المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خصوصيتنا الثقافية وتحديات العولمة


اميل دوركايم
04-14-2006, 02:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اقدم لكم اليوم موضوع هام بالنسبه لنا كدارسى علم الاجتماع الا وهو العولمة وسنتحدث عن الجانب الثقافى للعولمه
وللامانه العلمية الموضوع كان منشور على موقع اخر الى انا جايب منه الموضوع اسمه



http://www.al-jazirah.com


[SIZE=4][COLOR=Black]خصوصيتنا الثقافية وتحديات العولمة
ملاحظات حول العولمة الثقافية
, والظاهرة المقصودة في الاساس ظاهرة اقتصادية تشير الى تحول بعض المصالح التجارية الى مصالح ذات بعد عالمي او منتشر على ارجاء الارض، كما Globalization
هو الحال في الكثير من الشركات الكبرى التي توصف بأنها متعددة الجنسيات، مع ان الصحيح انها ذات جنسية محددة ولكنها تعبر الجنسيات الاخرى، فتجد لها مصالح
ومكاتب ونقاط انتاج وبيع في دول مختلفة بحيث انه يصعب تحديد انتمائها, كما ترتبط بالعولمة ظاهرة اقتصادية هامة اخرى، هي سعي بعض الكيانات السياسية
والاقتصادية الكبرى لاشاعة انظمة اقتصادية محددة، هي هنا نظام السوق الحر، الذي تقف وراءه اليوم الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي ويدعمانه،
ان لم نقل يفرضانه من خلال البنك الدولي ومؤسسة النقد الدولي، ومن خلال اتفاقيات دولية كاتفاقيات الجات,
لكن لان البعد الاقتصادي حاسم في تشكيل الابعاد الاخرى من حياة الانسان: السياسية والثقافية والاجتماعية والاعلامية وغيرها، فانه سرعان ما اتضح ان العولمة
ظاهرة غير مقتصرة على الاقتصاد وانما تشمل تلك الابعاد وغيرها, فالعادات تنتشر في انسجة الحياة الاجتماعية كما تنتشر الشركات في اوردتها الاقتصادية، وكما
تنتشر المفاهيم والنظريات في عقول العلوم وكما تتوزع الاشكال الادبية في توجهات الابداع، الى غير ذلك، والغرب الذي يعولم العالم اقتصاديا يسعى في الوقت
نفسه الى عولمته ثقافيا واجتماعيا وسياسيا, فالعولمة اذاً ظاهرة اكثر تعقيدا وانتشار من ان تنحصر في حقل واحد,
اليومي حوالي تريليون دولار, اما الوطن الاصلي لتلك الشركات فينحصر في ثلاث مناطق هي الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي واليابان موزعة على النحو التالي:
،153 شركة امريكية، 155 شركة اوروبية، 141 شركة يابانية, فأمريكا، بوصفها دولة واحدة، هي اكثر الدول امتلاكا لتلك الشركات، وهي مع اوروبا تشكل وحدة غربية
متجانسة واكتساحا لا مثيل له 1 ,
العولمة اذاً ظاهرة غربية بشكل عام اوروبا وامريكا ، وفي النطاق الغربي ترجح الكفة الامريكية بوضوح، مما يجعل الظاهرة امريكية اكثر منها اوروبية او
يابانية, فنحن نعيش العصر الامريكي بامتياز والعولمة هي التعبير الاقتصادي والثقافي والاعلامي عن ذلك العيش، او هي، كما عبر احد الباحثين العرب، صيغية
تجنيسية للكل من خلال الجزء 2 وهذا التعريف الاخير مهم لانه ينقلنا الى الطبيعة الانتشارية التحكيمية لهذه العملية, فنحن ازاء عملية اقرب ما تكون الى
الاكتساح الذي تمارسه ذات ثقافية، او تكوين ثقافي، تجاه بقية التكوينات او الذوات,
بمعنى ان الثقافات الاخرى تتعرض لهجوم متعدد الاتجاهات بقصد تحويلها الى توابع اقتصادية ثقافية مجانسة لمصدر الهجوم، وهوالنظام الاقتصادي الامريكي وبعض
قيمه الثقافية وبالثقافية هنا اقصد كل ما يندرج تحت كلمة ثقافة من انماط الحياة الفكرية والابداعية والاجتماعية , لكن لا شك في ان ما يصدره ذلك النظام او
يسعى لفرضه هو منظومة محددة ومنتقاة من القيم والانماط وليس كل ما هو مطروح في بنية ذلك النظام وقيمه وانماطه, وسأؤجل الحديث عن هذه العملية وخلفياتها
التاريخية حتى اوضح ما أقصده بالمفهوم الثاني، مفهوم الخصوصية الثقافية,
في سياق الخصوصية هذا يتبادر الينا مفهوم يبدو قارا واضحا، بينما هناك تساؤلات كثيرة حوله تفرض اعادة النظر في بعض الفرضيات الشائعة, فالخصوصية الثقافية
هي في الدلالة المباشرة جملة الخصائص او السمات الثقافية التي تميز مجتمعا او مجموعة من المجتمعات حضارة او امة ، اي الخصائص التي تشكل ما نسميه هوية ذلك
المجتمع او الامة, وعلى الرغم من انه يمكن الوصول الى اتفاق حول عدد كبير من تلك الخصائص،
آسيا نفسها الصين مثلا مما يخلط الخصائص ويقلل من معدل التجانس في تلك المجتمعات كما في الفلبين اوتايلاند , وكذلك هي الحال في مجتمع عربي اسلامي يتعرض
للامتزاج بأفراد مجتمعات اخرى وتنتقل اليه نتيجة ذلك قيم اجتماعية واقتصادية معينة تجعله شبيها الى حد ما بالمجتمع الذي انتقلت منه تلك القيم,
هذه التداخلات تجعل من الصعب الحديث عن هويات واضحة او خصوصيات ثقافية مستقرة، لكنها بالتأكيد لا تلغي، في تقديري، امكانية او مشروعية الحديث عن الهوية او
الخصوصية، المشروعية التي تشكك فيها بعض الفلسفات الغربية المعاصرة, فعلى الرغم من التداخل يبقى الكثير من المميزات الثقافية الاساسية واضحا الدين، اللغة،
بعض العادات الاجتماعية، الخ , وحديثي هنا عن الخصوصية الثقافية مستمد من القناعة بثبات تلك المميزات، وان كنت استشعر في حديثي بعض ما تعرضت وتتعرض له تلك
الخصوصية من تأثيرات تعروية تفتيتية نتيجة تداخل المجتمعات والثقافات وفي طليعتها تأثير عملية العولمة التي نحن بصددها,
العولمة كتحد للخصوصية:
من التعريفين السابقين لمفهومي العولمة والخصوصية الثقافية، اتجه الان الى الموضوع الاساسي لهذا الحديث وهو ان العولمة تشكل تحديا كبيرا للخصوصية الثقافية
التي تعيشها المجتمعات العربية الاسلامية، وبالتحديد مجتمعنا هنا في المملكة العربية السعودية, واذا كان هذا التحدي لا يشكل اطروحة جديدة، بل هو اقرب الى
البدهيات لدى البعض، بمعنى انه من تحصيل حاصل، فان المهمة التي وضعتها نصب عيني لا تنحصر في تحديد المشكلة بقدر ما تتجه الى وصفها وتحديد معالمها، ثم
الوقوف عند الخيارات المتاحة امام تحدياتها, كيف تشكل العولمة تحديا او تهديدا للخصوصية الثقافية المشار اليها؟ وما دلائل ذلك التهديد او التحدي؟ متى
ابتدأ وهل سينتهي؟
وحسب مثل هذا الحديث ان هو استطاع ان يطرح اسئلة مضيئة للقضية المقترحة، فتوضيح المسائل قد يكون ابعد مراما من ان يستطيعه حديث مقتضب,
من هذا المنطلق اقول ان ما يسمى العولمة لا يبدو اكثر من صورة معاصرة لعملية التمدد الجغرافي السياسي والاقتصادي الذي مارسته الدول الاوروبية منذ القرن
الخامس عشر الميلادي، التمدد الذي ابتدأ بالكشوفات الجغرافية وانتهى بالاستعمار شبه التام في القرن التاسع عشر وحتى نهاية النصف الاول من القرن العشرين،
بل الذي ما تزال بعض صوره القديمة قائمة الى اليوم,
العولمة هي الاستعمار بثوب جديد، ثوب تشكله المصالح الاقتصادية ويحمل قيما تدعم انتشار تلك المصالح وترسخها, انها الاستعمار بلا هيمنة سياسية مباشرة او
مخالب عسكرية واضحة, انها بكل بساطة عملية يدفعها الجشع الانساني للهيمنة على الاقتصادات المحلية والاسواق والسعي للتسويق مطلبا انسانيا قديما وحيويا
ومشروعا، فان ما يحدث هنا يختلف في انه بحث يمارس منافسة غير متكافئة وربما غير شريفة من ناحية، ويؤدي من ناحية اخرى الى اضعاف كل ما قد يقف في طريقه من
قيم وممارسات اقتصادية وثقافية,
فأين هي اذا صور العولمة الثقافية في وضعنا القريب المعاصر؟ ثم اين هي صور الخصوصية؟ وكيف تتم المواجهة بين الجانبين؟ قبل الدخول في تفاصيل تلك الصور
والاسئلة ينبغي ان اشيرالى انني بالثقافة أشير إلى الجانبين الرئيسين لها، الجانب العالم والجانب غير العالم، يشير الاول الى ثقافة العلم والمتعلمين،
ثقافة الكتابة والقراءة، والثاني الى الثقافة بالمفهوم الذي يستخدمه الانثروبولوجيون ليعنون به كل النتاج الانساني من افكار ومعتقدات وعادات وما الى ذلك،
والتي تستوي في انتاجها المجتمعات البدائية والمجتمعات المتطورة، دون اختلاف سوى في نوع الافكار والمعتقدات الخ, هنا اقصد المعنيين معا، وهما بطبيعة الحال
متداخلان في كثير من الامثلة، وان امكن التفريق بينهما احيانا، لان ظاهرة العولمة الثقافية تنسحب على الجانبين مع اختلاف تأثيرها على كل منهما وكيفية
ممارستها ذلك التأثير,
ان الجانب الاوضح للعولمة الثقافية، والذي يتضح فيه تأثيرها على الثقافة بجانبيها، هو اللغة، انها في كل مكان وما عليك الا ان تتأمل كيف تنتشر اللغة الانجليزية في كل مكان، ليس في الأماكن التي ينبغي ان توجد فيها ولكن حتى حين لا تكون هناك حاجة
مطلقا: اسم المحل التجاري الذي يتوسل اسما اجنبيا، وموظف الفندق او الشركة الذي يتحدث اللغة الانجليزية حتى وان كان عربيا، ومحدثك الذي يقحم الكلمات
الاجنبية في كلامه دونما حاجة غير التأثر اللاواعي بمعطيات العصر او الاختيار الواعي او المقصود لمظهر التحضر,
هذه المظاهر لا تنفصل او تختلف عن مظاهر اللباس التي تحيط بنا والتي تدفع بشبابنا وشاباتنا للباس الغربي من قبعات واحذية وما اليها، او الى الاستماع الى
موسيقى الروك والراب وغيرهما، وتجعلهم يألفون اسماء الممثلين والمطربين الغربيين بقدر ما يعرفون اسماء الممثلين والمطربين العرب وربما بألفة اكثر,
ولكن هل تختلف هذه المظاهر الثقافية غير العالمة عما يفعله كاتب ما حين يتبنى شكلا ادبيا غربيا، او حين يتبنى ناقد او مفكر منهجا فكريا غربيا؟ هذا سؤال
ملح لكن لا ينبغي التعجل في الاجابة عنه فثمة اوجه شبه وأوجه اختلاف تقتضي التروي والتأمل, ففي الثقافة العالمة تحدث العولمة ايضا، ولكن حدوثها هنا ذو
طبيعة مختلفة الى حد ما، كما انه له في بعض الاحيان حاجة لا غنى عنها، وذلك على عكس ما يحدث في الثقافة الشعبية او غير العالمة,
في الثقافة العالمة تحدث العولمة بمسميات مختلفة منها المثاقفة والحداثة والتلاقح الفكري والانفتاح على الآخر والتقدم، الخ, ومع ان من هذه المسميات ما
يفسر العولمة على المستويات الشعبية وفي الحياة العامة، فان المثقفين من مفكرين وكتاب يمارسون تعولمهم ، ان جاز التعبير، بقصدية ووعي، في حالات كثيرة,
فطرائق التفكير والفلسفات المتبناة احيانا من ليبرالية الى ماركسية الى وجودية الى بنيوية هي نتاج بحث فردي او جماعي عن التجديد والتغيير، عن حلول معاصرة
لمشاكل معاصرة، كما انها تعبر عن خيار ايديولوجي لدى الكاتب او المفكر, غير ان هذه القصدية والوعي تخفي وراءها، وفي احايين كثيرة، دخولا لا واعيا في
معطيات الحضارة المعاصرة، اي الحضارة الغربية، وتبنيا تلقائيا وسهلا لكثير من المناهج والتيارات والمفاهيم, فثمة جانب لا واع في عملية التعولم يتخفى وراء
الجانب الواعي, وحين اقول يتخفى فما ذلك الا لأن الانسان لا يدرك عادة ما يسكن لا وعيه، وانما يتضح ذلك لمن يقرأه او يتأمل اعماله فيكتشف المؤشرات الى ذلك,
تدخل العولمة اذا الى ثقافتنا عبر طريقين بارزين، واع ولا واع، وينسحب ذلك على جانبي الثقافة المشار اليهما، ثقافة المثقفين، او ثقافة الخاصة، وثقافة
العامة التي لا تتوقف حدودها عند غير المثقفين وانما تشمل المثقفين ايضا, فمهما توغل الانسان في التثقف والعلم سيظل نتاج ثقافة شعبية تسكنه وتشكل لا وعيه,
ولعل هذا ما يفسر تماثل جانبي الثقافة الشعبي والعالم في التبني السهل احيانا لمعطيات الحضارة الغربية، الشاب الذي يلبس القبعة بالمقلوب ويحرص على اكل
الهامبورجر ويستمع الى اغان لا يكاد يفقه معاني كلماتها،لا يختلف من حيث النوع عن ناقد ادبي يتبنى منهجا لم يتأمل في مدى تناسبه مع المادة الادبية التي
يدرسها او البيئة الثقافية التي افرزت تلك المادة, كلاهما يمارس الانغمار في ثقافة اخرى تكتسحه بحضورها الطاغي، بعالميتها وجاذبية الاندماج فيها وسهولة
تبني معطياتها, فتجده ينتقل من منهج الى اخر ويطلق الشعارات حسب الموضة، فهو تارة بنيوي واخرى نسوي، وبعدها ثقافي، على نحو لا يختلف كثيرا عن الكيفية التي
يغير بها الشاب شكل قبعته ولون حذائه,
لكن هذا الجانب اللاواعي في العولمة الثقافية لا ينبغي ان ينسينا ذلك الجانب الواعي في تعولم ثقافة الخاصة، او غير الشعبية, فبينما تمارس العولمة الثقافية
حضورها الشامل لتنتشر لدى مختلف فئات المجتمع وفي مختلف الاشكال من طريقة الاكل الى طريقة اللباس الى تبني المصطلحات والمناهج، فإنها تحضر لدى البعض كخيار
عقلاني متعمد يدرك ما امامه من مشكلات وتحديات، ولكنه لا يجد مفرا من التبني احيانا ومن التحاور احيانا اخرى, لكنه في كل الحالات لا يستطيع ان يغمض عينيه
عما يجري حوله, وفي تقديري ان المقاومة التي تبذلها ثقافة غير غربية في مقاومة العولمة الغربية يتم على هذا المستوى، مستوى المثقفين الذين يدركون ضرورة
الانفتاح ومخاطره في الوقت نفسه, وسأزيد ذلك تفصيلا بالانتقال الى امثلة ملموسة من تاريخنا الثقافي العربي الحديث,
يدرك كل من تتبع مسيرة الثقافة العربية الحديثة منذ عهد الاحياء في القرن التاسع عشر وحتى اليوم ان السؤال الذي ظل يلح دائما على خاصة مثقفينا من مفكرين
وادباء ونقاد هو: كيف يمكن الافادة من الثقافة الغربية دون الذوبان فيها؟ فمن الافغاني وخير الدين التونسي الى طه حسين ومحمد عابدالجابري وشكري عياد ظل
هذا السؤال يطرح نفسه المرة تلو الاخرى، لتأتي اجاباته متفاوتة بتفاوت التوجهات من مثقف الى اخر، بل لدى المثقف الواحد في مراحل مختلفة من حياته, فاذا
كانت النهضة العربية الحديثة ، كما يقول الجابري، اساسا، ومنذ البداية، وليدة الصدمة مع قوة خارجية ومهددة، قوة الغرب وتوسعه الرأسمالي والاستعماري ، فان
الغرب ظل يطرح نفسه دائما لا كعدو فقط وإنما بوصفه العدو والنموذج في الوقت نفسه 3 ومن هنانشأت ازمة المثقف العربي المنتج للثقافة بين غرب يتعلم منه وغرب
يقاومه, والجابري نفسه احد النماذج المطروحة هنا في معايشة تلك الازمة حين يتبنى اطروحات فلسفية ومنهجية غربية في دراسة العقل العربي، كما بين لنا جورج
طرابيشي في تحليله لأعماله,
وقدفيها، كما في نقده للجانب الايديولوجي من تيار الحداثة: واصحاب الحداثة- كبارهم وصغارهم- يتجاهلون نقائص الحضارة الغربية مع علمهم بهذه النقائص، وكأن
ايمانهم بتفوق العقل الغربي أونجاح المجتمع الغربي بلغ حد الايمان بقدرتهما على التغلب على جميع المشكلات، أو كأن التفكير في نقائص الحضارة الغربية يجب ان
يؤجل الى ان نصبح جزءا من هذه الحضارة بالفعل 5,
والواقع ان عياد على الرغم من تناقض موقفيه يقدم انموذجا مميزا لكيفية التعامل مع الحضارة الغربية، فهو في الوضع الاول، حيث يتبنى وحدة الحضارة، يقدم
قراءة مميزة بوعيها ومساءلتها للبنيوية، احدى افرازات الفكر الغربي الحديث، وذلك بالكشف عن نقاط قوتها وضعفها والاشارة الى خلفيتها الفلسفية, كما انه في
الموقف الثاني يدعو مرة اخرى الى تعامل واع عبر نقد التجارب العربية السابقة في توظيف الفكر الغربي, والناقد في الحالتين يبرز اسلوبا هاما في مواجهة ما
اسميته تحديات العولمة، او لعله احد اسلوبيين رئيسين في تلك المواجهة، اي اسلوب قراءة الحضارة وتناولها تناولا نقديا يسعى لاستكشاف ما يمكن الافادة منه
فيها او هضمه من معطياتها,
الاسلوب الآخر هو تفعيل او تنشيط الخصائص المميزة للثقافة المقاومة، وهي هنا الثقافة العربية الاسلامية, وسأتوقف عند هذين الاسلوبين بعد قليل, هنا اود ان
الفت الانتباه الى ان العولمة الثقافية على الجانب العام من الثقافة تختلف عن الجانب الآخر غيرالعام في انها لا تفرض من خلال انماط استهلاكية اقتصادية
واجتماعية محددة, فنحن لا نتلقى النظريات والفلسفات من خلال القنوات الفضائية او من خلال شبكات المطاعم، بل ان الغرب لا يحرص على توصيل تلك الاشكال
الفكرية والحضارية العليا في ثقافته الى العالم بترجمتها وترويجها، ولكن العالم غير الغربي هوالذي يذهب الى تلك ويتبناها، او بالاحرى تتبناها فئة معينة من
هذه الثقافة او تلك ثم تتبعها الجمهرة الكبرى بشكل واع او لا واع, وشكري عياد نموذج حي لهذا النوع من التبني الاختياري، فالمعروف انه من اوائل من تبنوا
المنهج الاسلوبي في دراسة الادب، وهو منهج غربي في كثير من اسسه النظرية وان وجد ما يشبهه في الموروث الثقافي العربي, لكنه لم يلبث ان عاد بعد ان تقدمت به
التجربة الى التخلي عن ذلك المنهج في صالح ما يسمى بالتفسير الحضاري للادب, وبالطبع فهذا النوع من الاختيارات لا يحدث عادة على المستوى الشعبي حيث تتبنى
العادات والانماط السلوكية والاستهلاكية الغربية دون تفكير,
ولكي يتضح البعد العالمي لإشكالية العولمة الثقافية الغربية، وانها ليست مشكلة محصورة في نطاقنا الثقافي في هذه المنطقة، ألمح بسرعة الى كيانين حضاريين
كبيرين يعانيان ايضا من تلك الظاهرة الكاسحة، هما الصين واليابان, يقول الروائي الصيني تشيان تشونغ شو في روايته الحصن محاصرا : قد يبدو من السخيف ان يذهب
شخص متخصص في اللغة الصينية الى الخارج لدراسة تلك اللغة دراسة عليا, ولكن حقيقة الامر هي ان المتخصصين في الادب الصيني وحدهم هم المضطرون اضطرارا حتميا
للسفر الى الخارج، لان كل الموضوعات الاخرى كالرياضيات والفيزياء والفلسفة والاقتصاد والقانون، التي استقدمت من الخارج، قد تم تغريبها 6, ونسمع شكوى
مشابهة من باحث ياباني يرى فيها ان دخول الادب المقارن الى اليابان حصر فترة دراسة الادب الياباني في فترة اسرة ميجي 1868- 1912 لانها فترة بدء التغريب
في الثقافة اليابانية الحديثة 7 ,
الخصوصية الثقافية ومواجهة التحديات:
بعد هذه الملاحظات حول العولمة وانعكاساتها في الثقافة العربية وبعض ثقافات العالم الاخرى، يبقى ان اشير الى نقطتين: الاولى هي مظاهر الخصوصية في ثقافتنا
العربية، والثانية هي مواجهة تحديات العولمة, والنقطتان متداخلتان بطبيعة الحال، اذ لا مواجهة بلا خصوصية، ولا خصوصية دون مواجهة,
لقد شغلت ككثير من الباحثين بتتبع مظاهر الخصوصية في الثقافة العربية، لا سيما في الادب والنقد، واتضح لي ان منهج المقارنة النقدية هو المجال الذي تتضح
فيه تلك الخصوصية في اجلى صورها, فأنت لا تعرف اختلاف الشيء عن غيره الا بمقارنته بذلك الغير, ولان الموضوع طويل فسأختار نموذجين ادبيين تتضح فيهما
الخصوصية المشار اليها، من حيث ان كليهما متصل بعملية المثاقفة مع الغرب، تلك العملية التي تعبر كما اسلفت عن شكل من اشكال العولمة الثقافية,
المثال الاول مستمد من الفترة المعروفة في تاريخ الادب العربي الحديث بالفترة الرومانسية، وهي الفترة التي ابتدأت بالعشرينيات تقريبا من هذا القرن وانتهت
بالخمسينيات على وجه التقريب ايضا, ومن المعروف ان تلك الفترة تمثلت في اعمال عدد من الجماعات الادبية كالمهجريين وجماعة الديوان وجماعة ابوللو, كما ان من
المعروف ان صفة الرومانسية هي ما اطلقه مؤرخو الادب على تلك المجموعات وذلك لما لاحظوه من شبه بينها وبين الفترة الرومانسية في الآداب الغربية, لكن دارسين
آخرين جاءوا فيما بعد ليسائلوا دقة تلك التسمية على اساس ما تبين من اختلافات بين شعراء تلك المرحلة ونقادها ومن يفترض انهم نظراؤهم في الغرب, فمع الوعي
ببعض الصفات المشتركة بين الحركتين الرومانسيتين رفض الاتباعية، ابراز الذات، التغني ببعض مظاهر الطبيعة، الخ نلاحظ بعض الاختلافات الجذرية في الاسس, ومن
تلك ان الرومانسيين العرب لم يتبنوا ما يشبه الحكايات الرومانسية التي استعادها الغربيون من تراثهم في العصور الوسطى والتي ادت، في اقوى التفسيرات، الى
تسميتهم بذلك الاسم, كما ان من ذلك اختلاف مفهومي الطبيعة والخيال، الاساسيين، عما يقابلهما في الرومانسية الغربية, فالطبيعة عند معظم الرومانسيين العرب
هي الحقل او البستان ذو الكروم او النهر المحاط بالحياة البشرية، وذلك على عكس الطبيعة العذراء الموحشة احيانا وذات البعد الألوهي احيانا اخرى لدى
الرومانسيين الغربيين, الى غير ذلك من اختلافات دفعت بناقد مثل عبدالقادر القط الى اقتراح مسمى الوجداني بدلا من الرومانسي لوصف المقابل الادبي العربي,
بل ان ممن تنبهوا الى مظاهر الخصوصية تلك باحثة امريكية اصدرت مؤخرا كتابا عن بدر شاكر السياب انتقدت فيه استمرار النقاد والمؤرخين العرب في اعتمادهم على
التقسيمات التاريخية الغربية في وصف مراحل الادب العربي كالكلاسيكية والرومانسية وما اليها 8 وفي دراستها للسياب تتوقف الباحثة عند تأثره ببعض الكتاب
الغربيين المحدثين مثل ت,س, إليوت وغيره، ولكنها تلاحظ الوجوه التي ظل فيها الشاعر العربي مختلفا بشكل بارز عمن تأثر بهم، كأنه كان يلامس اولئك ملامسة
تبقيه ضمن السياق العربي، كما في توظيفه للاسطورة ونظرته للمستقبل، الى غير ذلك من تفاصيل لا يتسع المقام لذكرها,
هذه الخصوصية التي تطالعنا على كافة مستويات الثقافة العالمة موجودة بالتأكيد على مستوى الثقافة اجمالا عالمها وشعبيها، وما نعيشه هو في واقع الامر صراع
بين قيم متغايرة، صراع لا يكاد يعرفه الغرب الذي يرسل الينا مشكلاته وحلوله فنعيشها على تربة مغايرة، بينما يعيش هو صراعاته الخاصة التي يقل فيها المستورد
ويكثر الاصيل,
,
في الطريق الاول نواجه الغرب برؤية نقدية لا تتردد في قراءة الثقافة الغربية والتفاعل معها، ولكنها تنظر اليها كخيار حضاري له خصوصيته ومشكلاته التي تجعله
بمنأى عن امكانية التبني الكامل لكل من اراد, فدعاة التغريب لم ينجحوا لاستحالة ما يدعون اليه، كما ان دعاة الانعزال لم ينجحوا لاستحالة ذلك ايضا, في
الحالة الاولى تقف الاختلافات الحضارية العميقة، اختلاف الخلفيات والاسس، حاجزا دون امكانيات التماهي مع الغرب، وفي الثانية يحضر الغرب بيننا في عولمة
تجعل العزلة مستحيلة اصلا, ويبقى بعد ذلك الخيار الاصعب، وهو الموقف المشار اليه والمنقسم الى طريقين، احدهما نقدي متفاعل مقتنع في النهاية انه لا توجد
حلول مثالية، بمعنى ان التفاعل لن يؤدي الى وضع طوباوي نأخذ فيه من الغرب ما نحتاج اليه فقط ونترك ما نحتاج، فهذا تصور بعيد عن الواقع, لكن المطلوب هو
مقاربة واقعية تحاول احداث التفاعل المسؤول والمدرك لاستحالة النقاء الكامل,
اما الثاني فهو الخيار الذي يسعى الى قراءة الذات الثقافية الكامنة في التراث وفي الواقع المعاش وتفعيل كل طاقاتها الكامنة، والمتمثلة في الخيارات التي لم
تتخذ، كالافكار المهملة والعلوم المتروكة والعادات المميزة، الى غير ذلك، دعما للخصوصية الثقافية في مواجهة مخاطر الانمحاء او الانمساخ, ويعطينا احد
الباحثين العرب، وهو رشدي راشد، امثلة حية من علوم اخترعها وطورها العرب والمسلمون في مسيرتهم الحضارية الاولى ثم اندثرت في سياقنا الحضاري لتطورها اوروبا
فيما بعد في سياق مختلف وعلى نحو مختلف ايضا, ومن تلك علم القواميس الذي طوره الخليل بن احمد من اساسه الديني كقوائم تحفظ الدلالات المقدسة للقرآن الكريم
الى معجم لمجمل كلمات اللغة, كما ان منها علم الميقات الذي افاد من علم الهيئة اليوناني في تطوير علم لتحديد ازمنة الصلوات ومواقيت الصوم والحج, وقد استمر
تطور هذا العلم الى ان جاء ابن الشاطر في نهاية القرن الرابع عشر الميلادي ليطور فيه نموذجا كوكبيا يشبه ما جاء به كوبرنيكوس بعد ذلك بقرن ونصف، ولكن دون
ان ينال ما ناله الفلكي الغربي من تقدير ،- عدنان محمود: مقاربة اولية لتداعيات العولمة على المجتمع العربي مجلة الفكر العربي صيف 1998 ع 93، ص 146,
،3-اتمنى انى اكون قدمت موضوع جيد
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ساهي العيون
04-15-2006, 02:02 PM
أخوي اميل دور كايم

موضوع جميل ومشكور على النقل

ولكن نحن بحاجة أختصار للموضوع بما يُسهل عملية التصفح

تقبل تحياتي