين مجموعة برامج الرعاية الاجتماعية الموجهة للتعامل مع مشكلات الفقراء ، ومن يعيشون على هامش النظم القائمة ، والمعاقين ، وأولئك الذين عجزوا عن تدبير أمورهم في حدود النظام الاقتصادي القائم ، ومن هنا فإن بنود السياسة الاجتماعية إنما تتصل ببرامج وتشريعات معينة في محيط الرعاية الاجتماعية" ولكنهما من جهة أخرى يفضلان تعريف السياسة الاجتماعية بطريقة أكثر شمولا على أنها "المبادئ والإجراءات التي توجه مسار أي برامج أو خطوات تتخذ لتعديل العلاقات الفردية والجمعية في المجتمع (في اتجاهات مرغوبة ) ... والسياسة الاجتماعية المستقرة تمثل اتخاذ خط متفق عليه للتعامل مع بعض الظواهر الاجتماعية المختارة ، يتحكم في العلاقات الاجتماعية وفي توزيع الموارد في المجتمع" ( 1361- 1362 ).

ومن هذا نرى أن تعريفات سياسة الرعاية الاجتماعية تختلف سعة ضيقا بين من يرون أنها ينبغي أن تركز - إجرائيا- على مجموعة القرارات والبرامج الحكومية المتصلة برعاية الفئات الاجتماعية التي تعانى من أثار قصور النظم الاجتماعية التي أشرنا إليها من قبل ، وبين من يرون أنها ينبغي أن تتسع لتشمل كل الإجراءات والجهود والخطوات (ما أمكن قياسه منها إجرائيا وما لا يمكن قياسه) الموجهة نحو التأثير في العلاقات بين مختلف فئات المجتمع والتحكم فيها حتى تكون أكثر توازنا ، ثم التأثير في نظم توزيع الموارد في المجتمع حتى تكون أكثر عدلا ، على وجه يضمن في النهاية إشباع حاجات كل فئات السكان بصورة يمكن النظر إليها على أنها مقبولة اجتماعيا ، مما يمكن أن يؤدى إلى تقليل فرص الانحراف والاغتراب والظلم الاجتماعي إلى أقل حد ممكن .

(2) الرعاية الاجتماعية والقيم والتفصيلات الاجتماعية :

مما سبق يتضح لنا بجلاء أن السياسات الاجتماعية - التي تحكم تصميم وتنفيذ برامج الرعاية الاجتماعية في أي مجتمع - إنما تنقلنا مباشرة إلى صميم "القيم" التي ارتضاها هذا المجتمع لنفسه ، مع الربط - بطبيعة الحال - بين هذه القيم وبين ما يتصل بالفهم والتحليل العلمي لأسباب المشكلات الاجتماعية وطرق مواجهتها ، وهذه بدورها توجه برامج الرعاية الاجتماعية في الاتجاهات التي تتمشى مع تلك الأهداف والتفضيلات المجتمعية ، أما معطيات العلم وثمار الخبرة المهنية فإنها تقدم الوسـائل التي يُتوقع أن تـؤدى إلى تحقيق تلك الأهداف اعتمادا على ما تشير إليه نتائـج البحوث والدراسات العلميـة من جهة ، وما تشير إليه نتائج تقويم الممارسات والتجارب الميدانيـة المنظمةField Demonstrations , Field Experiments من جهة أخرى ، فقيم المجتمع وتفضيلاته أصل ، والتطبيقات العلمية والمهنية في هذا المجال فرع

والحق أن هناك شبه إجماع بين المتخصصين في علوم المجتمع على أن كل مجتمع كما ينشئ ترتيباته وتنظيماته الاجتماعية فإنه في الوقت ذاته ينشئ - أو يمهد الطريق لظهور- أنواع معينه من المشكلات الاجتماعية ، فما يختاره المجتمع من معايير وقيم ، وما يختاره من أبنية مؤسسية تعبر عن تلك المعايير والقيم ، يترتب عليه ظهور أنواع من المشكلات المنبثقة عن تلك الاختيارات والمترتبة عليها ، يقول ميرتون و نيزبت في عبارة تعتبر من أكثر ما قيل في هذا الصدد حكمة "إن نفس البناء الاجتماعي والثقافة التي هي في أصلها موجَّهة لإيجاد ألوان السلوك الملتزم المنظم تولّد في الوقت ذاته ميلا لإيجاد أشكال بعينها من السلوك ، وتفتح الأبواب أمام ألوان من التفكك الاجتماعي ، وبهذا المعنى فإن المشكلات الاجتماعية الجارية في أي مجتمع إنما هي تسجيل للنفقات الاجتماعية لتلك الصورة الخاصة من صور تنظيم الحياة الاجتماعية فيه" (Merton & Nisbet : XII) .

وصلاحية القيم وصدقها وملاءمتها لحياة الناس إنما تتوقف على مدى واقعيتها واتساقها مع الرؤية الصحيحة لهذا الوجود ، وبقدر تطابق القيم والتفضيلات الاجتماعية الموجهة للبناء الاجتماعي مع "الواقع" بمعناه الشامل ، أو مع "الحقيقة المطلقة" بتعبير بارسونز ، يكون نجاح عملية التنظيم الاجتماعي ، وبقدر هذا التطابق تقل المشكلات الاجتماعية ، ولكن أنَّى للإنسان أن يتعرف على هذه الحقيقة المطلقة أو هذا الواقع المطلق لكي يختار من القيم ما يتطابق معه؟ إن المجتمعات الغربية المعاصرة التي أعلنت مؤخرا بكل لسان أن حضارتها قد انتصرت وتربعت على عرش العالم قد اختارت الاعتماد على "الخبرة الإنسانية" وحدها في الوصول إلى تصور حقائق هذا الوجود ، فتوقفت غالبا عند ما هو محسوس ، وعند ماهو قابل للقياس والملاحظة ، وقد أدى هذا التركيز على الماديات والمحسوسات إلى نجاحات كبيرة في المحيط المادي والاقتصادي والعسكري ، أما في المحيط الإنساني فمازال الإنسان يعيش في إطار تلك الحضارة بعيدا عما يطمح إليه من العيش في سعادة وسلام في هذه الحياة الدنيا (إضافة إلى تجاهل ما يكون وراءها). ولكن هل هذا هو الخيار الوحيد المطروح أمام البشرية ؟ إننا سنرى بعد قليل أن نظم الإسلام تقدم لنا البديل الصحيح لهذه المعاناة البشرية التي لا أول لها ولا آخر ، والتي تعاني منها المجتمعات الإنسانية المعاصرة رغم التقدم العلمي والتقني الكبير الذي تحقق في محيط الرفاهية المادية .

لنتوقف قليلا لنعطي مثالا - محدودا جدا - مما قام به ألفريد كان في تحليله للبيانات الإحصائية للأوضاع السكانية والاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية في أوائل الثمانينات لتحديد الاتجاهات التي تسير فيها ، لكي ندلل على أن اختيارات الناس وتفضيلاتهم هي التي تخلق أنواع المشكلات والحاجات غير المشبعة التي يعانون منها كما قال ميرتون و نيزبيت ، فلقد توصل "كان" من هذا التحليل إلى أن خروج المرأة إلى العمل قد أدى إلى انخفاض عدد الأسر التقليدية - التي تتكون من زوج يعمل وزوجته تتولى شئون البيت والأولاد - إلى حد لم يسبق له مثيل ، وأن 52 % من الأطفال الأمريكيين التي تقل أعمارهم عن عام واحد هم أطفال لأمهات عاملات ، وأن الكثيرين منهم تتم تربيتهم تحت ظروف مضطربة ومتغيرة باستمرار ، أما الأطفال في سن المدرسة ، فلقد تبين أن نسبة كبيرة منهم يعيشون دون أي رعاية منذ خروجهم من المدرسة إلى الساعة السادسة أو السابعة مساء حتى يعود الوالدان من العمل ، أما الحياة الأسرية في مثل هذه الأسر فإنها مضغوطة "لا يكاد يلتقط فيها أفراد الأسرة أنفاسهم" ، وفي إطار ذلك كله فإن معدلات حالات القسوة على الأطفال (بالضرب المبرح أو التعذيب) ، والقسوة على الزوجات ، والقسوة على كبار السن قد ارتفعت ، كما ازدادت حالات هروب المراهقين من أسرهم بسبب مشكلات المخدرات أو المشكلات المدرسية أو السلوك الانحرافي أو الحمل غير الشرعي (يلاحظ أن 16% من حالات الحمل في الولايات المتحدة الأمريكية هي لفتيات في سن المراهقة من غير المتزوجات) (Kahn, 1987 : 634 - 635) .

ولقد أجهد آلفريد كان نفسه ليوضح أن المجتمع الأمريكي ينبغي أن ينظر لهذه الظواهر لا على أنها "مشكلات" أو ظواهر مرضية ، وإنما على أنها "حاجات" طبيعية نشأت نتيجة للمسار الذي اختاره المجتمع بنفسه وارتضاه لنفسه ، وكأخصائي اجتماعي مخلص لمبادئ الخدمة الاجتماعية التقليدية (التي تسلم بأن على المهنة أن تعمل في إطار القيم التي اختارها المجتمع ) فإنه يقرر أن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتغيرات في أوضاع الأسر التي أشرنا إليها فيما سبق والتي تقوم على عمل المرأة والرجل خارج المنزل قد أصبحت هي "المعيار الجديد المقبول في هذا العصر" وأنها قد ترتبت عليها أوضاع جديدة تتطلب إيجاد البرامج الاجتماعية اللازمة لمواجهتها ، وأنه إذا كان لدينا ( يقصد في المجتمع الأمريكي ) أسر يعمل الأبوان فيها خارج المنزل ، وأسر تعولها نساء لم تتزوجن ، وأسر تعيش منعزلة دون دعم من الأقارب ...، وإذا كانت كل هذه الأسر تحاول تربية أطفالها ...، فإن من الواضح أن الكثير من هذه الأسر يحتاج دعما مؤسسيا منظما في شكل برامج وخدمات اجتماعية واسعة النطاق [تنفق عليها الدولة طبعا]" (639 p).

ولكن دور القيم والمعايير التي يختارها المجتمع لا يتوقف عندما ذكرناه من أنها تحدد صورة المشكلات الاجتماعية وترسم خريطة الحاجات غير المشبعة ، ولكن القيم المجتمعية إضافة إلى ذلك تحدد أيضا نوعية "استجابة المجتمع" لتلك المشكلات ، ودرجة تلك الاستجابة ، ذلك أن مواجهة المشكلات الاجتماعية تتطلب نوعا من "الاتفاق" المجتمعي حول ماهية المشكلات الأوْلى بالمواجهة ، وكذا حول الجهة التي تتحمل نفقات مواجهتها ، وهذا يصرفنا إلى قضية ديناميات الاتفاق المجتمعي وكيفية الوصول إليه ، وقضية العمليات السياسية التي تتضمنها تلك الديناميات ، والقوى والمصالح المؤثرة فيها والمتأثرة بها .

فإذا عدنا مرة أخرى إلى الأمثلة التي تقدمها لنا الحضارة الغربية الغالبة اليوم ، لوجدنا مع "شور" وزميله أن السياسة الاجتماعية في أمريكا تحددها ثلاثة اتجاهات هي : الفردية Individualism ، وعدم تدخل الدولة إلا في أضيق نطاق ممكن ، والتفاوض بين جماعات المصالح المختلفة ، ويضيفان أن اختلاف جماعات المصالح في المجتمع الأمريكي وطبيعة العملية السياسية قد عملت ضد ظهور سياسة اجتماعية متماسكة ، "وبدلا من ذلك فقد جاء ظهور السياسات كاستجابة موقوتة ونفعية (براجماتية) لتوازنات القوة المتغيرة بين هذه الجماعات ... وأن أحد الخصائص الواضحة للسياسة الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية هو أن الأمة لا تملك بيانا واضحا شاملا بأهدافها القومية ، أو سياسات اجتماعية تحتضن هذه الأهداف" (Schorr , et al . 1367 ) أما جيمس لايبي (Leiby, 1971 : 1461 - 1477 ) فإنه قد استعرض تاريخ الرعاية الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية بطريقة يمكن لمن يشاء أن يراجعها ليرى أمامه بوضوح كيف أن ترك الأمور للصراع ( ديموقراطيا ) بين جماعات المصالح المختلفة دون دليل إلهي موجه في مجتمع يقوم على الفردية ويَدين فقط بما يراه البشر قد أدى إلى الكثير من الفوضى والاضطراب في هذه البرامج ، وكيف أن هذه الأنظار البشرية المتلاطمة والمتصارعة لازالت توجه سياسات الرعاية الاجتماعية إلى اليوم.

almushref
11-25-2006, 12:25 AM
(3) الرعاية الاجتماعية ، والقاعدة العلمية ، والممارسات المهنية :

يواجه الباحثون عند هذه النقطة بإغراء شديد لإصدار تعميم يقضى بأن "الأساليب" التي تتحقق بها أهداف الرعاية الاجتماعية في ضوء المعرفة العلمية المتاحة حول طبيعة الأنساق الفردية والاجتماعية في ضوء الممارسات المهنية السابقة إنما هي من الأمور الفنية والعملية التي لا تختلف كثيرا من مجتمع لآخر ، وأنها لا تتأثر كثيرا بالاختلافات الثقافية أو المعتقدات الدينية ،باعتبارها مجرد وسائل محايدة ، ولكن الأدلة على خطأ مثل ذلك التعميم كثيرة ، فلقد تبين لنا مما سبق أن القيم أيضا كامنة بشكل خفي وراء المسلمات التي يقوم عليها المنهج العلمي الحديث ومع ذلك فهي تعتبر جزءا لايتجزأ منه ، كما أن القيم توجه نظريات العلوم الاجتماعية ومهن المساعدة الإنسانية في اتجاهات تثير تساؤلات خطيرة جدا وبالتالي فإن برامج الرعاية الاجتماعية المبنية على هذه جميعا لايمكن إلا أن ينالها نصيبها الوافي من الالتواء الناتج عن التشوهات التي أوضحناها في موضع أخر خصوصا فيما يتصل بمنهج العلم ، أو نظرياته ، أو تطبيقات تلك النظريات (رجب ، 1991) ، وفيما يلي نشير بكلمة مختصرة إلى كل من هذه التأثيرات :

(1) إذا كان المنهج العلمي للبحث - الذي يُعتمد عليه في التحقق من صدق المشاهدات الواقعية - مقتصرا فقط على دراسة الجوانب المحسوسة من الإنسان وحاجاته ومشكلاته ، فلابد أن ينعكس هذا على برامج الرعاية الاجتماعية التي يستخدم المختصون عند تصميمها وتنفيذها أدوات العلم ومناهجه للتأكد من درجة صدقها وصلاحيتها لمواجهة المشكلات الاجتماعية والسلوكيات المنحرفة التي أقيمت من أجل مواجهتها .

(2) وإذا كانت نظريات العلوم الاجتماعية منطلقة من نظرة مادية آلية للإنسان ، فإن المشتغلين ‏بتصميم وتنفيذ برامج الرعاية الاجتماعية الذين يقومون بتطبيق تلك النظريات لابد أن تأتى برامجهم أيضا مختزلة بشكل يساير تلك النظرة المادية الآلية .

(3) وإذا كانت منهجيات التدخل في الخدمة الاجتماعية منطلقة من منطلقات علمانية تباعد بين هذه المهنة وبين كل ما ينتسب إلى الروح أو الدين أو إهماله إهمالا ذريعا ، فإن من الطبيعي أن تأتى برامج الرعاية الاجتماعية أيضا متمشية مع هذه التوجهات العلمانية المنبتة الصلة بالله واليوم الآخر .

وقد كان من الطبيعي أن تترتب على هذه التأثيرات نتائج حدّت من فاعلية برامج الرعاية الاجتماعية في تحقيق الآمال المعقودة عليها ، ونشير إلى بعضها فيما يلي :

(1) نشأ عن هذه النظرة الآلية المادية للإنسان عدم اكتراث بقيمة العلاقات الاجتماعية الطبيعية بين الناس ، وجرأة شديدة على تقطيع أوصال العلاقات الإنسانية بشكل مصطنع عند تصميم برامج الرعاية الاجتماعية ، وساد على مدى حقبة زمنية طويلة مثلا اتجاه يرى بأن الحل الأمثل إنما يكمن في إنشاء "المؤسسات الإيداعية" لرعاية أي فئة اجتماعية تواجه أي نوع من الصعوبات أو الحاجات الخاصة (مثلا مؤسسات رعاية المسنين - مؤسسات رعاية المعاقين ) ولو أدى ذلك إلى عزلة النزلاء عن أسرهم وعن الحياة الطبيعية في المجتمع المحلى - مهما كانت آثار ذلك على نفوسهم - مادامت حاجاتهم المادية مؤمنة في إطار تلك المؤسسات .

(2) أصبحت برامج الرعاية الاجتماعية تصمم على أساس من اللاشخصية Impersonal بطريقة تتوازى مع فكرة خطوط الإنتاج ، فالعملاء يتم "تشغيلهم" Processing أو تمريرهم في برامج "سابقة التجهيز" يتوقع منهم التوافق معها وإلا تم تصنيفهم على أنهم أشخاص غير متوافقين أو غير متعاونين وبالتالي يتعرضون للحرمان من الخدمات .

(3) استبعاد النواحي الروحية والدينية - إلا لماما - من برامج الرعاية الاجتماعية اكتفاء بالأنشطة التي تشبع الحاجات الدنيوية أساسا ، وأيضا خلو طرق ومناهج المساعدة المهنية من أي اهتمام بنوع صلة الإنسان بربه كما لو كانت هذه لا أثر لها إطلاقا على مساعدته على مواجهة مشكلاته.

(4) أصبح اختيار العاملين في أجهزة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية خلوا من أي اكتراث بنوعية هؤلاء العاملين من الناحية الروحية أو الدينية أو حتى الأخلاقية ، اكتفاء بالتحري فقط عن المؤهل الذي يشهد بالحصول على المعارف والمهارات المطلوبة لخدمة الحاجات الدنيوية للعملاء وحدها ، فجاء إفساد هؤلاء العاملين للعملاء في بعض الحالات أقرب من إصلاحهم .

(4) التصور الإسلامي للرعاية الاجتماعية :

لم تخل الكتابات المهنية في الخدمة الاجتماعية خلال العشرين عاما الماضية من محاولات لبلورة التصور الإسلامي للرعاية الاجتماعية ، ولقد قامت عفاف الدباغ (1989) بمراجعة لتلك المحاولات ( تتضمن حصرا وتوثيقا لأهمها ) ، وقد توصلت نتيجة لذلك إلى أن تلك الكتابات يمكن تصنيفها في قسمين :

1- قسم يركز على الدراسة "التاريخية" لما كان يقدم في الدولة الإسلامية من برامج متنوعة لرعاية الفئات المختلفة ممن يحتاجون للمساعدة ، وهي عادة دراسات ذات طابع وصفي سردي تنصب على أحكام الزكاة والصدقات والنفقة والأوقاف ، أو تنصب على المؤسسات التي تقدم من خلالها الخدمات كالمساجد والبيمارستانات والمدارس وغيرها.

2- اتجاه يركز على الدراسة "التحليلية" للمبادئ العامة للإسلام بصفة عامة ، ثم استنباط ما يمكن اعتباره مبادئ الرعاية الاجتماعية في الإسلام ، ويلاحظ أن مثل هذه الصياغات ذات طبيعة شديدة العمومية ، ولا تتوصل عادة إلى مفهوم متكامل للمحور الذي تدور حوله برامج الرعاية الاجتماعية في الإسلام ( ص ص 31-32 ) .

أما فيما يتعلق بالمفاهيم المحورية التي تنتظم حولها برامج الرعاية الاجتماعية في المنظور الإسلامي فقد كان أبرزها مفهوم "التكافل الاجتماعي" الذي اعتبره عبد العزيز مختار "أساس العلاقات بين الأفراد والجماعات داخل المجتمع المسلم" ( 1988 : 99 ، 106 ) وقد اختار محمد نجيب توفيق هذا المفهوم أيضا كأساس للرعاية الاجتماعية في الإسلام ( 1988 ) ، أما الفاروق زكى يونس فقد حرص على الربط بين مفهوم " التكافل الاجتماعي" ومفهوم "الأخوّة في الإسلام" كأسس تقوم عليها الرعاية الاجتماعية (1981 ، 1991 ) ، أما عفاف الدباغ (1989) فقد اقترحت اتخاذ مفهوم "مقاصد الشريعة" عند الشاطبي محورا تستمد منه وظائف الرعاية الاجتماعية من منظور الإسلام ، والواقع أن مفهوم مقاصد الشريعة كمحور تنطلق منه نظرية الرعاية الاجتماعية في الإسلام يعتبر أوسع نطاقا وأكثر شمولا من مفهوم التكافل الاجتماعي ، ذلك أنه يلمس كل جوانب التنظيم الاجتماعي في المجتمع ولا يقتصر على الجوانب التقليدية للرعاية الاجتماعية ، ولذلك فإننا سنتوقف هنا لإلقاء الضوء على هذا المفهوم ولنتحدث عن إمكانات تطبيقه كمحور لبرامج الرعاية الاجتماعية في المجتمع المسلم .

لقد أوضح الشاطبي أن مقاصد الشريعة إنما هي تحقيق "مصالح العباد في العاجل والآجل معا" ، ثم إنه قام بتقسيم تلك المقاصد إلى ثلاثة أقسام ( ص ص 1-5 ):

1- الضروريات : وهي الأمور التي "لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا ، بحيث إذا فُقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة ، بل على فساد وتهارُج وفوْت حياة ، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين " .

2- الحاجيات : وهي الأمور التي "يُفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدى في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب ... ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد ... المتوقع في المصالح العامة ".

3- التحسينات : ويقصد بها "الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات" ثم أوضح أن مجموعة الضروريات خمسة ( تجرى أيضا في الحاجيات والتحسينات) وهي : حفظ الدين ، وحفظ النفس ، وحفظ النسل ، وحفظ المال ، وحفظ العقل ، وبين أن "الحفظ" لهذه الضروريات يكون بأمرين أحدهما ما يقيم أركانها ويثبّت قواعدها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود ، والثاني ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها " .

وقد علق الطاهر بن عاشور على ما ذكره الشاطبي في هذا الصدد بقوله "فالمصالح الضرورية هي التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها بحيث لا يستقيم النظام بإخلالها ... ولست أعنى باختلال نظام الأمة هلاكها واضمحلالها لأن هذا قد سلمت منه ... الأمم الوثنية والهمجية ، ولكن أعنى به أن تصير أحوال الأمة شبيهة بأحوال الأنعام بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها" ( 1978: 79) .

والواقع أن مفهوم مقاصد الشريعة يصلح كمفهوم محوري يمكن أن تنطلق منه نظرية الرعاية الاجتماعية في الإسلام ، فالرعاية الاجتماعية في المنظور الإسلامي هي مجرد نظام آخر من النظم الاجتماعية التي يضمها المجتمع المسلم والتي تلتزم بأهدافه العامة ومقاصده الشرعية ، بالتعاون الوثيق مع بقية النظم المتخصصة الأخرى لتكون جميعا "كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا" ، فنحن لا نتحدث في المجتمع المسلم إذن عن كيانات اجتماعية شبه مستقلة في داخل البناء المجتمعي ، كما لا نتصور الموقف في هذا المجتمع -كما في غيره من المجتمعات - وكأنه يقوم على وجود جماعات ذات مصالح متعارضة تتنافس فيما بينها "ديمقراطيا" أو بالأحرى تتصارع فيما بينها لكي يملى الأقوى منها ( أو من بين التحالفات التي تقيمها فيما بينها ) إرادته على المجموع دون ميزان عام عادل يحدد مدى ونوع الحقوق والمستحقين لخدمات الرعاية الاجتماعية ، وإنما الأصل في المنظور الإسلامي هو الانطلاق من تلك الأسس والمقاصد العامة الملزمة للأفراد والجماعات ، ولمختلف النظم والقطاعات ، وللقائمين على أمر المجتمع ككل ، والتي تصدر عن شارع حكيم عليم ، مبرأ عن الظلم أو الانحياز لفئة اجتماعية دون أخرى .

فأما ما يتصل بحفظ الدين ، فإن الرعاية الاجتماعية ينبغي أن تقوم من الناحية الإيجابية أو الإنشائية بالإسهام الفعال في جهود الدعوة إلى الله ، وقد قدم محمد أحمد عبد الهادي إسهامات جيدة في هذا السبيل ، فأوضح في مؤلفه عن الخدمة الاجتماعية الإسلامية (1989 ) أن أحد الأهداف الأساسية للخدمة الاجتماعية - وهي المهنة الرئيسة في محيط الرعاية الاجتماعية - ينبغي أن يكون هو "بناء الوعي الإسلامي" وصولا بأفراد المجتمع إلى "بناء قيمهم وفق نسق القيم الإسلامي" على أساس أن هذا هو الأصل الذي بدونه لا صلاح ولا إصلاح للمجتمع المسلم ، كما أنه وضع في بحثه عن الخدمة الاجتماعية في مجال الدعوة الإسلامية (1991) معالم هامة لما يمكن أن تقدمه برامج الرعاية الاجتماعية كوعاء تنطلق منه جهود الدعوة إلى الله .

أما عن حفظ النفس ، فلعل أهم إسهامات الرعاية الاجتماعية في تحقيقه إنما تتمثل في الوظائف المتصلة بالتنشئة الاجتماعية والضبط الاجتماعي التي تستكمل بها وظائف النظام الأسرى والنظام التعليمي والنظام الحكومي ، وهذه الإسهامات ذات طبيعة وقائية وعلاجية أيضا ، ذلك أن برامج الرعاية الاجتماعية إذ تتيح الفرص أمام الناشئة والشباب لصقل شخصياتهم في إطار إسلامي ، وإذ تقوم بتدريبهم على التعامل مع غيرهم بمقتضى العدل والإحسان فإن هذا يمثل أحد الجوانب الوقائية والإنشائية التي تدعم الفطرة السليمة وتحُول دون ألوان التجاوز والاعتداء التي يميل إليها الإنسان جبليا بحكم طبيعته البدنية الطينية ( راجع المبحث الأول من هذا الفصل ) ، أما من النواحي العلاجية والتعويضية فإن برامج الرعاية الاجتماعية تسهم في صيانة الأنفس من خلال اهتمامها التقليدي بتوفير الرعاية والتنشئة الصالحة للأطفال الذين لا عائل لهم ، كما أنها في الوقت ذاته تقوم بدور رئيس في إعادة-التنشئة الاجتماعية لمن قصرت النظم الأخرى في رعايتهم وضبط سلوكهم مما أدى بالتالي إلى وقوعهم في المخالفات والجرائم كالأحداث المنحرفين ونزلاء السجون ، مما يحفظ على هؤلاء حياتهم كما تؤدى - وقائيا - إلى حفظ حياة الآخرين .

وأما عن حفظ النسل ، فإنه يتم من خلال جميع البرامج الوقائية والإنشائية التي تصمم لمساعدة الشباب على الزواج وتكوين الأسرة ، وغيرها من برامج تدعيم وتقوية الحياة الأسرية وصيانتها لتكون الإطار الوحيد والسليم الذي تنبت في ظلاله الأجيال الجديدة ، كما يتضمن ذلك برامج رعاية الأمومة والطفولة وما تتضمنه من تعليم الأمهات ما ينبغي عليهن في فترات الحمل والإنجاب والعناية بالطفولة وغيرها.



وأما عن حفظ المال ، فإنه أيضا يتم من خلال البرامج التنموية والعلاجية للرعاية الاجتماعية ، فنجد هنا أن "التنمية الذاتية في الإطار الإسلامي" تعتبر الهدف الرئيس الآخر الذي يقترحه محمد أحمد عبد الهادي للخدمة الاجتماعية الإسلامية ، وذلك في مواجهة التخلف الذي يضرب أطنابه في أرجاء العالم الإسلامي ، ويتضمن ذلك أيضا توزيع الزكوات على مستحقيها الحقيقيين ، كما يتضمن الجهود التي تبذل لتوجيه من يعانون من مشكلات مادية نحو حسن التصرف في إنفاق دخولهم المحدودة بحيث تكفي حاجتهم الأساسية وهكذا .



أما عن حفظ العقل ، فإن الرعاية الاجتماعية تقوم به من خلال الجهود الوقائية والعلاجية أيضا في كل مجالات الخلل الذي يمكن أن يطرأ على عقول أبناء الأمة سواء في مجال الاضطرابات النفسية والعقلية أو في مجال تعاطى المخدرات والمسكرات أو ما شاكلها ، فجميع برامج الرعاية الاجتماعية الموجهة نحو إصلاح أوضاع الأسرة في المجتمع المسلم في اتجاه دعم التكوين السليم لأفراد المجتمع وتخفيف الضغوط غير الطبيعية التي يتعرضون لها إنما تقلل من فرص التعرض للاضطرابات النفسية وتغلق الأبواب أمام الحاجة إلى تعاطى مغيبات العقول . أما الجانب العلاجي لإسهام الرعاية الاجتماعية في تحقيق حفظ العقول فيتجلى في برامج علاج الاضطرابات النفسية والعقلية وعلاج تعاطى المخدرات.

­­­

ورغم وجود قدر من التشابه بين بعض البرامج التي ذكرناها هنا - باعتبارها تمثل نصيب الرعاية الاجتماعية من تحقيق مقاصد الشريعة - وبين بعض برامج الرعاية الاجتماعية التي نجدها في الدول غير الإسلامية إلا أننا ينبغي أن ندرك أن هناك فروقا جوهرية بين هذين النوعين من البرامج يمكن أن نلخص أهمها فيما يلي:

1- أن حفظ الدين - في التصور الإسلامي - يحتل مكانا خاصا من أهداف برامج الرعاية الاجتماعية على وجه يفتقر إليه بالكلية التصور العلماني للرعاية الاجتماعية ، وحفظ الدين وإن كان هدفا في ذاته توجه إليه برامج بعينها (كتلك الموجهة لتنمية الوعي الإسلامي والموجهة للدعوة إلى الله من خلال الخدمات الاجتماعية) فإنه أيضا هدف مصاحب لبقية البرامج الأخرى الموجهة لتحقيق بقية مقاصد الشريعة ، بحيث يتم تصميم برامج الرعاية الاجتماعية وتنفيذها في جميع الأحوال على الوجه الذي يحقق أيضا هدف حفظ الدين ، باعتبار أن هذا يضمن النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة.

2- ويترتب على ما سبق أن جميع برامج الرعاية الاجتماعية الوقائية منها أو العلاجية إنما تقوم على إدراك لمسألة وجوب أخذ الجوانب الروحية المتصلة بصلة الإنسان بخالقه في الاعتبار وبوجوب العمل بكل الوسائل على المحافظة على سلامة الفطرة ونقائها لما بيناه في المباحث السابقة من حاكمية هذه الأبعاد وآثارها البعيدة على الوجود الإنساني في هذه الحياة وفي الآخرة.

3- ومن جهة أخرى فإننا نجد أن الرعاية الاجتماعية لا تعود - في التصور الإسلامي - مجرد مجموعة من البرامج الجزئية المفتتة دون ما صلة فيما بينها ، والتي تقدم بطريقة غير شخصية تقوم على انقطاع الصلة بين مقدمي الرعاية والمستفيدين منها ، وإنما تنطلق جميعا من شعور بالأخوة في الله ، وترتبط في النهاية بتحقيق رضاء الله سبحانه وتعالي ، في نفس الوقت الذي تسعى فيه لتحقيق مصالح العباد ، وتنمية قدراتهم إلى أقصى حد ممكن ، ومساعدتهم على مواجهة صعوبات حياتهم بأفضل طريقة ممكنة.

4- أما بالنسبة لتدخل الدولة في تقديم برامج الرعاية الاجتماعية فإنه لا يقوم - في التصور الإسلامي - على مجرد الاستجابة للضغوط السياسية الضيقة ، أو الاستجابة لتوازنات القوى المتقلبة ، وإنما يقوم على شعور الحاكم "بالمسئولية أمام الله سبحانه وتعالي" ، في ضوء ما شرع من حقوق للعباد .. ، على الوجه الذي يرى فيه عمر رضي الله عنه مثلا أنه لو عثرت مثلا بغلة في العراق لكان متحملا للمسئولية عما أصابها - وهي صورة تتناقض بشكل صارخ مع ما تشير به المكيافيلية أو البراجماتية القصيرة النظر التي تستشري في نظم الحكم الحديثة في المجتمعات المعاصرة.

مصرية
11-25-2006, 03:30 PM
مشرفنا العزيز مجهود عظيم

جزاك الله بكل خير