قلب و روح
02-08-2006, 09:29 PM
التوحد
مرض يأبى الكشف عن أسبابه
التشخيص المبكر يساعد على تعليم المرضى عدداً أكبر من المهارات
يسعى العلماء حالياً إلى معرفة المرحلة التي يبدأ فيها مرض التوحد بالتطور، وإلى تحديد المؤشرات الأولى له، في الوقت الذي يبحث فيه آباء الأطفال المصابين بهذا الاضطراب الغامض، عن علاج يمكن أن يحسن حياة أولادهم.
في ليلة شتوية، كان الشقيقان ديفيد وجيسون كرافن يلهوان في غرفة الألعاب في الطابق السلفي من المنزل. وكانا يتسلقان ساقي والدهما. ولا يعاني ديفيد البالغ من العمر 7 سنوات أو جيسن 5 سنوات، من أي خلل بدني مع أنهما مصابان بمرض التوحد، أحد اضطرابات النمو المحيرة حتى الآن. وديفيد لا يستطيع أن ينطق أكثر من 10 كلمات ولا يزال بحاجة إلى الحفاضات خلال الليل ويستخدم المصاصة، في حين يستخدم أخوه الرضاعة البلاستيكية ليتناول الحليب. ولا يستطيع أي منهما التعبير عن سعادته لفظيا أثناء اللعب، كما أنهما لا يستطيعان التعبير عن الألم أو الفرح بالكلمات.
منذ أن تم تشخيص حالة ولديهما عندما كانا في الثانية من العمر، لم يترك باري وآنا كرافن، وسيلة علاجية إلا واستخدماها بدءا من التغذية العصبية الراجعة والمعالجة بالموسيقا والعلاج بالسباحة مع الدلافين، والعلاج بالمهارات الاجتماعية والأغذية الخالية من الجلوتين (مركب بروتيني يوجد في بعض الحبوب وخصوصا القمح) والفيتامينات مرورا بمضادات التوتر وانتهاء بالستيرويدات. ولخفض مستوى تعرض الطفلين للمواد الكيميائية البيئية التي يعتقد الوالدان انها قد تسهم في تفاقم حالة ولديهما، قام الزوجان باستبدال سجاد الأرضية بخشب خال من المواد السامة (توكسين)، وابتاعا نظاما خاصا لتنقية الماء. كما قاما بتركيب نظام منزلي للسونا لاعتقادهما أن حمام البخار يساعد في إزالة معادن مثل الزئبق والزرنيخ من الجسم. لقد أنفق الوالدان مبالغ طائلة في محاولة علاج طفليهما. وتقول الأم: “إنني على استعداد لأن أجرب أي شيء في العالم يحتمل أن يكون مفيداً”.
وخلال العقود الستة التي مضت على اكتشاف التوحد، شهدت الساحة الطبية أحداثاً وانعطافات كبيرة على صعيد العلاجات، تمثل بعضها في المضادات الحيوية لعلاج العدوى والستاتينات لعلاج أمراض القلب والمفاصل الاصطناعية لمواجهة التهاب المفاصل العظمي. ومع ذلك لا يزال التوحد مرضا غامضا إلى حد كبير. فحتى الآن لا يعرف الأطباء أسباب هذا الاضطراب الدماغي، كما لا يعرفون العلاج لهذه الحالة التي تدفع هذا الطفل إلى التوقف عن التكلم مع الآخرين أو التي تقف وراء قدرة ذلك الطفل على حفظ حوار فيلم بأكمله عن ظهر قلب.
ومع الارتفاع المفاجئ الذي شهدته السنوات العشرون الماضية في عدد الإصابة (يتم تشخيص إصابة واحدة بإحدى ملامح طيف اضطراب التوحد بين كل 166 طفلاً) يسعى الباحثون وجمعيات الدفاع إلى تحسين حياة هؤلاء الأطفال وعائلاتهم المستنزفة مادياً ومعنوياً. وتتمثل بعض أحدث الجهود الرامية إلى فهم هذا المرض، في السعي إلى تحديد بعض مؤشرات التوحد لدى الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم الستة أشهر.
وكالعادة، فإن أعدادا كبيرة من الأطفال لا يُعرضون على الأخصائيين قبل بلوغهم العام الثاني من العمر، كما لا يتم تشخيص الحالات إلا بعد العام الثالث من العمر على الأقل. وقد لا يتم اكتشاف أن الطفل مصاب بمرض أسبيرجر، أحد أنواع طيف مرض التوحد، إلا في مرحلة الدراسة الابتدائية. ويقول الدكتور توماس إينسل، رئيس المعهد الوطني للصحة العقلية في الولايات المتحدة: “لو أن هناك طريقة لإجراء مسح عام للكشف عن التوحد عند الولادة بهدف البدء مبكرا في تدريب الدماغ، قد يكون الحل الأمثل لهذه المشكلة”.
وهذا في الواقع ما يحاول العلماء القيام به الآن. ففي مبادرة مشتركة بين الاتحاد الوطني لأبحاث التوحد وخبراء التنمية البشرية في 14 موقعاً بدءاً بما فيها هارفرد وجامعة واشنطن، يجري الخبراء دراسات على أشقاء أطفال مصابين بالتوحد، والذين لديهم استعداد وراثي للإصابة بالمرض. ومن خلال قياس المهارات والبصرية واللفظية وتفاعلاتهم الاجتماعية، على أمل تحديد المؤشرات الأولى لمرض التوحد قبل بلوغ الطفل العام الأول. وتقول ويندي ستون من جامعة فاندربيلت: “لم أكن متحمسة لمثل هذا العمل من قبل مثلما أنا الآن، ليس لأننا بدأنا نعثر على مؤشرات فحسب، بل لأن ذلك يساعد عائلات المرضى في مواجهة هذه المشكلة”.
ويجري الخبيران الكنديان الدكتور لوني زواجنبوم وسوزان بريسون دراسة على 200 طفل كان قد خضع نصفهم للمتابعة حتى بلوغ العام الثاني من العمر. وتم تشخيص التوحد لدى 10% منهم تقريباً. ويقول زواجنبوم الذي يعمل في جامعة ماكماستر في أونتاريو، إن مؤشرات المرض قد تكون قليلة في البداية ولكنها موجودة في غالب الأحيان. وتظهر النتائج الأولية أن الأطفال في الشهر السادس من العمر، الذين تم تشخيص إصابتهم بالتوحد لاحقا، يتمتعون عموما بمهارات بصرية جيدة ولكنهم أكثر هدوءا وسلبية من أقرانهم، وقد يتأخرون عنهم على صعيد نمو القدرات الحركية مثل الجلوس أو تناول الأشياء.
وهذه المؤشرات تصبح أكثر وضوحا عندما يبلغ الطفل عامه الأول. ففي هذه المرحلة، يظهر لدى الأطفال المصابين بالتوحد سلوكيات متطرفة، فقد يصابون بالاكتئاب عندما تقدم لهم لعبة جديدة، على سبيل المثال، أو ربما لن يلحظوا وجودها مطلقا. وهناك سلوكيات توحدية تم رصدها سابقا ومنها الاهتزاز إلى الأمام والخلف أو التحديق بشيء معين وكأن سلسلة تنويم مغناطيسي تتأرجح أمام عيني الطفل المريض. وغالبا ما يبدي هؤلاء عدم اهتمام بالممارسات التي عادة تبهج الأطفال في أعمارهم، حتى انهم لا يعيرون تلك المماسات انتباهاً.
ومن باب المقارنة أيضا، فإن تعابير الوجه، تكون عادة قليلة عند الأطفال المصابين بالتوحد، كما أنهم لا يستطيعون النظر إلى أقرانهم، فضلا عن ان إثارة أي رد فعل لديهم تتطلب جهودا كبيرة. وتعمل المبادرة المشتركة، على تحديد المؤشرات الفيزيائية للتوحد ومنهما حجم الرأس. فقد كشفت دراسة مهمة نشرت في عام ،2003 أن الأطفال المصابين بالتوحد يعانون من نمو سريع وغير طبيعي في الرأس خلال الأشهر 6-14 الأولى.
ويريد العلماء المشاركون في المبادرة التأكد من صحة هذه النتائج من خلال الأطفال الذين تشملهم الدراسة. ولا يستطيع العلماء في الوقت الحالي تحديد أسباب هذا النمو بشكل أكيد، ولكن إحدى النظريات تقول إن ذلك يعود إلى فرط نمو الروابط العصبية. فالمعروف أن الدماغ يتخلص من النفايات البيولوجية بعد تشكيل دارات جديدة.
وفي سياق البحث عن مؤشرات عصبية للمرض، يجري الباحثون دراسات على آليات عمل دماغ الطفل المتوحد. وباستخدام تقنية تتبع العين، استطاعت آمي كلين من مركز يال لدراسات الأطفال، أن تكشف بعض الاختلافات المهمة على صعيد المهارات الاجتماعية لدى الأطفال المصابين بالتوحد. ووجدت كلين أنه عندما يشاهد الطفل الصغير المصاب بالتوحد، شريط فيديو يظهر فيه عاملون في مجال الرعاية أو أطفال في الحضانة، فإنهم يركزون على أفواه الناس أو على أشياء تقع خلفهم، بدلا من النظر إلى العينين.
وربما يكون “نظام تشغيل” الدماغ لدى المصابين بالتوحد مختلف عما هو لدى أقرانهم. فقد كشفت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، أن “المنطقة المغزلية”، المسؤولة عن إدراك الوجوه، أقل نشاطاً عند الأطفال المتوحدين مقارنة بغيرهم. وكلما زادت حدة التوحد، قل نشاط هذه المنطقة.
وفي خضم هذه الحيرة الناجمة عن عدم معرفة أسباب التوحد بشكل دقيق وعدم توفر أي دليل إرشادات حول العلاج، رغم أننا نشهد ونسمع أحاديث عديدة عن “علاج” جديد للتوحد، يضطر الآباء إلى البحث في متاهة الأدوية المكلفة والتي معظمها لا يستند إلى أساس علمي صلب يثبت فعاليتها، على أمل الوصول إلى علاج مفيد لأطفالهم. وهناك العديد من الأطفال المتوحدين الذين يتناولون أنواعا مختلفة من الأدوية بدءا من مضادات التشنج حتى الأدوية المحفزة.
وعلى كل حال، لا تستطيع الأدوية تعليم الطفل كيف يتكلم. وعليه يجمع العلماء على أن التدخل السلوكي هو من أنجع العلاجات المتوفرة على ندرتها. ويقوم هذا الأسلوب العلاجي على تكرار الكلمات وممارسة الألعاب وتمارين متخصصة بهدف تطوير المهارات اللغوية والاجتماعية لدى الطفل المصاب.
ويختلف الأطفال المصابون بالتوحد من حيث الشخصية والسلوك شأنهم كأي مجموعة أخرى من الأطفال. وبالتالي فإن التدخل السلوكي الذي يناسب هذا الطفل قد لا ينفع ذاك الطفل. ولذلك فإن العديد من الأساليب العلاجية يرتكز على اتباع مجموعة طرق مختلفة في آن واحد، بما فيها الأسلوب الحديث الذي يعرف باسم “أسلوب تنمية العلاقات”.
ويقتضي هذا الأسلوب أن يتعلم الآباء كيفية استثمار الممارسات اليومية كدروس تعليمية. فالذهاب إلى دكان البقالة، على سبيل المثال، يتيح للطفل التكيف مع الأعباء الحسية مثل حديث ودردشات المتسوقين وتوفر أنواع عديدة من السلع والمواد الاستهلاكية. ومرة بعد أخرى يتأقلم الطفل مع هذه الأجواء ويبدأ بالتفاعل معها وقد تتفاجأ الأم بطفلها وهو يساعدها في اختيار المواد أو يتحدث إلى البائعين.
وكل ما يحتاج إليه الآباء هو خريطة طريق ترشدهم إلى أفضل طرق التعامل مع أطفالهم المصابين بالتوحد. فقبل فترة قصيرة، اجتمع عدد من المراكز الطبية في الولايات المتحدة لإطلاق مبادرة سموها “شبكة علاج التوحد” التي ستعمل على تقييم العلاجات الحالية ودراسة البيانات المتوفرة وصياغة دليل إرشادات.
والأهم من ذلك هو البدء في العلاج مبكرا. فهناك نسبة كبيرة من الأطفال الذين لا يتم تشخيص حالتهم إلا بعد تجاوزهم العام الثالث. بيد أن التوصل إلى اسلوب قادر على تشخيص الإصابة بعد الولادة بسنة أو ستة أشهر أو ربما بعد يوم واحد من الولادة، سيشكل فارقا كبيرا أشبه بالفارق بين حبو الطفل والجري السريع.
(( منقول عن مجلة العربي الحر))
انا امرأة لا انحني لالتقط ما سقط من عيني ابدا
مرض يأبى الكشف عن أسبابه
التشخيص المبكر يساعد على تعليم المرضى عدداً أكبر من المهارات
يسعى العلماء حالياً إلى معرفة المرحلة التي يبدأ فيها مرض التوحد بالتطور، وإلى تحديد المؤشرات الأولى له، في الوقت الذي يبحث فيه آباء الأطفال المصابين بهذا الاضطراب الغامض، عن علاج يمكن أن يحسن حياة أولادهم.
في ليلة شتوية، كان الشقيقان ديفيد وجيسون كرافن يلهوان في غرفة الألعاب في الطابق السلفي من المنزل. وكانا يتسلقان ساقي والدهما. ولا يعاني ديفيد البالغ من العمر 7 سنوات أو جيسن 5 سنوات، من أي خلل بدني مع أنهما مصابان بمرض التوحد، أحد اضطرابات النمو المحيرة حتى الآن. وديفيد لا يستطيع أن ينطق أكثر من 10 كلمات ولا يزال بحاجة إلى الحفاضات خلال الليل ويستخدم المصاصة، في حين يستخدم أخوه الرضاعة البلاستيكية ليتناول الحليب. ولا يستطيع أي منهما التعبير عن سعادته لفظيا أثناء اللعب، كما أنهما لا يستطيعان التعبير عن الألم أو الفرح بالكلمات.
منذ أن تم تشخيص حالة ولديهما عندما كانا في الثانية من العمر، لم يترك باري وآنا كرافن، وسيلة علاجية إلا واستخدماها بدءا من التغذية العصبية الراجعة والمعالجة بالموسيقا والعلاج بالسباحة مع الدلافين، والعلاج بالمهارات الاجتماعية والأغذية الخالية من الجلوتين (مركب بروتيني يوجد في بعض الحبوب وخصوصا القمح) والفيتامينات مرورا بمضادات التوتر وانتهاء بالستيرويدات. ولخفض مستوى تعرض الطفلين للمواد الكيميائية البيئية التي يعتقد الوالدان انها قد تسهم في تفاقم حالة ولديهما، قام الزوجان باستبدال سجاد الأرضية بخشب خال من المواد السامة (توكسين)، وابتاعا نظاما خاصا لتنقية الماء. كما قاما بتركيب نظام منزلي للسونا لاعتقادهما أن حمام البخار يساعد في إزالة معادن مثل الزئبق والزرنيخ من الجسم. لقد أنفق الوالدان مبالغ طائلة في محاولة علاج طفليهما. وتقول الأم: “إنني على استعداد لأن أجرب أي شيء في العالم يحتمل أن يكون مفيداً”.
وخلال العقود الستة التي مضت على اكتشاف التوحد، شهدت الساحة الطبية أحداثاً وانعطافات كبيرة على صعيد العلاجات، تمثل بعضها في المضادات الحيوية لعلاج العدوى والستاتينات لعلاج أمراض القلب والمفاصل الاصطناعية لمواجهة التهاب المفاصل العظمي. ومع ذلك لا يزال التوحد مرضا غامضا إلى حد كبير. فحتى الآن لا يعرف الأطباء أسباب هذا الاضطراب الدماغي، كما لا يعرفون العلاج لهذه الحالة التي تدفع هذا الطفل إلى التوقف عن التكلم مع الآخرين أو التي تقف وراء قدرة ذلك الطفل على حفظ حوار فيلم بأكمله عن ظهر قلب.
ومع الارتفاع المفاجئ الذي شهدته السنوات العشرون الماضية في عدد الإصابة (يتم تشخيص إصابة واحدة بإحدى ملامح طيف اضطراب التوحد بين كل 166 طفلاً) يسعى الباحثون وجمعيات الدفاع إلى تحسين حياة هؤلاء الأطفال وعائلاتهم المستنزفة مادياً ومعنوياً. وتتمثل بعض أحدث الجهود الرامية إلى فهم هذا المرض، في السعي إلى تحديد بعض مؤشرات التوحد لدى الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم الستة أشهر.
وكالعادة، فإن أعدادا كبيرة من الأطفال لا يُعرضون على الأخصائيين قبل بلوغهم العام الثاني من العمر، كما لا يتم تشخيص الحالات إلا بعد العام الثالث من العمر على الأقل. وقد لا يتم اكتشاف أن الطفل مصاب بمرض أسبيرجر، أحد أنواع طيف مرض التوحد، إلا في مرحلة الدراسة الابتدائية. ويقول الدكتور توماس إينسل، رئيس المعهد الوطني للصحة العقلية في الولايات المتحدة: “لو أن هناك طريقة لإجراء مسح عام للكشف عن التوحد عند الولادة بهدف البدء مبكرا في تدريب الدماغ، قد يكون الحل الأمثل لهذه المشكلة”.
وهذا في الواقع ما يحاول العلماء القيام به الآن. ففي مبادرة مشتركة بين الاتحاد الوطني لأبحاث التوحد وخبراء التنمية البشرية في 14 موقعاً بدءاً بما فيها هارفرد وجامعة واشنطن، يجري الخبراء دراسات على أشقاء أطفال مصابين بالتوحد، والذين لديهم استعداد وراثي للإصابة بالمرض. ومن خلال قياس المهارات والبصرية واللفظية وتفاعلاتهم الاجتماعية، على أمل تحديد المؤشرات الأولى لمرض التوحد قبل بلوغ الطفل العام الأول. وتقول ويندي ستون من جامعة فاندربيلت: “لم أكن متحمسة لمثل هذا العمل من قبل مثلما أنا الآن، ليس لأننا بدأنا نعثر على مؤشرات فحسب، بل لأن ذلك يساعد عائلات المرضى في مواجهة هذه المشكلة”.
ويجري الخبيران الكنديان الدكتور لوني زواجنبوم وسوزان بريسون دراسة على 200 طفل كان قد خضع نصفهم للمتابعة حتى بلوغ العام الثاني من العمر. وتم تشخيص التوحد لدى 10% منهم تقريباً. ويقول زواجنبوم الذي يعمل في جامعة ماكماستر في أونتاريو، إن مؤشرات المرض قد تكون قليلة في البداية ولكنها موجودة في غالب الأحيان. وتظهر النتائج الأولية أن الأطفال في الشهر السادس من العمر، الذين تم تشخيص إصابتهم بالتوحد لاحقا، يتمتعون عموما بمهارات بصرية جيدة ولكنهم أكثر هدوءا وسلبية من أقرانهم، وقد يتأخرون عنهم على صعيد نمو القدرات الحركية مثل الجلوس أو تناول الأشياء.
وهذه المؤشرات تصبح أكثر وضوحا عندما يبلغ الطفل عامه الأول. ففي هذه المرحلة، يظهر لدى الأطفال المصابين بالتوحد سلوكيات متطرفة، فقد يصابون بالاكتئاب عندما تقدم لهم لعبة جديدة، على سبيل المثال، أو ربما لن يلحظوا وجودها مطلقا. وهناك سلوكيات توحدية تم رصدها سابقا ومنها الاهتزاز إلى الأمام والخلف أو التحديق بشيء معين وكأن سلسلة تنويم مغناطيسي تتأرجح أمام عيني الطفل المريض. وغالبا ما يبدي هؤلاء عدم اهتمام بالممارسات التي عادة تبهج الأطفال في أعمارهم، حتى انهم لا يعيرون تلك المماسات انتباهاً.
ومن باب المقارنة أيضا، فإن تعابير الوجه، تكون عادة قليلة عند الأطفال المصابين بالتوحد، كما أنهم لا يستطيعون النظر إلى أقرانهم، فضلا عن ان إثارة أي رد فعل لديهم تتطلب جهودا كبيرة. وتعمل المبادرة المشتركة، على تحديد المؤشرات الفيزيائية للتوحد ومنهما حجم الرأس. فقد كشفت دراسة مهمة نشرت في عام ،2003 أن الأطفال المصابين بالتوحد يعانون من نمو سريع وغير طبيعي في الرأس خلال الأشهر 6-14 الأولى.
ويريد العلماء المشاركون في المبادرة التأكد من صحة هذه النتائج من خلال الأطفال الذين تشملهم الدراسة. ولا يستطيع العلماء في الوقت الحالي تحديد أسباب هذا النمو بشكل أكيد، ولكن إحدى النظريات تقول إن ذلك يعود إلى فرط نمو الروابط العصبية. فالمعروف أن الدماغ يتخلص من النفايات البيولوجية بعد تشكيل دارات جديدة.
وفي سياق البحث عن مؤشرات عصبية للمرض، يجري الباحثون دراسات على آليات عمل دماغ الطفل المتوحد. وباستخدام تقنية تتبع العين، استطاعت آمي كلين من مركز يال لدراسات الأطفال، أن تكشف بعض الاختلافات المهمة على صعيد المهارات الاجتماعية لدى الأطفال المصابين بالتوحد. ووجدت كلين أنه عندما يشاهد الطفل الصغير المصاب بالتوحد، شريط فيديو يظهر فيه عاملون في مجال الرعاية أو أطفال في الحضانة، فإنهم يركزون على أفواه الناس أو على أشياء تقع خلفهم، بدلا من النظر إلى العينين.
وربما يكون “نظام تشغيل” الدماغ لدى المصابين بالتوحد مختلف عما هو لدى أقرانهم. فقد كشفت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، أن “المنطقة المغزلية”، المسؤولة عن إدراك الوجوه، أقل نشاطاً عند الأطفال المتوحدين مقارنة بغيرهم. وكلما زادت حدة التوحد، قل نشاط هذه المنطقة.
وفي خضم هذه الحيرة الناجمة عن عدم معرفة أسباب التوحد بشكل دقيق وعدم توفر أي دليل إرشادات حول العلاج، رغم أننا نشهد ونسمع أحاديث عديدة عن “علاج” جديد للتوحد، يضطر الآباء إلى البحث في متاهة الأدوية المكلفة والتي معظمها لا يستند إلى أساس علمي صلب يثبت فعاليتها، على أمل الوصول إلى علاج مفيد لأطفالهم. وهناك العديد من الأطفال المتوحدين الذين يتناولون أنواعا مختلفة من الأدوية بدءا من مضادات التشنج حتى الأدوية المحفزة.
وعلى كل حال، لا تستطيع الأدوية تعليم الطفل كيف يتكلم. وعليه يجمع العلماء على أن التدخل السلوكي هو من أنجع العلاجات المتوفرة على ندرتها. ويقوم هذا الأسلوب العلاجي على تكرار الكلمات وممارسة الألعاب وتمارين متخصصة بهدف تطوير المهارات اللغوية والاجتماعية لدى الطفل المصاب.
ويختلف الأطفال المصابون بالتوحد من حيث الشخصية والسلوك شأنهم كأي مجموعة أخرى من الأطفال. وبالتالي فإن التدخل السلوكي الذي يناسب هذا الطفل قد لا ينفع ذاك الطفل. ولذلك فإن العديد من الأساليب العلاجية يرتكز على اتباع مجموعة طرق مختلفة في آن واحد، بما فيها الأسلوب الحديث الذي يعرف باسم “أسلوب تنمية العلاقات”.
ويقتضي هذا الأسلوب أن يتعلم الآباء كيفية استثمار الممارسات اليومية كدروس تعليمية. فالذهاب إلى دكان البقالة، على سبيل المثال، يتيح للطفل التكيف مع الأعباء الحسية مثل حديث ودردشات المتسوقين وتوفر أنواع عديدة من السلع والمواد الاستهلاكية. ومرة بعد أخرى يتأقلم الطفل مع هذه الأجواء ويبدأ بالتفاعل معها وقد تتفاجأ الأم بطفلها وهو يساعدها في اختيار المواد أو يتحدث إلى البائعين.
وكل ما يحتاج إليه الآباء هو خريطة طريق ترشدهم إلى أفضل طرق التعامل مع أطفالهم المصابين بالتوحد. فقبل فترة قصيرة، اجتمع عدد من المراكز الطبية في الولايات المتحدة لإطلاق مبادرة سموها “شبكة علاج التوحد” التي ستعمل على تقييم العلاجات الحالية ودراسة البيانات المتوفرة وصياغة دليل إرشادات.
والأهم من ذلك هو البدء في العلاج مبكرا. فهناك نسبة كبيرة من الأطفال الذين لا يتم تشخيص حالتهم إلا بعد تجاوزهم العام الثالث. بيد أن التوصل إلى اسلوب قادر على تشخيص الإصابة بعد الولادة بسنة أو ستة أشهر أو ربما بعد يوم واحد من الولادة، سيشكل فارقا كبيرا أشبه بالفارق بين حبو الطفل والجري السريع.
(( منقول عن مجلة العربي الحر))
انا امرأة لا انحني لالتقط ما سقط من عيني ابدا