ام مشعل
05-03-2006, 01:37 AM
حسنين محمد تقي
يُشكل المصطلح الاسلامي أحد الرموز الثقافية المهمة الدالة على خصوصية الامة الاسلامية. وهو أحد المكونات الاساسية لهويتها الحضارية. بل ان بعض الباحثين يعتبر المصطلح جزءاً من النظرية السياسية في الاسلام، وجرى التعامل مع المصطلح الاسلامي باسلوبين متناقضين، احدهما التفريط، والآخر الافراط.
البعض يتخلى عن المصطلح الاسلامي ويميل الى المصطلحات الاجنبية بحجة الحداثة والعصرية والسير في طريق الغرب او التغرب، وهناك من يتجمد عند الموروث من الاصطلاحات الاسلامية بلا تمييز بين ما هو من الثوابت الشرعية وما هو من المتغيرات القابلة للمرونة والتطور، وعدم التمييز بين ما هو شرعي وما هو بشري، وبلا استعداد للاخذ بما يصح الاخذ به من المصطلحات المعاصرة.
واذا كان الموقف الاول ينتصر للتغرب الثقافي ويرفض الاصالة والخصوصية، فان الموقف الثاني يتجاهل التطور المستمر في حركة الحياة، وبهذا يحمل كلا الموقفين في داخله بذور الخطأ والبُعد عن الصواب.
فما هو المصطلح؟ وهل يوجد مصطلح اسلامي؟
وما هو الموقف من المصطلحات الآتية من خارج المجال الفكري الاسلامي؟
تحمل الالفاظ دلالات معينة هي عبارة عن الاقتران بين تصوّر اللفظ وتصور المعنى الذي يدل عليه، وانتقال الذهن من أحدهما الى الآخر. وهذا الاقتران هو الذي يطلق
[100]
عليه اسم الدلالة، في حين يسمى اللفظ دالاً والمعنى مدلولاً.
ونحن هنا لا نريد الخوض في مباحث الالفاظ ومعنى اللفظ عموماً. وانما نبحث عن اللفظ الذي صار مصطلحاً عندما اقترن ببعد تاريخي او حضاري او علمي او اجتماعي... الخ.
وصلة اللفظ بمعناه الجديد يُساعدنا على فهم طبيعة المصطلح وعلاقته بحمولته الفكرية والمفهومية.
والمصطلح هو اللفظ الذي يضعه أهل عرف او اختصاص معين ليدل على معنى معين يتبادر الى الذهن عند اطلاق ذلك اللفظ ويغلب هذا في الامور الفكرية والسياسية والاقتصادية والدينية والقانونية، وليس في الحديث اليومي لبني البشر(1).
ان قيمة الكلمة تتمثل في عطائها الفكري وفي تجسيدها للمعنى الذي يراد التعبير عنه بها، ولا تحمل أية قيمة ذاتية، والكلمات تفقد رصيدها الفكري وتذبل وقد تموت كما يموت كثير من الناس، وقد تحيا بعض الكلمات او المصطلحات فتبعث الى الحياة من جديد.
وعليه فان البحث هذا يلاحق الكلمة أو المصطلح في نشأته ونموه وتطوره وحياته وموته وشبابه وهرمه، لتُبنى منه الكلمة الهادفة والاستقلال الفكري، ونرفض الكلمة التي تعرّضت للتشويه وتحوّلت الى مدلول مُضاد للمعنى الذي وُضع لها.
الكلمة تحمل الحياة في حروفها وتجسد الفكر والتاريخ. وتحمل عُصارة العقل البشري من جيل الى جيل.
ومن الاهمية بمكان التنبه الى خطورة الكلمة عندما تتحول الى مصطلح يراد به معنى آخر قد يؤدي الى احتضار الكلمة او دفنها او تحويلها الى سلاح يغزو العقول ويدمر كيان الانسان.
والمصطلحات الحديثة كثيراً ما شوّهت حقائق التاريخ والمجتمع، وحُمّلت شحنات لنسق الحقائق او تزييفها.
___________________________
(1) محمد عبد الجبار، المصطلح الاسلامي في عالم متغير، صحيفة الحياة العدد(13600) الجمعة 26 ربيع الثاني 1418 هـ، 29 آب / اغسطس 1998 م.
[101]
الاسلام مستهدف من كثير من أعدائه والمسلمون مستهدفون ايضاً، ولعل أخطر شيء يواجه الاسلام حاليا، ويُشكل عداء شديدا له، ويريد اثارة اللغط حول ما يمكن ان يقال عنه هي (المصطلحات) التي بدأت تغزو مجتمعاتنا الاسلامية، وهي كلمات تشبه السموم هدفها تدمير القيم، وقتل الاحكام التي شرعها الله سبحانه وتعالى. لتحدث البلبلة في العقيدة والدين.
وللاسف يوجد بيننا من يُردد هذه الاسماء والمصطلحات بدون وعي، وبلا ادراك رغم اختلاف مقاصدها ومدلولاتها في المجتمعات المختلفة عنا في الدين والعقيدة واللغة.
فما حقيقة هذه المصطلحات؟
وهل يمكن ان تكون حملة منظمة لتفتيت الفكر الاسلامي؟
وما هو مدى خطرها على الاسلام؟ وكيف تكون المواجهة؟
المواجهة تكون بالحوار. والحوار يعتمد على الكلمة، والمصطلح وعاء للفكر من المهم جدا تحديد معاني المصطلحات بما يتلاءم مع الحياة المعاصرة والتوفيق بينها وبين الفكر الاسلامي.
يعرف (المصطلح) بانه الكلمة او الكلمات التي يتفق اهل الاختصاص على ضرورتها لأداء مدلول معين في بنية النسق المعرفي المميز لعلم من العلوم او ثقافة من الثقافات.
ويكون المصطلح اسلاميا اذا كان مستمدا في لفظه ومعناه من الاصول الاسلامية، او كان لا يتعارض في فكره ومعناه مع الفكر الاسلامي.
واذا كان دور الفكر الاسلامي هو الاضطلاع بقضايا عصره ومواجهتها بموقف نقدي، فان الخطوة الاولى هي التصدي بالتحليل والنقد للقضايا الاساسية في الفكر المعاصر من موقع الالتزام بالعقيدة الاسلامية، وانطلاقاً من ضرورة مواجهة التحديات التي يفرضها النظام العالمي الجديد على المسلمين وشعوب العالم اجمع.
وانطلاقاً من هذا الدور فان البحث يعرض بالنقد والتحليل مجموعة من المصطلحات السائدة في العلوم الاجتماعية.
ان الغرب يهدف الى سلخ المسلمين عن دينهم، واحكام طوق التبعية الفكرية على رقابهم والى الابد، وعلى المسلمين ان يواجهوا الغرب بالحوار والكلمة المعبرة، وان
[102]
ينتقلوا من موقف الاعتذار والدفاع الى موقف التصدي والهجوم، واتباع المنهج العلمي في النقد والدراسة والتحليل.
ومن موقع المسؤولية الملقاة على عاتق كل صاحب قلم ينبغي على ذوي الاختصاص في العلوم الاجتماعية ان يساهموا في بناء المنهج الاسلامي وذلك برفض التبعية الفكرية للغرب، وتناول المنهج الغربي بروح نقدية، ثم وضع البديل.
البديل لا يمكن وضعه بين ليلة وضحاها.
فالارضية الثقافية الغربية هي التي تُغذي الدراسات الاجتماعية وترفدها بالمصطلحات الغربية في الجامعات العربية والاسلامية.
الخطوة الهامة الاولى لوضع منهج جديد في الفكر الاجتماعي يبدأ من الكلمة او المصطلح. فالمصطلح هو اللبنة الاولى للصرح العلمي، وهو النواة والبذرة للمنهج.
نحن نعيش في عصر تداخلت فيه المفاهيم، واختلطت فيه معاني المصطلحات باسم العلم، وبمقتضى تشعب فروعه.
ان العلم منهج قبل أن يكون نتاجا او مضمونا. وأهمية المنهج في مجال العلوم الاجتماعية انه يساهم في التنظير للفكر، اي انه الاساس للبناء النظري.
لقد آن الاوان ان نأخذ بزمام أمرنا، ونعقد العزم على ان نأخذ بالمنهج العلمي لنسهم بنصيبنا نحن في الاضافة الى مضمون ومحتوى العلوم الانسانية المعاصرة من منطلق خبراتنا الذاتية، وتمايزنا الحضاري، هذا فضلا عن مبادئنا.
من واجبنا ان نثبت أقدامنا، ونعمل عقولنا في التحقق من ذاتنا، وادراك حقيقة كياننا، لننتقل بذلك من حال الى حال، نحن الآن في موقع المتلقي فقط، وينظر الينا بشفقة وازدراء وتارة في حذر ورهبة.
من المهم جدا ان نكون قادرين على الفعل والحركة. بان نضع المنهج الملائم لرصد الظواهر الاجتماعية ودراستها، باسلوب علمي، وبمفاهيم ومصطلحات تلائم وتناسب مجتمعاتنا واهدافنا، وبروح الاستقلال الفكري ورفض كل اشكال التبعية والاستسلام للآخر.
ان التأثير الثقافي الاجنبي والامريكي بعبارة أدق في المنطقة العربية وما احدثه من
[103]
تخريب فكري لم يخلق ازمة وانما زاد من حدة الازمات ومنها التخلف والتبعية، وانه سخر علم الاجتماع لتزييف وعي الناس، بدلا من تنويره، ونشر المسايرة والانصياع، بدلا من الاستقلال والمبادرة، واوجد التبرير الرخيص في حالات كثيرة بدلاً من النقد المسؤول البناء، ونشر مصطلحات تهدف الى تشويه الحقائق باسم الحداثة والعصرنة والعلمنة.
ويلاحظ ان جانبا من علم الاجتماع والبحث الاجتماعي نشأ كرأس حربة للاستعمار وتطور في خدمته وعمل على تكريس التبعية للمناهج الغربية بطرق غير صريحة في الغالب.
والتبعية ليست في الخضوع السياسي. انما تكمن التبعية في ان نترك انفسنا صيدا سهلاً لعمليات الغزو الثقافي المباشر وغير المباشر ونتوقف عن الابداع. ونستعمل ما انجزته الحضارة الغربية من علم وفن، وقد انجز في ظروف تختلف عن ظروفنا وفي سياق مغاير ولاغراض لا تتمشى مع ما نهدف اليه بالضرورة وهي استخدامات تسعى لخدمة مصالح العناصر الطفيلية المحلية المتسلطة ومصالح المراكز على نحو ما يجري الآن. ولقد بلغ اعتماد بعض المشتغلين بعلم الاجتماع في الوطن العربي على علم الاجتماع الاوروبي الغربي المثالي الى حد التوحد معه سواء في مرحلة اعدادهم الاكاديمي او في مرحلة ممارستهم لنشاطهم في التدريس والبحث والكتابة، لا عن تقدير موضوعي لقيمته وافادة واعية منه، وانما عن شعور بالنقص حياله; ناتج عن الوعي الزائف بامكاناته.
المطلوب منا نظرة نقدية لمسلمات علم الاجتماع الغربي أو مصادراته، ورفض الادعاء بعالمية العلوم الاجتماعية الاوروبية الغربية. ورفض الاساس الخاطئ الذي تقوم عليه وهو (العلمانية). ان موقف العلوم الاجتماعية الغربية منا يقوم على اساس تفوق الغرب وتخلفنا الأبدي. ومن ثم تُبرر تحكّمه فينا وتسلطه علينا والوصفة (الجاهزة) التي يقدمها لنا للخلاص من التخلف هي (التحديث) على النمط الغربي وهي عديمة الفائدة، فليس من الممكن ان يؤدي التحديث الاقتصادي الى تقدم حقيقي اصيل في حالة بقاء كل شيء على حاله.
غير ان اخطر ما في النظريات الاجتماعية الغربية، وأخطر ما يتسرب الينا منها هو قيم العلمانية التي سادت مع ذيوع مذاهب اللذة والمنفعة.
[104]
وادعاء الغرب ان سمة حضارته المميزة هي العقلانية ليس صحيحا. فالعقلانية ليست ابداعا للحضارة الغربية واذا كان ذلك صحيحا نسبيا في الوقوف امـام جبروت الكنيسة التي جمدت العقـل، فانه ليس صحيحا بشكل مطلق(1).
ان الباحث الاسلامي يجد نفسه محاصرا بارث فكري معاكس لمنظومة الفكر الاسلامي، وبواقع عملي لا يكرس الا التبعية العلمية والثقافية.
ولكن بالرغم من هذا الحصار الفكري والعلمي، فقد بادر بعض رجال الفكر في العالم الاسلامي الى الانعتاق من الاسر والوصول الى منابع واسس الفكر الاسلامي.
ولكي يتم لأي باحث وسط هذ الركام الهائل من المصطلحات ان يوضح الفرق بين المنظور الاسلامي والآراء الاخرى، فانه سيضطر الى توضيح المرتكزات الاساسية لكل منها والاسس التي يدور حولها النظر في الانظمة والانساق الاخرى.
ومن شأن هذا الجهد ان يُعين القارئ والدارس على التمييز بين مواقف يبدو عليها التشابه الظاهري، وهي في حقيقتها متعارضة، ومواقف اخرى تبدو متباعدة ظاهريا، وهي في الحقيقة قريبة من بعضها وتحمل بذور الالتقاء والمعايشة.
العلم:
عندما نذكر كلمة العلم ينصرف الذهن الى دلالاتها وايحاءاتها المعروفة في الثقافة الغربية، حيث انها تعني عادة تلك المباحث المعرفية التي تعتمد على الملاحظة والتجربة والاستقراء وصولا الى نظريات وقوانين عامة تفسر الظواهر التي يدرسها الباحثون سواء كانت ظواهر طبيعية وهي التي تشمل علوم الفيزياء والفلك والكيمياء والاحياء وغيرها، او ظواهر اجتماعية وتشمل العلوم الانسانية، علم النفس، علم الاجتماع، الاقتصاد... الخ.
ان الاقتصار على هذا المعنى لكلمة العلم في ثقافتنا العربية والاسلامية يؤدي الى كثير من اللبس والغموض. وينبغي الوقوف على فقه هذا المصطلح في اطار البيئة التي نشأ فيها والثقافة التي رعته واحتضنته. فالاصل في معنى العلم عند المسلمين هو الادراك الصحيح
___________________________
(1) د. محمد عزت حجازي، الازمة الراهنة لعلم الاجتماع في الوطن العربي.
[105]
لحقائق الاشياء، وهو معنى مطلق يفيد الشمول والتعميم ولا يقيد بتخصص معين، ويقصد منه في مفهومه العام انه لفظ يطلق على كل ما هو نشاط انساني عقلي او عملي حين يستخدم بشكل منظم (منهجي) في محاولة تفسير وفهم موضوع ما. فيقال علم التفسير، او علم اللغة، او علم التاريخ او علم الفلك او غير ذلك من مباحث علمية. اما تصنيف هذه المباحث المعرفية الى نقلية وعقلية، او دينية وطبيعية او انسانية وكونية، او غير ذلك فهو تصنيف يعتمد على موضوعات العلم أو مصادره، او الطرائق (المناهج) المتَّبعة في تحصيله بحسب تناسبها وقرب بعضها من بعض.
والعلم في الاسلام يتناول كل موجود وكل ما يوجد. فمن الواجب ان نطلب العلم وطلب العلم من افضل العبادات في الدين الحنيف.
ولكن العلم الذي يحث الاسلام على تحصيله لابد ان يكون نافعا ولا يخلو من فائدة وان لا يؤدي الى تدمير البشرية وهلاك الحرث والنسل، ونشر الفساد في الارض.
ان يكون قرينا للتقوى وملازما للاخلاق. اما العلم الذي يتخلى عن المبادئ والقيم فيؤدي الى الخسران، وفي القرآن الكريم اشارة الى عدم جدوى العلم الذي لا يؤدي الى الربح في مجال الفضيلة ونشر الاسلام: (وفرحوا بما جاءهم من العلم)وجاء في الدعاء المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله:
اللّهم انّي اعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع ودعاء لا يُسمع ومن صلاة لا ترفع.
ومقياس النفع ليس هو المقياس المادي او ذلك المعيار الفردي الذرائعي الذي تقول به (الفلسفة البراجماتية) السائدة لدى الغرب، انما هو ما يؤدي الى اصلاح الامة واقامة أمر الدين واصلاح الدنيا.
العلم هو التفكر في المظاهر الكونية للتعرف على عظمة الخالق جل شأنه والتعرف على النواميس التشريعية مما يؤدي الى تعميق الايمان بالله وزيادة الخشية منه، قال تعالى:
(الم تر انّ الله انزل من السماء ماءً فاخرجنا به ثمرات مختلفاً الوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه كذلك انما يخشى الله من عباده العلماء انّ الله عزيز غفور)
(سورة فاطر / 27 28)
[106]
والعلم في لغة العرب نقيض الجهل، فاذا كان العلم غير مطابق للمعلوم في الواقع فهو الجهل. واذا كان العلم غير جازم المطابقة فاما انه يستوي طرفاه وهو الشك، واما ان يُرجح أحدهما على الآخر، فالراجح هو الظن، والمرجوح هو الوهم. وعليه فالمصطلحات في هذا الشأن خمسة اقواها العلم فالظن فالشك فالوهم فالجهل.
والنظام والكمال والجمال مما يترتب عليه بالضرورة العقلية والمنطقية جعل وحدانية خالق الكون يقينا ايمانيا خالصا.
وقد أخبر الحق جل وعلا عن بالغ حكمته وعظيم قدرته وواسع علمه، بقوله تعالى:
(انّما إلهكم الله الّذي لا إله الاّ هو وسع كلّ شيء علما).
ويقتضي فقه العلم في الاسلام ان تسعى لطلب العلم فهو فريضة على كلّ مسلم، وطلب العلوم التجريبية والنظرية يعد من الفروض الكفائية. وليست الكفاية ان يوجد من يعرف هذه العلوم، بل في وجود العدد الكافي لتلبية الاحتياجات اللازمة للامة، وعدم الحاجة الى الغرب او الشرق، وتعطيل هذه الفريضة على الوجه الاكمل قد يؤدي الى الاخلال بالواجب الاعظم وهو عبادة الله تعالى وحده واعلاء كلمته في الارض.
(سبحانك ربّنا لا علم لنا الاّ ما علّمتنا).
والمسلمون الاوائل جمعوا بين العلوم الدينية والدنيوية (النظرية والعملية) وابدعوا في الطب والكيمياء والفيزياء وعلم البصريات وعلم الفلك وغيرها.
واعترافاً لجهود المسلمين في العلم سموهم (آباء العلم). واطلق اسم عشرة من علماء الاسلام على مناطق في القمر بعد ان وصل اليه رواد الفضاء. منهم ابو الريحان البيروني والعلامة نصير الدين الطوسي والبتاني وهم قد كتبوا بحوثا مهمة في علم الفلك، ووضعوا قوانين لمعرفة محيط الارض، وحساب ساعات الشروق والغروب في الارض والزهرة والمريخ وغيرها.
والاسطرلاب من اختراع المسلمين. وهو آلة يتم بها اجراء اكثر من ثلاثين عملية لاستخراج معلومات فلكية في غاية الدقة ولم يتم الى الآن اختراع آلة تؤدي نفس اغراض الاسطرلاب.
ولم يخرج الاوروبيون من عهود الظلام الا بعد ان ترجموا العلوم من اللغة العربية
[107]
واخذوا المنهج العلمي من جامعات المسلمين في قرطبة واشبيلية وغرناطة.
واوروبا مدينة للمسلمين في العلوم الطبيعية وغيرها وأهم ما أخذوه هو المنهج العلمي.
المسلمون آباء العلم
برع المسلمون في العلوم التجريبية، وقدموا للعالم خلاصة تجاربهم وابحاثهم، وقد كتبوا فيها كتبا كثيرة، استفاد منها اهل الغرب، كما استفاد منها المسلمون، ولو اخذنا علم الفيزياء مثلاً فانا نجد ان من مواضيعه موضوع: الضوء. هذا الموضوع الذي تثار حوله اسئلة كثيرة، منها مثلا: ما حقيقة الضوء؟ عندما يشاهد الانسان الاشياء كيف يُبصرها؟ كيف يحدث انعكاس الضوء؟ وانكساره؟ ما هي قوانين الضوء؟
يُشكل المصطلح الاسلامي أحد الرموز الثقافية المهمة الدالة على خصوصية الامة الاسلامية. وهو أحد المكونات الاساسية لهويتها الحضارية. بل ان بعض الباحثين يعتبر المصطلح جزءاً من النظرية السياسية في الاسلام، وجرى التعامل مع المصطلح الاسلامي باسلوبين متناقضين، احدهما التفريط، والآخر الافراط.
البعض يتخلى عن المصطلح الاسلامي ويميل الى المصطلحات الاجنبية بحجة الحداثة والعصرية والسير في طريق الغرب او التغرب، وهناك من يتجمد عند الموروث من الاصطلاحات الاسلامية بلا تمييز بين ما هو من الثوابت الشرعية وما هو من المتغيرات القابلة للمرونة والتطور، وعدم التمييز بين ما هو شرعي وما هو بشري، وبلا استعداد للاخذ بما يصح الاخذ به من المصطلحات المعاصرة.
واذا كان الموقف الاول ينتصر للتغرب الثقافي ويرفض الاصالة والخصوصية، فان الموقف الثاني يتجاهل التطور المستمر في حركة الحياة، وبهذا يحمل كلا الموقفين في داخله بذور الخطأ والبُعد عن الصواب.
فما هو المصطلح؟ وهل يوجد مصطلح اسلامي؟
وما هو الموقف من المصطلحات الآتية من خارج المجال الفكري الاسلامي؟
تحمل الالفاظ دلالات معينة هي عبارة عن الاقتران بين تصوّر اللفظ وتصور المعنى الذي يدل عليه، وانتقال الذهن من أحدهما الى الآخر. وهذا الاقتران هو الذي يطلق
[100]
عليه اسم الدلالة، في حين يسمى اللفظ دالاً والمعنى مدلولاً.
ونحن هنا لا نريد الخوض في مباحث الالفاظ ومعنى اللفظ عموماً. وانما نبحث عن اللفظ الذي صار مصطلحاً عندما اقترن ببعد تاريخي او حضاري او علمي او اجتماعي... الخ.
وصلة اللفظ بمعناه الجديد يُساعدنا على فهم طبيعة المصطلح وعلاقته بحمولته الفكرية والمفهومية.
والمصطلح هو اللفظ الذي يضعه أهل عرف او اختصاص معين ليدل على معنى معين يتبادر الى الذهن عند اطلاق ذلك اللفظ ويغلب هذا في الامور الفكرية والسياسية والاقتصادية والدينية والقانونية، وليس في الحديث اليومي لبني البشر(1).
ان قيمة الكلمة تتمثل في عطائها الفكري وفي تجسيدها للمعنى الذي يراد التعبير عنه بها، ولا تحمل أية قيمة ذاتية، والكلمات تفقد رصيدها الفكري وتذبل وقد تموت كما يموت كثير من الناس، وقد تحيا بعض الكلمات او المصطلحات فتبعث الى الحياة من جديد.
وعليه فان البحث هذا يلاحق الكلمة أو المصطلح في نشأته ونموه وتطوره وحياته وموته وشبابه وهرمه، لتُبنى منه الكلمة الهادفة والاستقلال الفكري، ونرفض الكلمة التي تعرّضت للتشويه وتحوّلت الى مدلول مُضاد للمعنى الذي وُضع لها.
الكلمة تحمل الحياة في حروفها وتجسد الفكر والتاريخ. وتحمل عُصارة العقل البشري من جيل الى جيل.
ومن الاهمية بمكان التنبه الى خطورة الكلمة عندما تتحول الى مصطلح يراد به معنى آخر قد يؤدي الى احتضار الكلمة او دفنها او تحويلها الى سلاح يغزو العقول ويدمر كيان الانسان.
والمصطلحات الحديثة كثيراً ما شوّهت حقائق التاريخ والمجتمع، وحُمّلت شحنات لنسق الحقائق او تزييفها.
___________________________
(1) محمد عبد الجبار، المصطلح الاسلامي في عالم متغير، صحيفة الحياة العدد(13600) الجمعة 26 ربيع الثاني 1418 هـ، 29 آب / اغسطس 1998 م.
[101]
الاسلام مستهدف من كثير من أعدائه والمسلمون مستهدفون ايضاً، ولعل أخطر شيء يواجه الاسلام حاليا، ويُشكل عداء شديدا له، ويريد اثارة اللغط حول ما يمكن ان يقال عنه هي (المصطلحات) التي بدأت تغزو مجتمعاتنا الاسلامية، وهي كلمات تشبه السموم هدفها تدمير القيم، وقتل الاحكام التي شرعها الله سبحانه وتعالى. لتحدث البلبلة في العقيدة والدين.
وللاسف يوجد بيننا من يُردد هذه الاسماء والمصطلحات بدون وعي، وبلا ادراك رغم اختلاف مقاصدها ومدلولاتها في المجتمعات المختلفة عنا في الدين والعقيدة واللغة.
فما حقيقة هذه المصطلحات؟
وهل يمكن ان تكون حملة منظمة لتفتيت الفكر الاسلامي؟
وما هو مدى خطرها على الاسلام؟ وكيف تكون المواجهة؟
المواجهة تكون بالحوار. والحوار يعتمد على الكلمة، والمصطلح وعاء للفكر من المهم جدا تحديد معاني المصطلحات بما يتلاءم مع الحياة المعاصرة والتوفيق بينها وبين الفكر الاسلامي.
يعرف (المصطلح) بانه الكلمة او الكلمات التي يتفق اهل الاختصاص على ضرورتها لأداء مدلول معين في بنية النسق المعرفي المميز لعلم من العلوم او ثقافة من الثقافات.
ويكون المصطلح اسلاميا اذا كان مستمدا في لفظه ومعناه من الاصول الاسلامية، او كان لا يتعارض في فكره ومعناه مع الفكر الاسلامي.
واذا كان دور الفكر الاسلامي هو الاضطلاع بقضايا عصره ومواجهتها بموقف نقدي، فان الخطوة الاولى هي التصدي بالتحليل والنقد للقضايا الاساسية في الفكر المعاصر من موقع الالتزام بالعقيدة الاسلامية، وانطلاقاً من ضرورة مواجهة التحديات التي يفرضها النظام العالمي الجديد على المسلمين وشعوب العالم اجمع.
وانطلاقاً من هذا الدور فان البحث يعرض بالنقد والتحليل مجموعة من المصطلحات السائدة في العلوم الاجتماعية.
ان الغرب يهدف الى سلخ المسلمين عن دينهم، واحكام طوق التبعية الفكرية على رقابهم والى الابد، وعلى المسلمين ان يواجهوا الغرب بالحوار والكلمة المعبرة، وان
[102]
ينتقلوا من موقف الاعتذار والدفاع الى موقف التصدي والهجوم، واتباع المنهج العلمي في النقد والدراسة والتحليل.
ومن موقع المسؤولية الملقاة على عاتق كل صاحب قلم ينبغي على ذوي الاختصاص في العلوم الاجتماعية ان يساهموا في بناء المنهج الاسلامي وذلك برفض التبعية الفكرية للغرب، وتناول المنهج الغربي بروح نقدية، ثم وضع البديل.
البديل لا يمكن وضعه بين ليلة وضحاها.
فالارضية الثقافية الغربية هي التي تُغذي الدراسات الاجتماعية وترفدها بالمصطلحات الغربية في الجامعات العربية والاسلامية.
الخطوة الهامة الاولى لوضع منهج جديد في الفكر الاجتماعي يبدأ من الكلمة او المصطلح. فالمصطلح هو اللبنة الاولى للصرح العلمي، وهو النواة والبذرة للمنهج.
نحن نعيش في عصر تداخلت فيه المفاهيم، واختلطت فيه معاني المصطلحات باسم العلم، وبمقتضى تشعب فروعه.
ان العلم منهج قبل أن يكون نتاجا او مضمونا. وأهمية المنهج في مجال العلوم الاجتماعية انه يساهم في التنظير للفكر، اي انه الاساس للبناء النظري.
لقد آن الاوان ان نأخذ بزمام أمرنا، ونعقد العزم على ان نأخذ بالمنهج العلمي لنسهم بنصيبنا نحن في الاضافة الى مضمون ومحتوى العلوم الانسانية المعاصرة من منطلق خبراتنا الذاتية، وتمايزنا الحضاري، هذا فضلا عن مبادئنا.
من واجبنا ان نثبت أقدامنا، ونعمل عقولنا في التحقق من ذاتنا، وادراك حقيقة كياننا، لننتقل بذلك من حال الى حال، نحن الآن في موقع المتلقي فقط، وينظر الينا بشفقة وازدراء وتارة في حذر ورهبة.
من المهم جدا ان نكون قادرين على الفعل والحركة. بان نضع المنهج الملائم لرصد الظواهر الاجتماعية ودراستها، باسلوب علمي، وبمفاهيم ومصطلحات تلائم وتناسب مجتمعاتنا واهدافنا، وبروح الاستقلال الفكري ورفض كل اشكال التبعية والاستسلام للآخر.
ان التأثير الثقافي الاجنبي والامريكي بعبارة أدق في المنطقة العربية وما احدثه من
[103]
تخريب فكري لم يخلق ازمة وانما زاد من حدة الازمات ومنها التخلف والتبعية، وانه سخر علم الاجتماع لتزييف وعي الناس، بدلا من تنويره، ونشر المسايرة والانصياع، بدلا من الاستقلال والمبادرة، واوجد التبرير الرخيص في حالات كثيرة بدلاً من النقد المسؤول البناء، ونشر مصطلحات تهدف الى تشويه الحقائق باسم الحداثة والعصرنة والعلمنة.
ويلاحظ ان جانبا من علم الاجتماع والبحث الاجتماعي نشأ كرأس حربة للاستعمار وتطور في خدمته وعمل على تكريس التبعية للمناهج الغربية بطرق غير صريحة في الغالب.
والتبعية ليست في الخضوع السياسي. انما تكمن التبعية في ان نترك انفسنا صيدا سهلاً لعمليات الغزو الثقافي المباشر وغير المباشر ونتوقف عن الابداع. ونستعمل ما انجزته الحضارة الغربية من علم وفن، وقد انجز في ظروف تختلف عن ظروفنا وفي سياق مغاير ولاغراض لا تتمشى مع ما نهدف اليه بالضرورة وهي استخدامات تسعى لخدمة مصالح العناصر الطفيلية المحلية المتسلطة ومصالح المراكز على نحو ما يجري الآن. ولقد بلغ اعتماد بعض المشتغلين بعلم الاجتماع في الوطن العربي على علم الاجتماع الاوروبي الغربي المثالي الى حد التوحد معه سواء في مرحلة اعدادهم الاكاديمي او في مرحلة ممارستهم لنشاطهم في التدريس والبحث والكتابة، لا عن تقدير موضوعي لقيمته وافادة واعية منه، وانما عن شعور بالنقص حياله; ناتج عن الوعي الزائف بامكاناته.
المطلوب منا نظرة نقدية لمسلمات علم الاجتماع الغربي أو مصادراته، ورفض الادعاء بعالمية العلوم الاجتماعية الاوروبية الغربية. ورفض الاساس الخاطئ الذي تقوم عليه وهو (العلمانية). ان موقف العلوم الاجتماعية الغربية منا يقوم على اساس تفوق الغرب وتخلفنا الأبدي. ومن ثم تُبرر تحكّمه فينا وتسلطه علينا والوصفة (الجاهزة) التي يقدمها لنا للخلاص من التخلف هي (التحديث) على النمط الغربي وهي عديمة الفائدة، فليس من الممكن ان يؤدي التحديث الاقتصادي الى تقدم حقيقي اصيل في حالة بقاء كل شيء على حاله.
غير ان اخطر ما في النظريات الاجتماعية الغربية، وأخطر ما يتسرب الينا منها هو قيم العلمانية التي سادت مع ذيوع مذاهب اللذة والمنفعة.
[104]
وادعاء الغرب ان سمة حضارته المميزة هي العقلانية ليس صحيحا. فالعقلانية ليست ابداعا للحضارة الغربية واذا كان ذلك صحيحا نسبيا في الوقوف امـام جبروت الكنيسة التي جمدت العقـل، فانه ليس صحيحا بشكل مطلق(1).
ان الباحث الاسلامي يجد نفسه محاصرا بارث فكري معاكس لمنظومة الفكر الاسلامي، وبواقع عملي لا يكرس الا التبعية العلمية والثقافية.
ولكن بالرغم من هذا الحصار الفكري والعلمي، فقد بادر بعض رجال الفكر في العالم الاسلامي الى الانعتاق من الاسر والوصول الى منابع واسس الفكر الاسلامي.
ولكي يتم لأي باحث وسط هذ الركام الهائل من المصطلحات ان يوضح الفرق بين المنظور الاسلامي والآراء الاخرى، فانه سيضطر الى توضيح المرتكزات الاساسية لكل منها والاسس التي يدور حولها النظر في الانظمة والانساق الاخرى.
ومن شأن هذا الجهد ان يُعين القارئ والدارس على التمييز بين مواقف يبدو عليها التشابه الظاهري، وهي في حقيقتها متعارضة، ومواقف اخرى تبدو متباعدة ظاهريا، وهي في الحقيقة قريبة من بعضها وتحمل بذور الالتقاء والمعايشة.
العلم:
عندما نذكر كلمة العلم ينصرف الذهن الى دلالاتها وايحاءاتها المعروفة في الثقافة الغربية، حيث انها تعني عادة تلك المباحث المعرفية التي تعتمد على الملاحظة والتجربة والاستقراء وصولا الى نظريات وقوانين عامة تفسر الظواهر التي يدرسها الباحثون سواء كانت ظواهر طبيعية وهي التي تشمل علوم الفيزياء والفلك والكيمياء والاحياء وغيرها، او ظواهر اجتماعية وتشمل العلوم الانسانية، علم النفس، علم الاجتماع، الاقتصاد... الخ.
ان الاقتصار على هذا المعنى لكلمة العلم في ثقافتنا العربية والاسلامية يؤدي الى كثير من اللبس والغموض. وينبغي الوقوف على فقه هذا المصطلح في اطار البيئة التي نشأ فيها والثقافة التي رعته واحتضنته. فالاصل في معنى العلم عند المسلمين هو الادراك الصحيح
___________________________
(1) د. محمد عزت حجازي، الازمة الراهنة لعلم الاجتماع في الوطن العربي.
[105]
لحقائق الاشياء، وهو معنى مطلق يفيد الشمول والتعميم ولا يقيد بتخصص معين، ويقصد منه في مفهومه العام انه لفظ يطلق على كل ما هو نشاط انساني عقلي او عملي حين يستخدم بشكل منظم (منهجي) في محاولة تفسير وفهم موضوع ما. فيقال علم التفسير، او علم اللغة، او علم التاريخ او علم الفلك او غير ذلك من مباحث علمية. اما تصنيف هذه المباحث المعرفية الى نقلية وعقلية، او دينية وطبيعية او انسانية وكونية، او غير ذلك فهو تصنيف يعتمد على موضوعات العلم أو مصادره، او الطرائق (المناهج) المتَّبعة في تحصيله بحسب تناسبها وقرب بعضها من بعض.
والعلم في الاسلام يتناول كل موجود وكل ما يوجد. فمن الواجب ان نطلب العلم وطلب العلم من افضل العبادات في الدين الحنيف.
ولكن العلم الذي يحث الاسلام على تحصيله لابد ان يكون نافعا ولا يخلو من فائدة وان لا يؤدي الى تدمير البشرية وهلاك الحرث والنسل، ونشر الفساد في الارض.
ان يكون قرينا للتقوى وملازما للاخلاق. اما العلم الذي يتخلى عن المبادئ والقيم فيؤدي الى الخسران، وفي القرآن الكريم اشارة الى عدم جدوى العلم الذي لا يؤدي الى الربح في مجال الفضيلة ونشر الاسلام: (وفرحوا بما جاءهم من العلم)وجاء في الدعاء المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله:
اللّهم انّي اعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع ودعاء لا يُسمع ومن صلاة لا ترفع.
ومقياس النفع ليس هو المقياس المادي او ذلك المعيار الفردي الذرائعي الذي تقول به (الفلسفة البراجماتية) السائدة لدى الغرب، انما هو ما يؤدي الى اصلاح الامة واقامة أمر الدين واصلاح الدنيا.
العلم هو التفكر في المظاهر الكونية للتعرف على عظمة الخالق جل شأنه والتعرف على النواميس التشريعية مما يؤدي الى تعميق الايمان بالله وزيادة الخشية منه، قال تعالى:
(الم تر انّ الله انزل من السماء ماءً فاخرجنا به ثمرات مختلفاً الوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه كذلك انما يخشى الله من عباده العلماء انّ الله عزيز غفور)
(سورة فاطر / 27 28)
[106]
والعلم في لغة العرب نقيض الجهل، فاذا كان العلم غير مطابق للمعلوم في الواقع فهو الجهل. واذا كان العلم غير جازم المطابقة فاما انه يستوي طرفاه وهو الشك، واما ان يُرجح أحدهما على الآخر، فالراجح هو الظن، والمرجوح هو الوهم. وعليه فالمصطلحات في هذا الشأن خمسة اقواها العلم فالظن فالشك فالوهم فالجهل.
والنظام والكمال والجمال مما يترتب عليه بالضرورة العقلية والمنطقية جعل وحدانية خالق الكون يقينا ايمانيا خالصا.
وقد أخبر الحق جل وعلا عن بالغ حكمته وعظيم قدرته وواسع علمه، بقوله تعالى:
(انّما إلهكم الله الّذي لا إله الاّ هو وسع كلّ شيء علما).
ويقتضي فقه العلم في الاسلام ان تسعى لطلب العلم فهو فريضة على كلّ مسلم، وطلب العلوم التجريبية والنظرية يعد من الفروض الكفائية. وليست الكفاية ان يوجد من يعرف هذه العلوم، بل في وجود العدد الكافي لتلبية الاحتياجات اللازمة للامة، وعدم الحاجة الى الغرب او الشرق، وتعطيل هذه الفريضة على الوجه الاكمل قد يؤدي الى الاخلال بالواجب الاعظم وهو عبادة الله تعالى وحده واعلاء كلمته في الارض.
(سبحانك ربّنا لا علم لنا الاّ ما علّمتنا).
والمسلمون الاوائل جمعوا بين العلوم الدينية والدنيوية (النظرية والعملية) وابدعوا في الطب والكيمياء والفيزياء وعلم البصريات وعلم الفلك وغيرها.
واعترافاً لجهود المسلمين في العلم سموهم (آباء العلم). واطلق اسم عشرة من علماء الاسلام على مناطق في القمر بعد ان وصل اليه رواد الفضاء. منهم ابو الريحان البيروني والعلامة نصير الدين الطوسي والبتاني وهم قد كتبوا بحوثا مهمة في علم الفلك، ووضعوا قوانين لمعرفة محيط الارض، وحساب ساعات الشروق والغروب في الارض والزهرة والمريخ وغيرها.
والاسطرلاب من اختراع المسلمين. وهو آلة يتم بها اجراء اكثر من ثلاثين عملية لاستخراج معلومات فلكية في غاية الدقة ولم يتم الى الآن اختراع آلة تؤدي نفس اغراض الاسطرلاب.
ولم يخرج الاوروبيون من عهود الظلام الا بعد ان ترجموا العلوم من اللغة العربية
[107]
واخذوا المنهج العلمي من جامعات المسلمين في قرطبة واشبيلية وغرناطة.
واوروبا مدينة للمسلمين في العلوم الطبيعية وغيرها وأهم ما أخذوه هو المنهج العلمي.
المسلمون آباء العلم
برع المسلمون في العلوم التجريبية، وقدموا للعالم خلاصة تجاربهم وابحاثهم، وقد كتبوا فيها كتبا كثيرة، استفاد منها اهل الغرب، كما استفاد منها المسلمون، ولو اخذنا علم الفيزياء مثلاً فانا نجد ان من مواضيعه موضوع: الضوء. هذا الموضوع الذي تثار حوله اسئلة كثيرة، منها مثلا: ما حقيقة الضوء؟ عندما يشاهد الانسان الاشياء كيف يُبصرها؟ كيف يحدث انعكاس الضوء؟ وانكساره؟ ما هي قوانين الضوء؟