ياسين علي
03-21-2006, 09:00 PM
عنوان النص: نحو نظرية تأسيسية لدراسة المجتمع من وجهة نظر إسلامية
اعداد: ياسين بن مصطفى
تمهيد
كثرت في الآونة الأخيرة الدعوات إلى إنشاء "علم اجتماع إسلامي"، وهي دعوات محمودة إذا روعي فيها المنهج السليم، وتركز فيها الجهد على إنشاء الجديد المنفصل عن وجهة النظر الغربية. ومساهمة مني في هذا المشروع المعرفي الحضاري الخطير، أقدّم إلى الباحثين في هذا الشأن، والمثقفين بصفة عامة، هذه المقدمات الثلاث التي أحسبها ضرورية لمن رام تأسيس معرفة تعنى بدراسة المجتمع من وجهة نظر إسلامية.
المقدّمة الأولى
حول ضرورة التأسيس
ظهرت في الآونة الأخيرة دعوة إلى أسلمة المعارف، ومنها المعرفة المسماة "علم الاجتماع"، وهي عندي دعوة قاصرة تحمل في طياتها بذور خطئها. ذلك أنّ المعرفة، كما هي مُعرّفة في "علم الاجتماع"، تعني "مجموعة المعاني والمعتقدات والأحكام والمفاهيم والتصورات الفكرية التي تتكون لدى الإنسان نتيجة لمحاولات متكررة لفهم الظواهر والأشياء المحيطة به." (1) والملاحظ في هذا التعريف تأكيده على خصوصية المعرفة، لأنّ المعاني والمعتقدات والأحكام والمفاهيم والتصورات الفكرية المفسرة للظواهر والأشياء المحيطة بالإنسان، تنبع من رؤية حضارية خاصة متعلقة بالإنسان والكون والحياة والمجتمع. لذلك، كانت المعرفة بعامة، و"علم الاجتماع" بخاصة، قضايا ومقولات وموضوعات ومحمولات مخصوصة برؤية كونية ومعايير فكرية وقيمية لا يمكن ادعاء الاشتراك فيها والعموم.
والرأي الراجح في نظري هو ما طرحه بعض الباحثين من ضرورة تأسيس "علم اجتماع إسلامي"، يراعي خصوصية الحضارة الإسلامية، وتميّز ثقافة الإسلام، وفرادة منظومته الفكرية والقيمية. إلاّ أنني رغم إقراري بضرورة التأسيس أخالف جملة من الباحثين في تأصيلهم لدواعيه، إذ إني أرى الضرورة منبعثة من الإسلام نفسه؛ لأنّ الأصل في سبب نشأة المعارف، العقيدة التي منها معارف تتضمنها وتبحثها، ومنها ما يبنى عليها، ومنها ما يقتضيه فهم ما يصدر عنها من الأحكام والمعالجات. وقد كان الداعي إلى نشأة "علم الاجتماع" في الغرب بروز توجه عقدي حديث تمثل في قطيعة مع المعارف الكلّية الموروثة وتأصيل للجديد الناتج عن حركة التنوير. إذ ظهرت الفكرة العلمانية، وبرزت الطريقة العلمية كمنهج معرفي، مما اقتضى من الغرب أن يعيد النظر في فهم المجتمع بعلاقاته ومؤسساته وظواهره، وتحليله وفق القاعدة الفكرية الحديثة والمنهج المعرفي الجديد. جاء في "القاموس السوسيولوجي": "تاريخيا فإن السوسيولوجيا (علم الاجتماع) هي وليدة الحداثة. وقد أصّل ظهورها المشروع العقلاني للتنوير الرامي إلى إحلال العلم محلّ الدين في كلّ المجالات." (2)
وبتتبع المسائل التي يبحثها "علم الاجتماع" نجد أنّ منها ما قد تضمنته العقيدة الإسلامية وبحثته، ومنها ما يبنى عليها، ومنها ما يقتضيه فهم ما ينبثق عنها. ومن ذلك، مسألة الدين أو المعتقد وأثره على الناس والمجتمع ودوره في الحياة مسألة تضمنتها العقيدة الإسلامية، ومسألة الأحكام التي تعالج بها القضايا المجتمعية مرتبطة بالفقه المبني على العقيدة الإسلامية، ومسألة اللغة من حيث مفهومها ودورها وتأثيرها مرتبطة بفقه اللغة الذي يقتضيه فهم ما انبثق عن العقيدة الإسلامية. إلا أنّ الفارق بين تلك المعارف إذا تناولناها مجردة وتعاملنا معها من غير منظور "علم الاجتماع"، وبين تناولها من منظور "علم الاجتماع" والتعامل معها كقضايا متصلة بالمجتمع، هو في التأكيد على بعدها المجتمعي من حيث التنظير والتطبيق. ومثال ذلك، فإنّ العقيدة الإسلامية قد تحولت إلى "علم توحيد" يضاهي "علم اللاهوت" عند الغربيين، فإذا تناولناها من خلال "علم اجتماع إسلامي" استطعنا أن نبرز بعدها العملي باعتبارها قوام المجتمع بأناسه وعلاقاته ومؤسساته. ومثال ذلك أيضا الفقه، فقد تحوّل إلى دراسة نظرية غير متصلة بالمجتمع، فإذا تناولناه من خلال "علم اجتماع إسلامي" استطعنا أن نعيد له بعده العملي باعتباره مجموعة الأحكام الشرعية التي تعالج بها شؤون الناس وقضايا المجتمع.
علاوة على هذا، فإنّ من ضرورات التأسيس حاجة الأمة الإسلامية إلى مثل هذه المعرفة، وليس مجرد محاكاة الغرب؛ لأنّ الأصل في كلّ معرفة تروم أمة من الأمم تأسيسها أن ترتبط بمدى الحاجة إليها. فقد رأى سلفنا ضرورة تأسيس معارف تتعلّق باللغة والأصول والفقه، فأسسوا علم النحو والصرف والبلاغة، وعلم الفقه وأصوله، وأبدعوا فيها أيّما إبداع واستفادوا وأفادوا.
والأمة الإسلامية اليوم أحوج ما تكون إلى معرفة إسلامية خالصة تبيّن واقع المجتمع، فتحلّل عناصره، وتحدّد شكله، وتصيغ مناهج تغييره، وتضبط مقاييسه وأنماط حركته، وتعيّن أنظمته ومؤسساته، إذ إنّ من المسائل الحيوية، كمسألة تغيير المجتمع والحكم وإنشاء الدولة وغير ذلك، ما يلزم فيها دقة المعرفة بالمجتمع ومتعلقاته. فإذا قال بعض الناس إن المجتمع مجموعة أفراد، وقال بعضهم الآخر إنه أناس تربط بينهم علاقات دائمية، اختلف تعريفهم للمجتمع، واختلف تبعا له تحديدهم لمنهج تغييره والعمل فيه.
ثمّ إنّ قيام المجتمع الإسلامي يحتاج إلى أحكام ضابطة لحركته، وإلى تحديد لسبل المحافظة عليه واستمراريته، وهو أمر يستلزم دراسة معمقة مرتبطة بالكتاب والسنة، يقع من خلالها بيان حقيقة المجتمع الإسلامي من حيث أسسه وشروطه، ومناهج الإصلاح فيه والتغيير، وآليات المحافظة عليه.
بناء عليه، فإني أرى من الضروري أن يهتم المسلمون بهذه المعرفة المتعلقة بالمجتمع، وأن يعتنوا بشأن هذا الفنّ، وهو أمر لا يتأتى إلا إذا انصرفت همة بعض الباحثين إليه مراعين فيه جملة من الشروط هي موضوع المقدمة الثانية.
المقدمة الثانية
حول أسس التأسيس
إذا أردنا حقيقة تأسيس فنّ يعنى بدراسة المجتمع دراسة معمّقة مؤصلة، فعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار النقاط التالية:
1 . مراعاة الفرق بين التأثر والانتفاع
لقد سبق الغرب المسلمين في تأسيس هذا الفن المعرفي المسمى "علم الاجتماع"، فأصّل أصوله، وقعّد قواعده، وبوّب أبوابه ومباحثه، وشرح مسائله وغاياته، وحدّد طرائقه ومناهجه. لذلك كان من الطبيعي أن يتعامل المسلمون مع هذا الواقع، وأن يقبلوا على دراسات الغرب في هذا الفنّ الخطير محاولين فهمه والاستفادة منه. وكان من الطبيعي أيضا أن نحدّد كيفية التعامل معه، مبينين المنهج السليم المتعلّق بالقبول أو الردّ والأخذ أو الترك.
وأحسب أنّ المنهج السليم يكمن في بيان الفرق بين التأثر والانتفاع. ذلك أنّ التأثر يعني تتبع الشيء، فيفيد معنى التأسي والاقتداء، ويفيد معنى أخذ القدر اللازم لحصول أثر من المؤثر في المتأثر. فلو قلنا إنّ الدواء أثّر في فلان، لكان معناه أحدث فيه مفعوله. ولو قلنا إنّ الفكرة أثرت في علاّن، لكان معناه أنها تركت فيه أثرا في عقليته وميوله وسلوكه. ولو قلنا إنّ فلانا متأثر بعلاّن، لكان معناه أنه يتتبّع أثره. ولو قلنا إنّ المسلمين تأثّروا بما يسمى "علم الاجتماع"، فمعناه أنّهم أخذوا بقدر منه يترك بصمته عليهم. هذا إن لم نقل إنهم أخذوه بقضّه وقضيضه، وتتبعوه شبرا بشبر وذراعا بذراع، فنهجوا نهجه وقالوا بقوله في كبريات الأمور وصغرياتها.
والواقع، أن التأثر بما يسمى "علم الاجتماع" يفيد دراسته وأخذ ما حواه من نظريات، ومفاهيم، ومقاييس، ومناهج، ونتائج، ونسبتها إلى الإسلام. وهو أمر واقع، ومشاهد محسوس، تدلّ عليه أغلب الدراسات المعاصرة في "علم الاجتماع" التي ألفها مسلمون أو من يحسب على الإسلام، إذ لا فرق بين الأعمال "الإسلامية" وبين الأعمال الغربية، لا في الشكل ولا في المضمون. ولا يخفى على عاقل بصير مدى الخطأ في هذا النهج الذي لا يلحق بالإسلام أي نفع منه إلا النسبة، فيقال "علم الاجتماع الإسلامي" مع أنه في حقيقته متغرّب حتى النخاع.
أمّا الانتفاع فهو الاستفادة من "علم الاجتماع الغربي" بدراسته دراسة معمقة نقدية، يقع فيها الفصل بين البحوث الفكرية الصرفة التي تعنى بدراسة الواقع دراسة موضوعية غير مربوطة بأيديولوجية معينة وزاوية نظر خاصة، وبين البحوث المتأثرة بأيديولوجية معينة والنابعة من رؤية حضارية وثقافية خاصة، كما يقع فيها أيضا الفصل بين قوالب المعاني الفكرية وتعبيراتها، وبين مدلولاتها الثقافية وتصوراتها. فيحصل من تطبيق هذا المقياس الاطلاع على معرفة الآخر، والوقوف على مواطن الضعف والقوة فيها، والاستفادة منها بتخصيب المعرفة الإسلامية وتطويرها.
وأحبّ في هذا السياق، أن أذكر نموذجا من تاريخ المسلمين الأوائل يبين كيفية تعاملهم مع معرفة الآخر، وأعني أخذ العبرة من طائفتين؛ المتكلمة والفلاسفة. فقد أخذ المتكلمة، كالمعتزلة، المنطق اليوناني ككيفية بحث وتفكير من أجل الحجاج عن العقائد الإسلامية، فهم قد أخذوا الفنّ وطوروه دون أن يتأثروا بمقولاته ومضامينه المناقضة لعقيدتهم. وأما الفلاسفة، كالفارابي وابن سينا وابن رشد، فقد أخذوا المنهج بمضامينه ومقولاته وخلطوه بالأفكار الإسلامية، حتى قال قائل منهم إنّ الله "يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات" و"الحكمة أفضل من النبوة". ويؤكد حاجي خليفة هذا بقوله: "الطريق إلى هذه المعرفة (يقصد معرفة المبدأ والمعاد) من وجهتين: إحداهما طريقة أهل النظر والاستدلال، وثانيهما طريقة أهل الرياضة والمجاهدات. والسالكون للطريقة الأولى إن التزموا ملة من ملل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهم المتكلمون، وإلا فهم الحكماء المشاءون. والسالكون إلى الطريقة الثانية إن وافقوا في رياضتهم أحكام الشرع فهم الصوفية، وإلا فهم الإشراقيون." (3)
ولكي أتجنب التجريد في هذه المقدمة أضرب بعض الأمثلة:
المثال الأول: يقول السوسيولوجيون، "علماء الاجتماع"، إن القيادة (Leadership) عند البشر بمعنى اتخاذ القرار تتمثّل في ثلاثة أساليب هي: الأوتوقراطية وتعني أن يكون القرار كله بيد فرد واحد، والديمقراطية وتعني أن يكون القرار بيد الجميع، والحرية المطلقة، ويعبر عنها بقولهم (Laisser-faire)، وتعني أن يترك الجميع وشأنهم فيقرر كلّ منهم لنفسه. (4)
هذا القول بحث في واقع القيادة عند البشر هل هي جماعية أم فردية؟ فإذا أردنا، نحن المسلمين، أن ندلي بدلونا في هذا البحث، فعلينا أن نميز بين البحث العقلي في واقع ما يتعلق بالبشر جميعهم، وبين البحث الشرعي المتعلق برؤية الإسلام في القيادة. فنقول، إن وصف "علماء الاجتماع" للواقع صحيح، إذ إن القيادة قد تكون جماعية وقد تكون فردية، ولكن هل يتسم هذا الوصف بالشمول والاستيعاب؟ الواقع أنه قاصر لأنّ القيادة تتمثّل في مرحلتين؛ المرحلة الأولى هي اتخاذ الرأي، والمرحلة الثانية هي اتخاذ القرار. وإذا نظرنا إلى واقع القيادة في الإسلام وجدناها تجمع بين المرحلتين، أي اتخاذ الرأي واتخاذ القرار. ووفق الإسلام فإن اتخاذ الرأي جماعي يتمظهر في الشورى، وأما اتخاذ القرار ففردي يتمظهر في صلاحية الإمام في إمضاء الأمور. لذلك كان الإسلام غير أوتوقراطي وغير ديمقراطي بل هو نموذج فريد في القيادة.
من خلال هذا المثال الأول درسنا الواقع مستفيدين من دراسة الغرب، إلا أننا أضفنا الجديد، وأبرزنا الواقع الشرعي للمسألة دون تأثر بما قرّر الغربيون وفق تصورهم الأيديولوجي.
المثال الثاني: يقول السوسيولوجيون إن التفكير السوسيولوجي يتمثّل في النظرة إلى المجتمع من منظور معين، أي رؤية المجتمع وعلاقاته من زاوية خاصة تتمظهر في أمور منها حسب قولهم، (seeing the strange in the familiar)، أي رؤية الغريب في المألوف. ومثال الفكرة المألوفة ظنّ الناس أن سلوكهم نتاج للإرادة الحرة، فيأتي "عالم الاجتماع" ويبين الفكرة الغريبة القائلة بأنّ سلوك الناس في العرف السوسيولوجي نتاج للمجتمع وتأثيره. (5)
وبمستطاعنا إن شئنا أخذ هذا المعنى، أي القول برؤية الغريب في المألوف، واعتباره كمنظور يقيس به الدارس للمجتمع أبعاد السلوك البشري، ولكن مع التحرز عن أخذ الفكرة المنزلة على الواقع، لأنّ السلوك في التصور الإسلامي نابع من إرادة الإنسان واختياره القائم على عقله مناط التكليف. وأمّا المجتمع فيؤثر في الإنسان بلا ريب، إلا أنّ تأثيره لا يحدّ من إرادته وتحمله لمسؤولية أفعاله وأقواله. لذلك، فنحن نأخذ المقياس كقالب تعبيري يعبّر عن منظور صحيح، ولكننا نردّ مضمونه المحكوم بتصور مناقض لوجهة النظر الإسلامية.
2 . الحرص على الإنشاء والإبداع
إنّ النزوع إلى تأسيس معرفة إسلامية خالصة تعنى بدراسة المجتمع شيء جميل وقصد حسن بشرط الحرص على التحرّر من الآراء السابقة عن هذه المعرفة. ذلك أن التأسيس المراد، لا يجب أن يكون مجرد محاكاة للآخر، بل يجب أن يكون مدفوعا بالحرص على إنشاء الجديد وإبداع الحديث مما يعطي لما أسسناه قيمته المستحقة. وهذا أمر يقتضي منا التمتع بعقلية نقدية نيّرة قادرة على كشف كنه الأمور، وتبيين محاسنها من مساويها، وخاصها من عامها. كما يقتضي منا أيضا ديمومة الربط بين الواقع، والمعطيات والمجريات، وقواعد الإسلام الأساسية والفرعية.
وكمثال تطبيقي، آخذ تسمية الفنّ المعرفي ذاته أي "علم الاجتماع". فقد أقرّ أغلب الباحثين، حتى الذين دعوا إلى ضرورة تأسيس معرفة منفصلة عن الغرب، بالتسمية دون نظر فيها. والحقيقة أنّ إقرار المصطلح، "علم الاجتماع"، يدلّ على تأثر أو على بقايا تأثر في عقلية الباحث، لأنّ الغرب اصطلح على تسمية هذا الفنّ المعرفي بالعلم لسبب منهجي فكري يتمثّل في تبنيه للطريقة العلمية كأساس معرفي. فقد عنى الغرب بقوله "علم الاجتماع" أن الدراسة للمجتمع وظواهره المختلفة قائمة على المنهج العلمي التجريبي. لذلك إذا أردنا أن نضع حجر الأساس لمعرفة فعلينا أن نبدأ بالتسمية التي تدلّ على جملة من المعان والمفاهيم المرتبطة بعقلية الغرب الخاصة في فهمه للكون والحياة والمجتمع والإنسان. فالبداية إذن تكون بسؤال: هل نقرّ اصطلاح "علم" أو لا؟ وبعبارة أخرى هل يصلح العلم التجريبي لدراسة المجتمع بعلاقاته وأناسه ومؤسساته أو لا؟
3 . التمايز الحضاري
بالرغم من أنّ أغلب "علماء الاجتماع" الغربيين يقرّون بنسبية الثقافة والعادات والتقاليد والقيم والمقاييس، ويعتبرونها متفاوتة بين الشعوب والمجتمعات، إلاّ أنّ من المسلمين من لا يزال يصرّ على أحادية ثقافة الغرب فلا ينطلق في تفسيره للمجتمع إلا منها، ولا ينزّل معالجة للواقع إلا من خلالها. وهو أمر مستهجن لسببين: أولهما، أنّ الغربيين أنفسهم يراعون التفاوت الثقافي والحضاري حين تطرقهم لدراسة المجتمعات غير الغربية، فما يفتئون يذكّرون بوجوب مراعاة النسبية في الثقافة والقيم وأنماط العيش وطرز الحياة. وإذا كان الأمر كذلك، فمن العجب أن يتنكّر مسلم لمبدئه فيفسر مجتمعه ويحلله وفق مبدأ الغير. ثانيهما، أنّ الإسلام متميّز في ثقافته، وحضارته، ومعالجاته ومناهجه عن بقية المباديء، تميّزا يتمثّل في شمول أحكامه وقواعده وارتفاعها عن مفهوم الزمان والمكان بحيث تصلح للتنزيل والتطبيق في كلّ الأزمنة والأمكنة، كما يتمثّل أيضا في خصوصية نظرته إلى المجتمع ومكوناته، ومؤسساته، وحركته إنشاء وتغييرا وثباتا.
لذلك فالأصل أن يراعي الباحث التمايز بين الحضارات واختلاف نظرتها إلى الأمور.
4 . الفصل بين العقلي والنقلي
من الأمور الواجب مراعاتها أثناء البحث في المجتمع، الفصل بين ما يحكم فيه العقل وبين ما يحكم فيه النقل أو الشرع. فلا يعني قولنا بتأسيس معرفة تعنى بدراسة المجتمع من وجهة نظر إسلامية أن نقحم الشرع والنص الديني في كلّ مسألة من المسائل، إذ إنّ من الأمور ما ترك الشرع فيها للعقل فسحة يبدع فيها ويتفنّن. من ذلك، فإنّ الشرع لم يحدّد مفهوم المجتمع، وترك أمر تحديده للعقل البشري، ولكنّه حدّد نوع العلاقات الواجب وجودها في مجتمع مخصوص هو المجتمع الإسلامي. لذلك، على الدارس المسلم للمجتمع أن يفصل بين الدراسة المجردة للمجتمع التي تعنى بالواقع من حيث هو دون وصفه المبدئي أو الأيديولوجي، وبين الدراسة المحكومة بقواعد المبدأ أو الأيديولوجية. فيقول مثلا، إنّ المجتمع من حيث هو مجتمع يتكوّن من عناصر أساسية منها النظم المطبقة فيه، ووصف النظم هو الذي يصبغ المجتمع بصبغة خاصة، فإن كانت إسلامية كان المجتمع إسلاميا، وإن كانت شيوعية كان المجتمع شيوعيا. فيتحصّل من كلامه أن للمجتمع واقعا عاما تدركه كلّ الناس، وواقعا خاصا تميّزت به مجموعة من الناس.
وأحسب أنّ هذه النقطة من أهم النقاط الواجب مراعاتها لأنّها تسم أبحاثنا بالنزاهة والموضوعية، وتعطي لمعالجاتنا المصداقية.
المقدمة الثالثة
حول مسمّى المعرفة
تعرضت في المقدمة الثانية إلى نقد مسمى المعرفة، أي إلى نقد اصطلاح "علم الاجتماع"، وأشرت إلى أن بداية التأسيس تكون بالنظر في المسمى، لهذا فإني أتعرض إلى هذه المسألة هنا مقترحا الاصطلاح على هذا الفنّ المعرفي بقولنا، فقه المجتمع. والداعي إلى هذا الاصطلاح أمران:
أولهما، أنّ كلمة فقه في الثقافة الإسلامية تطلق على معنيين؛ لغوي واصطلاحي. فالمعنى اللغوي لكلمة فقه يفيد فهم الشيء والعلم به. وأما المعنى الاصطلاحي فيفيد في عرف المتشرعة العلم بالأحكام الشرعية العملية المستفادة أو المكتسبة من أدلتها الشرعية التفصيلية. ومما يجب التنبيه إليه، أنّ كلمة "العلم" الواردة في سياق شرحنا للمفهوم اللغوي والاصطلاحي لكلمة "فقه" تفيد المعنى اللغوي أي إدراك الشيء، وأما في عصرنا اليوم فتفيد كلمة العلم مفهوما اصطلاحيا يعني المعارف المستقاة عن طريق الملاحظة والتجربة.
وقد استحسنت التواضع على كلمة "فقه" لما رأيت فيها من جمع بين معنيين يمثلان جوهر دراسة المجتمع من زاوية نظر إسلامية. إذ تدلّ من جهة على مطلق الفهم للواقع، فتجمع بين الفهم العقلي والشرعي، وتفيد المنهج الفكري والعلمي عند من يقول بهما أو بأحدهما. وتدلّ من جهة ثانية على خصوصية إسلامية، إذ إنّ المعالجات التي يعرضها الدارس المسلم للمجتمع، كعلاقات ومؤسسات، تنبع من الشريعة الإسلامية وتتمظهر في جملة من الأحكام العملية مستنبطة من أدلة شرعية تفصيلية.
ثانيهما، أنّ الإقرار باصطلاح " الاجتماع" فيه مغالطة كبرى تنمّ عن عدم الإدراك الدقيق لهذا الفنّ المعرفي من حيث أصوله وفروعه ومباحثه وغاياته وموضوعاته. إذ إن هذا الفن المعرفي لا يبحث في الاجتماع بقدر ما يبحث في العلاقات، والتفاعلات، والظواهر، والتأثيرات في المجتمع. ومثال ذلك، فإنّ ما يسمى "علم النفس الاجتماعي"، وهو فرع من فروع "علوم الاجتماع"، لا يبحث في الاجتماع بل يبحث في تأثير المجتمع ككل (Social Influence) على الأفراد والجماعات، ولا يعنيه إن وجد اجتماع حقيقة أو لا. لذلك يعرّف هذا الفنّ بقولهم: "هو دراسة علمية للكيفية التي يحصل بها تأثر أفكار الناس، ومشاعرهم، وسلوكياتهم بحضور الآخر، سواء أكان حضوره واقعا أم متخيلا." (6)
والعلاقات، والتأثيرات، والتفاعلات في المجتمع لا يشترط فيها الاجتماع، فهي توجد بوجود الاجتماع، ولا تنعدم بانعدامه. ويعتبر الناس في مجتمع ما أعضاء المجتمع، سواء اجتمعوا أو تفرقوا. ثمّ إنّ الاجتماع قد يوجد ولا يوجد المجتمع، من ذلك اجتماع آلاف على سفينة، فهو اجتماع وليس بمجتمع. ومن ذلك أيضا، اجتماع الرجل بالمرأة، فهما زوجان أو عائلة وليسا بمجتمع.
علاوة على هذا، فإنّ من مباحث ما يقولون عنه "علم الاجتماع" ما لا علاقة له بالاجتماع، كالبحث في الاقتصاد والحكم والسياسة، فكلها لا يرى فيها الاجتماع بقدر ما يرى فيها العلاقة والتأثير.
لذلك فإنّ قول البعض عن "علم الاجتماع" إنه "كيفية الحياة البشرية من حيث الاجتماع" يعتبر من الأقوال المغلوطة المفتقدة إلى الدقة. ولعلّ الخطأ في قول المسلمين "علم الاجتماع" نشأ من الترجمة الأولية، ثمّ أقرّ الاصطلاح تجوزا وظنا بنسبته إلى المجتمع. أمّا وقد عقدنا النية على تأسيس فنّ معرفي، فقد وجب علينا أن لا نقرّ إلا الصحيح الدقيق مراعاة للأصول والفهم السليم.
وعليه، فإنّ اصطلاح "فقه المجتمع" هو الأولى والأدقّ، والأشمل دلالة على هذه المعرفة الإسلامية.
والحاصل، إذا أردنا حقيقة إبداع فنّ معرفي يعنى بالمجتمع، فإنّ ما مر ذكره من نقاط يعتبر كافيا وأساسيا لبلورة نظرية تأسيسية لهذا المعرفة. ولا خلاف في أنّ الموضوع يحتاج إلى مزيد تعمّق وتفصيل، إلاّ أننا لا زلنا في طور بلورة الفكرة الأساسية، وصياغة المقدمات النظرية، وهو أمر يحتاج إلى الإجمال والتجريد والتقعيد أكثر من حاجته إلى التفصيل والتفريع. فإذا ما تمّت صياغة المقدمات النظرية للتأسيس والاتفاق عليها، سهل بعدها إقامة دعائم هذا الفنّ، وتبويبه، وتحديد موضوعاته واستمداداته، وتفصيل مسائله.
الهوامش:
1.معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، للدكتور أحمد زكي بدوي، ص234، مكتبة لبنان، بيروت 1993
2.ينظر: Dictionnaire de Sociologie, p.263, Hatier, Paris1997
3.نقلا عن "الفلسفة الإسلامية؛ دراسة ونقدا"، للدكتور عرفان عبد الحميد، ص22، مؤسسة الرسالة، بيروت 1984
4.ينظر: Sociology, John J. Macionis, pp.165-166, Prentice Hall, USA2002
5.ينظر المصدر نفسه، ص 2-3
6.ينظر: Social Psychology, Elliot Aronson, Timoty D. Wilson & Robin M. Akert, p.6, Prentice Hall, USA2004
(منقول)
اعداد: ياسين بن مصطفى
تمهيد
كثرت في الآونة الأخيرة الدعوات إلى إنشاء "علم اجتماع إسلامي"، وهي دعوات محمودة إذا روعي فيها المنهج السليم، وتركز فيها الجهد على إنشاء الجديد المنفصل عن وجهة النظر الغربية. ومساهمة مني في هذا المشروع المعرفي الحضاري الخطير، أقدّم إلى الباحثين في هذا الشأن، والمثقفين بصفة عامة، هذه المقدمات الثلاث التي أحسبها ضرورية لمن رام تأسيس معرفة تعنى بدراسة المجتمع من وجهة نظر إسلامية.
المقدّمة الأولى
حول ضرورة التأسيس
ظهرت في الآونة الأخيرة دعوة إلى أسلمة المعارف، ومنها المعرفة المسماة "علم الاجتماع"، وهي عندي دعوة قاصرة تحمل في طياتها بذور خطئها. ذلك أنّ المعرفة، كما هي مُعرّفة في "علم الاجتماع"، تعني "مجموعة المعاني والمعتقدات والأحكام والمفاهيم والتصورات الفكرية التي تتكون لدى الإنسان نتيجة لمحاولات متكررة لفهم الظواهر والأشياء المحيطة به." (1) والملاحظ في هذا التعريف تأكيده على خصوصية المعرفة، لأنّ المعاني والمعتقدات والأحكام والمفاهيم والتصورات الفكرية المفسرة للظواهر والأشياء المحيطة بالإنسان، تنبع من رؤية حضارية خاصة متعلقة بالإنسان والكون والحياة والمجتمع. لذلك، كانت المعرفة بعامة، و"علم الاجتماع" بخاصة، قضايا ومقولات وموضوعات ومحمولات مخصوصة برؤية كونية ومعايير فكرية وقيمية لا يمكن ادعاء الاشتراك فيها والعموم.
والرأي الراجح في نظري هو ما طرحه بعض الباحثين من ضرورة تأسيس "علم اجتماع إسلامي"، يراعي خصوصية الحضارة الإسلامية، وتميّز ثقافة الإسلام، وفرادة منظومته الفكرية والقيمية. إلاّ أنني رغم إقراري بضرورة التأسيس أخالف جملة من الباحثين في تأصيلهم لدواعيه، إذ إني أرى الضرورة منبعثة من الإسلام نفسه؛ لأنّ الأصل في سبب نشأة المعارف، العقيدة التي منها معارف تتضمنها وتبحثها، ومنها ما يبنى عليها، ومنها ما يقتضيه فهم ما يصدر عنها من الأحكام والمعالجات. وقد كان الداعي إلى نشأة "علم الاجتماع" في الغرب بروز توجه عقدي حديث تمثل في قطيعة مع المعارف الكلّية الموروثة وتأصيل للجديد الناتج عن حركة التنوير. إذ ظهرت الفكرة العلمانية، وبرزت الطريقة العلمية كمنهج معرفي، مما اقتضى من الغرب أن يعيد النظر في فهم المجتمع بعلاقاته ومؤسساته وظواهره، وتحليله وفق القاعدة الفكرية الحديثة والمنهج المعرفي الجديد. جاء في "القاموس السوسيولوجي": "تاريخيا فإن السوسيولوجيا (علم الاجتماع) هي وليدة الحداثة. وقد أصّل ظهورها المشروع العقلاني للتنوير الرامي إلى إحلال العلم محلّ الدين في كلّ المجالات." (2)
وبتتبع المسائل التي يبحثها "علم الاجتماع" نجد أنّ منها ما قد تضمنته العقيدة الإسلامية وبحثته، ومنها ما يبنى عليها، ومنها ما يقتضيه فهم ما ينبثق عنها. ومن ذلك، مسألة الدين أو المعتقد وأثره على الناس والمجتمع ودوره في الحياة مسألة تضمنتها العقيدة الإسلامية، ومسألة الأحكام التي تعالج بها القضايا المجتمعية مرتبطة بالفقه المبني على العقيدة الإسلامية، ومسألة اللغة من حيث مفهومها ودورها وتأثيرها مرتبطة بفقه اللغة الذي يقتضيه فهم ما انبثق عن العقيدة الإسلامية. إلا أنّ الفارق بين تلك المعارف إذا تناولناها مجردة وتعاملنا معها من غير منظور "علم الاجتماع"، وبين تناولها من منظور "علم الاجتماع" والتعامل معها كقضايا متصلة بالمجتمع، هو في التأكيد على بعدها المجتمعي من حيث التنظير والتطبيق. ومثال ذلك، فإنّ العقيدة الإسلامية قد تحولت إلى "علم توحيد" يضاهي "علم اللاهوت" عند الغربيين، فإذا تناولناها من خلال "علم اجتماع إسلامي" استطعنا أن نبرز بعدها العملي باعتبارها قوام المجتمع بأناسه وعلاقاته ومؤسساته. ومثال ذلك أيضا الفقه، فقد تحوّل إلى دراسة نظرية غير متصلة بالمجتمع، فإذا تناولناه من خلال "علم اجتماع إسلامي" استطعنا أن نعيد له بعده العملي باعتباره مجموعة الأحكام الشرعية التي تعالج بها شؤون الناس وقضايا المجتمع.
علاوة على هذا، فإنّ من ضرورات التأسيس حاجة الأمة الإسلامية إلى مثل هذه المعرفة، وليس مجرد محاكاة الغرب؛ لأنّ الأصل في كلّ معرفة تروم أمة من الأمم تأسيسها أن ترتبط بمدى الحاجة إليها. فقد رأى سلفنا ضرورة تأسيس معارف تتعلّق باللغة والأصول والفقه، فأسسوا علم النحو والصرف والبلاغة، وعلم الفقه وأصوله، وأبدعوا فيها أيّما إبداع واستفادوا وأفادوا.
والأمة الإسلامية اليوم أحوج ما تكون إلى معرفة إسلامية خالصة تبيّن واقع المجتمع، فتحلّل عناصره، وتحدّد شكله، وتصيغ مناهج تغييره، وتضبط مقاييسه وأنماط حركته، وتعيّن أنظمته ومؤسساته، إذ إنّ من المسائل الحيوية، كمسألة تغيير المجتمع والحكم وإنشاء الدولة وغير ذلك، ما يلزم فيها دقة المعرفة بالمجتمع ومتعلقاته. فإذا قال بعض الناس إن المجتمع مجموعة أفراد، وقال بعضهم الآخر إنه أناس تربط بينهم علاقات دائمية، اختلف تعريفهم للمجتمع، واختلف تبعا له تحديدهم لمنهج تغييره والعمل فيه.
ثمّ إنّ قيام المجتمع الإسلامي يحتاج إلى أحكام ضابطة لحركته، وإلى تحديد لسبل المحافظة عليه واستمراريته، وهو أمر يستلزم دراسة معمقة مرتبطة بالكتاب والسنة، يقع من خلالها بيان حقيقة المجتمع الإسلامي من حيث أسسه وشروطه، ومناهج الإصلاح فيه والتغيير، وآليات المحافظة عليه.
بناء عليه، فإني أرى من الضروري أن يهتم المسلمون بهذه المعرفة المتعلقة بالمجتمع، وأن يعتنوا بشأن هذا الفنّ، وهو أمر لا يتأتى إلا إذا انصرفت همة بعض الباحثين إليه مراعين فيه جملة من الشروط هي موضوع المقدمة الثانية.
المقدمة الثانية
حول أسس التأسيس
إذا أردنا حقيقة تأسيس فنّ يعنى بدراسة المجتمع دراسة معمّقة مؤصلة، فعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار النقاط التالية:
1 . مراعاة الفرق بين التأثر والانتفاع
لقد سبق الغرب المسلمين في تأسيس هذا الفن المعرفي المسمى "علم الاجتماع"، فأصّل أصوله، وقعّد قواعده، وبوّب أبوابه ومباحثه، وشرح مسائله وغاياته، وحدّد طرائقه ومناهجه. لذلك كان من الطبيعي أن يتعامل المسلمون مع هذا الواقع، وأن يقبلوا على دراسات الغرب في هذا الفنّ الخطير محاولين فهمه والاستفادة منه. وكان من الطبيعي أيضا أن نحدّد كيفية التعامل معه، مبينين المنهج السليم المتعلّق بالقبول أو الردّ والأخذ أو الترك.
وأحسب أنّ المنهج السليم يكمن في بيان الفرق بين التأثر والانتفاع. ذلك أنّ التأثر يعني تتبع الشيء، فيفيد معنى التأسي والاقتداء، ويفيد معنى أخذ القدر اللازم لحصول أثر من المؤثر في المتأثر. فلو قلنا إنّ الدواء أثّر في فلان، لكان معناه أحدث فيه مفعوله. ولو قلنا إنّ الفكرة أثرت في علاّن، لكان معناه أنها تركت فيه أثرا في عقليته وميوله وسلوكه. ولو قلنا إنّ فلانا متأثر بعلاّن، لكان معناه أنه يتتبّع أثره. ولو قلنا إنّ المسلمين تأثّروا بما يسمى "علم الاجتماع"، فمعناه أنّهم أخذوا بقدر منه يترك بصمته عليهم. هذا إن لم نقل إنهم أخذوه بقضّه وقضيضه، وتتبعوه شبرا بشبر وذراعا بذراع، فنهجوا نهجه وقالوا بقوله في كبريات الأمور وصغرياتها.
والواقع، أن التأثر بما يسمى "علم الاجتماع" يفيد دراسته وأخذ ما حواه من نظريات، ومفاهيم، ومقاييس، ومناهج، ونتائج، ونسبتها إلى الإسلام. وهو أمر واقع، ومشاهد محسوس، تدلّ عليه أغلب الدراسات المعاصرة في "علم الاجتماع" التي ألفها مسلمون أو من يحسب على الإسلام، إذ لا فرق بين الأعمال "الإسلامية" وبين الأعمال الغربية، لا في الشكل ولا في المضمون. ولا يخفى على عاقل بصير مدى الخطأ في هذا النهج الذي لا يلحق بالإسلام أي نفع منه إلا النسبة، فيقال "علم الاجتماع الإسلامي" مع أنه في حقيقته متغرّب حتى النخاع.
أمّا الانتفاع فهو الاستفادة من "علم الاجتماع الغربي" بدراسته دراسة معمقة نقدية، يقع فيها الفصل بين البحوث الفكرية الصرفة التي تعنى بدراسة الواقع دراسة موضوعية غير مربوطة بأيديولوجية معينة وزاوية نظر خاصة، وبين البحوث المتأثرة بأيديولوجية معينة والنابعة من رؤية حضارية وثقافية خاصة، كما يقع فيها أيضا الفصل بين قوالب المعاني الفكرية وتعبيراتها، وبين مدلولاتها الثقافية وتصوراتها. فيحصل من تطبيق هذا المقياس الاطلاع على معرفة الآخر، والوقوف على مواطن الضعف والقوة فيها، والاستفادة منها بتخصيب المعرفة الإسلامية وتطويرها.
وأحبّ في هذا السياق، أن أذكر نموذجا من تاريخ المسلمين الأوائل يبين كيفية تعاملهم مع معرفة الآخر، وأعني أخذ العبرة من طائفتين؛ المتكلمة والفلاسفة. فقد أخذ المتكلمة، كالمعتزلة، المنطق اليوناني ككيفية بحث وتفكير من أجل الحجاج عن العقائد الإسلامية، فهم قد أخذوا الفنّ وطوروه دون أن يتأثروا بمقولاته ومضامينه المناقضة لعقيدتهم. وأما الفلاسفة، كالفارابي وابن سينا وابن رشد، فقد أخذوا المنهج بمضامينه ومقولاته وخلطوه بالأفكار الإسلامية، حتى قال قائل منهم إنّ الله "يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات" و"الحكمة أفضل من النبوة". ويؤكد حاجي خليفة هذا بقوله: "الطريق إلى هذه المعرفة (يقصد معرفة المبدأ والمعاد) من وجهتين: إحداهما طريقة أهل النظر والاستدلال، وثانيهما طريقة أهل الرياضة والمجاهدات. والسالكون للطريقة الأولى إن التزموا ملة من ملل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهم المتكلمون، وإلا فهم الحكماء المشاءون. والسالكون إلى الطريقة الثانية إن وافقوا في رياضتهم أحكام الشرع فهم الصوفية، وإلا فهم الإشراقيون." (3)
ولكي أتجنب التجريد في هذه المقدمة أضرب بعض الأمثلة:
المثال الأول: يقول السوسيولوجيون، "علماء الاجتماع"، إن القيادة (Leadership) عند البشر بمعنى اتخاذ القرار تتمثّل في ثلاثة أساليب هي: الأوتوقراطية وتعني أن يكون القرار كله بيد فرد واحد، والديمقراطية وتعني أن يكون القرار بيد الجميع، والحرية المطلقة، ويعبر عنها بقولهم (Laisser-faire)، وتعني أن يترك الجميع وشأنهم فيقرر كلّ منهم لنفسه. (4)
هذا القول بحث في واقع القيادة عند البشر هل هي جماعية أم فردية؟ فإذا أردنا، نحن المسلمين، أن ندلي بدلونا في هذا البحث، فعلينا أن نميز بين البحث العقلي في واقع ما يتعلق بالبشر جميعهم، وبين البحث الشرعي المتعلق برؤية الإسلام في القيادة. فنقول، إن وصف "علماء الاجتماع" للواقع صحيح، إذ إن القيادة قد تكون جماعية وقد تكون فردية، ولكن هل يتسم هذا الوصف بالشمول والاستيعاب؟ الواقع أنه قاصر لأنّ القيادة تتمثّل في مرحلتين؛ المرحلة الأولى هي اتخاذ الرأي، والمرحلة الثانية هي اتخاذ القرار. وإذا نظرنا إلى واقع القيادة في الإسلام وجدناها تجمع بين المرحلتين، أي اتخاذ الرأي واتخاذ القرار. ووفق الإسلام فإن اتخاذ الرأي جماعي يتمظهر في الشورى، وأما اتخاذ القرار ففردي يتمظهر في صلاحية الإمام في إمضاء الأمور. لذلك كان الإسلام غير أوتوقراطي وغير ديمقراطي بل هو نموذج فريد في القيادة.
من خلال هذا المثال الأول درسنا الواقع مستفيدين من دراسة الغرب، إلا أننا أضفنا الجديد، وأبرزنا الواقع الشرعي للمسألة دون تأثر بما قرّر الغربيون وفق تصورهم الأيديولوجي.
المثال الثاني: يقول السوسيولوجيون إن التفكير السوسيولوجي يتمثّل في النظرة إلى المجتمع من منظور معين، أي رؤية المجتمع وعلاقاته من زاوية خاصة تتمظهر في أمور منها حسب قولهم، (seeing the strange in the familiar)، أي رؤية الغريب في المألوف. ومثال الفكرة المألوفة ظنّ الناس أن سلوكهم نتاج للإرادة الحرة، فيأتي "عالم الاجتماع" ويبين الفكرة الغريبة القائلة بأنّ سلوك الناس في العرف السوسيولوجي نتاج للمجتمع وتأثيره. (5)
وبمستطاعنا إن شئنا أخذ هذا المعنى، أي القول برؤية الغريب في المألوف، واعتباره كمنظور يقيس به الدارس للمجتمع أبعاد السلوك البشري، ولكن مع التحرز عن أخذ الفكرة المنزلة على الواقع، لأنّ السلوك في التصور الإسلامي نابع من إرادة الإنسان واختياره القائم على عقله مناط التكليف. وأمّا المجتمع فيؤثر في الإنسان بلا ريب، إلا أنّ تأثيره لا يحدّ من إرادته وتحمله لمسؤولية أفعاله وأقواله. لذلك، فنحن نأخذ المقياس كقالب تعبيري يعبّر عن منظور صحيح، ولكننا نردّ مضمونه المحكوم بتصور مناقض لوجهة النظر الإسلامية.
2 . الحرص على الإنشاء والإبداع
إنّ النزوع إلى تأسيس معرفة إسلامية خالصة تعنى بدراسة المجتمع شيء جميل وقصد حسن بشرط الحرص على التحرّر من الآراء السابقة عن هذه المعرفة. ذلك أن التأسيس المراد، لا يجب أن يكون مجرد محاكاة للآخر، بل يجب أن يكون مدفوعا بالحرص على إنشاء الجديد وإبداع الحديث مما يعطي لما أسسناه قيمته المستحقة. وهذا أمر يقتضي منا التمتع بعقلية نقدية نيّرة قادرة على كشف كنه الأمور، وتبيين محاسنها من مساويها، وخاصها من عامها. كما يقتضي منا أيضا ديمومة الربط بين الواقع، والمعطيات والمجريات، وقواعد الإسلام الأساسية والفرعية.
وكمثال تطبيقي، آخذ تسمية الفنّ المعرفي ذاته أي "علم الاجتماع". فقد أقرّ أغلب الباحثين، حتى الذين دعوا إلى ضرورة تأسيس معرفة منفصلة عن الغرب، بالتسمية دون نظر فيها. والحقيقة أنّ إقرار المصطلح، "علم الاجتماع"، يدلّ على تأثر أو على بقايا تأثر في عقلية الباحث، لأنّ الغرب اصطلح على تسمية هذا الفنّ المعرفي بالعلم لسبب منهجي فكري يتمثّل في تبنيه للطريقة العلمية كأساس معرفي. فقد عنى الغرب بقوله "علم الاجتماع" أن الدراسة للمجتمع وظواهره المختلفة قائمة على المنهج العلمي التجريبي. لذلك إذا أردنا أن نضع حجر الأساس لمعرفة فعلينا أن نبدأ بالتسمية التي تدلّ على جملة من المعان والمفاهيم المرتبطة بعقلية الغرب الخاصة في فهمه للكون والحياة والمجتمع والإنسان. فالبداية إذن تكون بسؤال: هل نقرّ اصطلاح "علم" أو لا؟ وبعبارة أخرى هل يصلح العلم التجريبي لدراسة المجتمع بعلاقاته وأناسه ومؤسساته أو لا؟
3 . التمايز الحضاري
بالرغم من أنّ أغلب "علماء الاجتماع" الغربيين يقرّون بنسبية الثقافة والعادات والتقاليد والقيم والمقاييس، ويعتبرونها متفاوتة بين الشعوب والمجتمعات، إلاّ أنّ من المسلمين من لا يزال يصرّ على أحادية ثقافة الغرب فلا ينطلق في تفسيره للمجتمع إلا منها، ولا ينزّل معالجة للواقع إلا من خلالها. وهو أمر مستهجن لسببين: أولهما، أنّ الغربيين أنفسهم يراعون التفاوت الثقافي والحضاري حين تطرقهم لدراسة المجتمعات غير الغربية، فما يفتئون يذكّرون بوجوب مراعاة النسبية في الثقافة والقيم وأنماط العيش وطرز الحياة. وإذا كان الأمر كذلك، فمن العجب أن يتنكّر مسلم لمبدئه فيفسر مجتمعه ويحلله وفق مبدأ الغير. ثانيهما، أنّ الإسلام متميّز في ثقافته، وحضارته، ومعالجاته ومناهجه عن بقية المباديء، تميّزا يتمثّل في شمول أحكامه وقواعده وارتفاعها عن مفهوم الزمان والمكان بحيث تصلح للتنزيل والتطبيق في كلّ الأزمنة والأمكنة، كما يتمثّل أيضا في خصوصية نظرته إلى المجتمع ومكوناته، ومؤسساته، وحركته إنشاء وتغييرا وثباتا.
لذلك فالأصل أن يراعي الباحث التمايز بين الحضارات واختلاف نظرتها إلى الأمور.
4 . الفصل بين العقلي والنقلي
من الأمور الواجب مراعاتها أثناء البحث في المجتمع، الفصل بين ما يحكم فيه العقل وبين ما يحكم فيه النقل أو الشرع. فلا يعني قولنا بتأسيس معرفة تعنى بدراسة المجتمع من وجهة نظر إسلامية أن نقحم الشرع والنص الديني في كلّ مسألة من المسائل، إذ إنّ من الأمور ما ترك الشرع فيها للعقل فسحة يبدع فيها ويتفنّن. من ذلك، فإنّ الشرع لم يحدّد مفهوم المجتمع، وترك أمر تحديده للعقل البشري، ولكنّه حدّد نوع العلاقات الواجب وجودها في مجتمع مخصوص هو المجتمع الإسلامي. لذلك، على الدارس المسلم للمجتمع أن يفصل بين الدراسة المجردة للمجتمع التي تعنى بالواقع من حيث هو دون وصفه المبدئي أو الأيديولوجي، وبين الدراسة المحكومة بقواعد المبدأ أو الأيديولوجية. فيقول مثلا، إنّ المجتمع من حيث هو مجتمع يتكوّن من عناصر أساسية منها النظم المطبقة فيه، ووصف النظم هو الذي يصبغ المجتمع بصبغة خاصة، فإن كانت إسلامية كان المجتمع إسلاميا، وإن كانت شيوعية كان المجتمع شيوعيا. فيتحصّل من كلامه أن للمجتمع واقعا عاما تدركه كلّ الناس، وواقعا خاصا تميّزت به مجموعة من الناس.
وأحسب أنّ هذه النقطة من أهم النقاط الواجب مراعاتها لأنّها تسم أبحاثنا بالنزاهة والموضوعية، وتعطي لمعالجاتنا المصداقية.
المقدمة الثالثة
حول مسمّى المعرفة
تعرضت في المقدمة الثانية إلى نقد مسمى المعرفة، أي إلى نقد اصطلاح "علم الاجتماع"، وأشرت إلى أن بداية التأسيس تكون بالنظر في المسمى، لهذا فإني أتعرض إلى هذه المسألة هنا مقترحا الاصطلاح على هذا الفنّ المعرفي بقولنا، فقه المجتمع. والداعي إلى هذا الاصطلاح أمران:
أولهما، أنّ كلمة فقه في الثقافة الإسلامية تطلق على معنيين؛ لغوي واصطلاحي. فالمعنى اللغوي لكلمة فقه يفيد فهم الشيء والعلم به. وأما المعنى الاصطلاحي فيفيد في عرف المتشرعة العلم بالأحكام الشرعية العملية المستفادة أو المكتسبة من أدلتها الشرعية التفصيلية. ومما يجب التنبيه إليه، أنّ كلمة "العلم" الواردة في سياق شرحنا للمفهوم اللغوي والاصطلاحي لكلمة "فقه" تفيد المعنى اللغوي أي إدراك الشيء، وأما في عصرنا اليوم فتفيد كلمة العلم مفهوما اصطلاحيا يعني المعارف المستقاة عن طريق الملاحظة والتجربة.
وقد استحسنت التواضع على كلمة "فقه" لما رأيت فيها من جمع بين معنيين يمثلان جوهر دراسة المجتمع من زاوية نظر إسلامية. إذ تدلّ من جهة على مطلق الفهم للواقع، فتجمع بين الفهم العقلي والشرعي، وتفيد المنهج الفكري والعلمي عند من يقول بهما أو بأحدهما. وتدلّ من جهة ثانية على خصوصية إسلامية، إذ إنّ المعالجات التي يعرضها الدارس المسلم للمجتمع، كعلاقات ومؤسسات، تنبع من الشريعة الإسلامية وتتمظهر في جملة من الأحكام العملية مستنبطة من أدلة شرعية تفصيلية.
ثانيهما، أنّ الإقرار باصطلاح " الاجتماع" فيه مغالطة كبرى تنمّ عن عدم الإدراك الدقيق لهذا الفنّ المعرفي من حيث أصوله وفروعه ومباحثه وغاياته وموضوعاته. إذ إن هذا الفن المعرفي لا يبحث في الاجتماع بقدر ما يبحث في العلاقات، والتفاعلات، والظواهر، والتأثيرات في المجتمع. ومثال ذلك، فإنّ ما يسمى "علم النفس الاجتماعي"، وهو فرع من فروع "علوم الاجتماع"، لا يبحث في الاجتماع بل يبحث في تأثير المجتمع ككل (Social Influence) على الأفراد والجماعات، ولا يعنيه إن وجد اجتماع حقيقة أو لا. لذلك يعرّف هذا الفنّ بقولهم: "هو دراسة علمية للكيفية التي يحصل بها تأثر أفكار الناس، ومشاعرهم، وسلوكياتهم بحضور الآخر، سواء أكان حضوره واقعا أم متخيلا." (6)
والعلاقات، والتأثيرات، والتفاعلات في المجتمع لا يشترط فيها الاجتماع، فهي توجد بوجود الاجتماع، ولا تنعدم بانعدامه. ويعتبر الناس في مجتمع ما أعضاء المجتمع، سواء اجتمعوا أو تفرقوا. ثمّ إنّ الاجتماع قد يوجد ولا يوجد المجتمع، من ذلك اجتماع آلاف على سفينة، فهو اجتماع وليس بمجتمع. ومن ذلك أيضا، اجتماع الرجل بالمرأة، فهما زوجان أو عائلة وليسا بمجتمع.
علاوة على هذا، فإنّ من مباحث ما يقولون عنه "علم الاجتماع" ما لا علاقة له بالاجتماع، كالبحث في الاقتصاد والحكم والسياسة، فكلها لا يرى فيها الاجتماع بقدر ما يرى فيها العلاقة والتأثير.
لذلك فإنّ قول البعض عن "علم الاجتماع" إنه "كيفية الحياة البشرية من حيث الاجتماع" يعتبر من الأقوال المغلوطة المفتقدة إلى الدقة. ولعلّ الخطأ في قول المسلمين "علم الاجتماع" نشأ من الترجمة الأولية، ثمّ أقرّ الاصطلاح تجوزا وظنا بنسبته إلى المجتمع. أمّا وقد عقدنا النية على تأسيس فنّ معرفي، فقد وجب علينا أن لا نقرّ إلا الصحيح الدقيق مراعاة للأصول والفهم السليم.
وعليه، فإنّ اصطلاح "فقه المجتمع" هو الأولى والأدقّ، والأشمل دلالة على هذه المعرفة الإسلامية.
والحاصل، إذا أردنا حقيقة إبداع فنّ معرفي يعنى بالمجتمع، فإنّ ما مر ذكره من نقاط يعتبر كافيا وأساسيا لبلورة نظرية تأسيسية لهذا المعرفة. ولا خلاف في أنّ الموضوع يحتاج إلى مزيد تعمّق وتفصيل، إلاّ أننا لا زلنا في طور بلورة الفكرة الأساسية، وصياغة المقدمات النظرية، وهو أمر يحتاج إلى الإجمال والتجريد والتقعيد أكثر من حاجته إلى التفصيل والتفريع. فإذا ما تمّت صياغة المقدمات النظرية للتأسيس والاتفاق عليها، سهل بعدها إقامة دعائم هذا الفنّ، وتبويبه، وتحديد موضوعاته واستمداداته، وتفصيل مسائله.
الهوامش:
1.معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، للدكتور أحمد زكي بدوي، ص234، مكتبة لبنان، بيروت 1993
2.ينظر: Dictionnaire de Sociologie, p.263, Hatier, Paris1997
3.نقلا عن "الفلسفة الإسلامية؛ دراسة ونقدا"، للدكتور عرفان عبد الحميد، ص22، مؤسسة الرسالة، بيروت 1984
4.ينظر: Sociology, John J. Macionis, pp.165-166, Prentice Hall, USA2002
5.ينظر المصدر نفسه، ص 2-3
6.ينظر: Social Psychology, Elliot Aronson, Timoty D. Wilson & Robin M. Akert, p.6, Prentice Hall, USA2004
(منقول)