المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علم نفس قرآني


فارس بلاجواد
10-06-2005, 11:26 AM
علم نفس قرآني

دكتور/ مصطفى محمود

القاهرة


الأخلاق بالمعنى الفلسفي هي أن تشبع رغباتك بما لا يتعارض مع حق الآخرين في إشباع رغباتهم فهي مفهوم مادي اجتماعي بالدرجة الأولى وهدفها حسن توزيع اللذات.

أما الأخلاق بالمعنى الديني فهي بالعكس أن تقمع رغباتك وتخضع نفسك وتخالف هواك وتحكم شهواتك لتفوز برتبتك ومنزلتك العظيمة كخليفة عن الله ووارث للكون المسخر من أجلك فأنت لا تستحق هذه السيادة على العالم إلا إذا استطعت أولا أن تسود نفسك وتحكم مملكتك الداخلية.

والأخلاق الدينية بهذا المعنى خروج من عبودية النفس إلى مرتبة عليا هي القرب من الرب، وهي ليست دعوة إلى حسن توزيع اللذات وإنما دعوة إلى الخروج من أسر اللذات.

ولهذا افترقت النظرتان تماما.. نظرة الفلسفة ونظرة الدين وأدت كل منهما إلى إنسان مختلف.

الفلسفة، المادية أنتجت إنسانا يستهدف اللذة الفورية والمقابل المادي العاجل ويجري وراء اللحظة ويتشبث بالآن … ولكن اللحظة منفلتة أو"الآن " هارب فهو يعيش في عالم الفوت والحسرة وهو متروك دائما وفي حلقه غصة كلما اشبع شهواته ازدادت جوعا، وهو يراهن كل يوم بلا ضمان وبلا رصيد، فهو محكوم عليه بالموت لا يعرف متى وكيف وأين، وهو يعيش في قلق وتوتر مشتت القلب توزع الهمة بين الرغبات لا يعرف للسكينة طعما حتى يدهمه الموت.

أما الإنسان المؤمن فهو تركيب نفسي مختلف وأخلاقية مختلفة ورؤية مختلفة فهو يرى أن اللذات الدنيوية زائلة وأنها مجرد امتحان إلى منازل ودرجات وراءها وان الدنيا مجرد عبور إلى تلك المنازل.. وان الله هو الضمان الوحيد في رحلة الدنيا والآخرة وانه لا حاكم سواه.. لو اجتمع الناس على أن يضروه لما استطاعوا أن ينفعوه إلا بشيء كتبه الله عليه. ولهذا فهو لا يفرح لكسب ولا يأسى على خسران وإذا دهمه ما يكره قال في نفسه:

(وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون) (2/216)
وهو يقاتل ثابت القدم أمام الموت وهو يتذكر قول المولى عز وجل:
(ايمنا تكونوا يدر ككم الموت ولوكنتم في بروج مشيدة) (4/78)
(قل أن الموت الذي تفرون منه فانه ملاقيكم) (62/ 8)
(وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) (3/ 145)
وهو لا يحسد أحداً ولا يغبط أحداً بل هو مشفق على الناس مما هم فيه من غفلة- يقول له قلبه:
( إلا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد) (3/ 196)
( أنما نملي لهم ليزدادوا أثما " (3/ 178)
(ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها أن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم. والله لا يحب كل مختال فخور)( 57/ 22-23)
(قل لن يصيبه إلا ما كتب الله لنا) (9/ 51).
و ثمرة هذه الآيات عند المؤمن بها هي السكينة والهدوء النفسي واطمئنان البال.
( إلا بذكر الله تطمئن القلوب) (13/28)
ومثل هذا المؤمن كلما ترك شهوة من شهواته وجد عوضا لها حلاوة في قلبه مما يلقى من التحرر الداخلي من إغلال نفسه ومما يجد من النور في بصيرته.

والتوحيد يجمع عناصر نفسه ويوحد اتجاه مشاعره نحو مصدر واحد للتلقي، فهو لا يخاف إلا واحدا ولا يطمع إلا في واحد، ولا يتقي إلا واحدا، ولا يتقرب إلا لواحد، فيؤدي هذا التوحيد إلى أثر تركيبي في بناء الشخصية فلا تتوزع مشاعره ولا تنقسم نفسه ولا تتشتت همته.
ذلك هو علم النفس القرآني وما يصنع في تربية النفوس.
فماذا قدم علم النفسي الفرويدي من جديد.
الإحساس بالذنب رآه فرويد مرضا والتوبة نكوصا وقمع الشهوات كبتا والندم تعقيدا والصبر على الأذى بروداً.

ونظر فرويد إلى العمل في نطاق الفعل والحافز دون بحث في النية والإخلاص. ولم ير من النفس الإنسانية إلا الجانب الحيواني الشهواني وتصور الأحلام كلها تدور برموزها في هذا الفلك الشهواني المحدود، فكل ما يبدو في الحلم مستديرا كالكهف أو الحفرة أو الثقب أو الحلقة فهو رمز للأنثى، أما القلم والسيف والبرج والعصا والثعبان فهي رموز للذكر، وجميع الحركات كالمشي والجري والتسلق والطيران والسباحة كلها رموز للفعل الجنسي.

وتصور النفس معزولة تماماً عن محيطها الغيبي ولم يعترف بالنفث الشيطاني، أو الخاطر الملائكي، أو الإلهام ا لربا ني.

وخلق من تعلق الطفل بأمه عقدة أوديب تهدف إلى كراهية الأب وقتله والتخلص منه في اللاشعور، يعوضها الطفل شعوريا بالتحبب إلى الأب ومحاولة تقليده، ويعوضها الكبار بعبادة الأب السماوي تكفيرا عن رغبتهم الباطنية في قتل الأب الأرضي.

ورأى فرويد أن الشخصية تأخذ شكلها النهائي في السنوات الخمس الأولى من الطفولة ثم تصبح قدر صاحبها، ولا يعود للطب النفسي دور سوى المهدئات والمسكنات ومحاولة التنفيس عن المكبوت في داخلها، ولم ير من النفس إلا منطقة واحدة هي النفس وإصلاح الأمارة الحيوانية.

وعلم النفس الفرويدي لا يؤمن بإمكانية تبديل النفس بينما يقول علم النفس القرآني بإمكانية تبديلها.. ويقول بشفاء النفس واصلاح البال ونزع الغل من الصدور.

ولم يقف وصف القرآن للنفس عند حدود النفس الأمارة الحيوانية بل قال بسبع مر اتب هي: النفس الأمارة، واللوامة،، والملهمة، والمطمئنة، والراضية، والمرضية، والكاملة.. وبإمكان الإنسان أن يرتقي في هذا المعراج من الكمال بالطاعة والعبادة، وحدد القرآن السلوكية المثلى بأنها سلوكية الاعتدال.

(والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) (25/ 67)

والسيرة تحفظ لنا صورا ونماذج من تبدل النفوس من الظلامية إلى النورانية في لحظة بالفضل والهدى الإلهي.. كما
كان من شأن عمر بن الخطاب الذي تحول من الغلظة والقسوة والشراب والضلال إلى نموذج رفيع للعدل الكامل في لحظة .

(ونزعنا ما في صدورهم من غل أخوانا على سرر متقابلين) (15/47) وذلك هو شفاء النفوس الفوري الذي نتعلمه من القرآن ولا نجد له مثيلاً في أي علم.


ثم شكر رئيس الجلسة الدكتور مصطفى محمود على كلمته التي جاءت كأوضح مثل لما يمكن أن يسمى بالإسرائيليات الجديدة فيما يتعلق بالفرو دية التي نتألم منها في مجتمعنا الإسلامي عموما لعلتين:

الأولى: هي أنه صدر أول أمس في جريدة ليموند أن ترجمة القرآن للألمانية واللغات الأخرى كانت ترجمة فاسدة.
الثانية: كل ما جاء به فرويد من حقيقة فهو فاسد في شهادة أبسكن عندما يقول ليس بحقيقة لما يدل على أننا نسبح في بحر من الأوهام وأن الاقتراح الذي تقدم به الدكتور طارق عبد الله والدكتور مصطفى محمود لإنشاء معهد أكاديمي، إسلامي هذا من أوجب الواجبات وأسرعها وأعجلها.

محمد الكحلوت
10-16-2005, 02:17 PM
سلمت يمينك بما خطت به
موضوع جميل شيق
دمت بهذا الاشراق

د. أحلام
10-16-2005, 08:19 PM
سبحان الله وبحمده
سبحان الله العظيم ... هو الاعلم بخلقه ... :)

شكرا لك موضوعك رائع بحق ... ولكن في تصحيح مطبعي لآية فيه :-

كتبت (قل لن يصيبه إلا ما كتب الله لنا) (9/ 51).

وهي ( قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا ) صدق الله العظيم

د. أحلام
10-16-2005, 10:47 PM
عجبني هالموضوع وحبيت اضيفه لاثراء الموضوع ..... ان شالله يعجبكم :)
---------------------------
(.. وكان الانسان أكثر شيء جدلاً)
لا السماء بما فيها من عوالم، ولا الفضاء كواكبه، ونجومه؛ ومجراته، وشموسه، ولا الأرض بكنوزها، ومعادنها، وبحارها أكثر جدلا من الانسان... ولا أعقد مما يطويه في صدره، وما يسبح بين فؤاده داخل حناياه، وما يدور في تلك العظمة المجوفة التي تسمى الجمجمة.. وهكذا يؤكد القرآن الكريم ان الانسان أعقد ما دب على الارض من المخلوقات وأعظمها أيضا.. وحينما منح ذلك الحيوان المتكلم القدرة على فهم أسرار هذا الكون.. شغله الوصول إلى أسرار ما حوله عن الوصول إلى أسرار نفسه.. تلك النفس التي وضعها القرآن الكريم في كفة واحدة مع الكون كله بما فيه من عوالم.. واستحقت من المسلمين الذي قرأوا القرآن وقفة طويلة، إذ تقول الآية الكريمة (سنريكم آياتنا في الافاق وفي أنفسكم).
الشعور بالذنب!
وقد فرق القرآن الكريم بين الروح والجسد والنفس، وجاءت آياته تتحدث في بساطة بأدق نظريات علم النفس الحديث.. وفي قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك التي قادها رسول الله (ص). يصف القرآن معاناة الشعور بالذنب، ويتحدث عن عذاب الضمير للثلاثة الذين تخلفوا في دقة مذهلة ومعجزة.. فلما مضت الغزوة احسوا بالاثم، وقاطعهم اهل المدينة إلى ان نزل فيهم حكم الله، والقرآن الكريم يقول في هذه الأزمة النفسية التي عصفت بالرجال.. (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم انفسهم وظنوا ان لا ملجأ من الله إلا اليه ثم تاب عليهم ليتوبوا..).
غريزة حب البقاء!
وفي سورة "الكهف" تصور الآية مشهد اهل الكهف، وقد تعاقبت عليهم السنون، فتحولوا إلى صورة تفزع القلب، وتروع النفس فتقول (لو اطلعت عليهم لوليت منهم رعبا)، وتجيء احدث نظريات علم النفس بعد اربعة عشر قرناً لتقول: ان الإنسان حينما يفزع من خطر.. فان غريزة حب البقاء تدفعه إلى الفرار بعيداً عن مصدر الخطر.. مجرد احساسه بالخطر يحشد فيه قوة غير عادية لا يمكن أن يحصل عليها في حالات الاطمئنان، وتجعله يأخذ نفسه بعيداً بعيداً.. كالذي يقفز من الطابق الثاني إذا ما شعر بأن بيته محاصر بالنيران.. وقد ينطلق بعد القفز فاراً مبتعداً عن مكمن الخطر.. ثم يتبين بعد ذلك انه قد اصيب أو لحق به أي أذى.. والآية تحدد بدقة حالة غريزة حب البقاء حينما تقول.. لوليت منهم فراراً مما يقع عليه بصرك من بشاعة ما فعلته الأيام بالجثث.. إذ لن تستطيع ان تحدد ان كانوا موتى أو أحياء.. فإذا فررت بعيداً.. امتلأت بالرعب بعد ذلك.
الغضب
وموسى عليه السلام كان ذا شخصية انفعالية سريع الغضب.. وإذا رجعنا إلى طفولته وسلطنا عليها أضواء علم النفس الكاشفة.. فسوف نجد انها مشحونة بالتوترات ملأى بالقلق بعيدة عن كل ما يوفر الشعور بالأمان لطفل رضيع.. وقد توصل أحد أطباء الأمراض النفسية للأطفال إلى أن الأم والرضيع يكونان وحدة واحدة من الوجهة النفسية، وان أية انفعالات للأم كثيراً ما تنعكس على الرضيع، والأم التي تعاني من القلق أو من الحزن ينصحها طبيب الأطفال بعدم ارضاع طفلها فترة حزنها أو قلقها.. وأم موسى هي التي قلقت أعظم قلق حينما وضعته في الصندوق، وحينما أرسلت أخته تتبع آثاره على الشاطىء.. ثم حينما عاد اليها لترضعه، كل ذلك جعل موسى عليه السلام عصبياً.. يثور عند الغضب إلى حد يلقي فيه بالألواح.. ويصور القرآن الكريم "الغضب" على انه من الحالات النفسية التي يسقط الإنسان فيها تحت وطأة قوة أقوى منه.. يتملك الغضب فيها ضحيته ويوسوس اليه بما يريد. بل يدفعه دفعاً دون أن يملك الغاضب الخروج من حالة الغضب.
الكبت والانحراف!
وفي سورة (يوسف) أبدع الصور النفسية لكل الحيل اللاشعورية التي يلجأ اليها الإنسان في معاملاته النفسية، والتي يسميها علم النفس آليات عقلية يغالب بها المرء احباطه، وقلقه، وتوتره الذي يتولد من فشله في محاولاته تحقيق رغباته كلها أو بعضها..
فأخوة يوسف مثلا ظلوا ضحايا الكبت الذي يحاولونه لكي يدفنوا رغبتهم في التخلص من يوسف حتى يخلو لهم حب أبيهم، ولكنهم كانوا يفشلون في اخفائها وكبتها فكانت تبدو فيما يصدر منهم من اعمال أو كلمات ضد يوسف عليه السلام..
التبرير والاسقاط!
وقد وقعوا في حالة (التبرير) التي يقول عنها علم النفس وهي الحيلة التي تقي الإنسان من الإعتراف بالأسباب الحقيقية لسلوكه غير المقبول، ويعمد المذنب إلى تفسير سلوكه ليبين لنفسه وللناس ان لسلوكه هذا أسباباً معقولة.. فهم يقولون (يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب، وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين).
وإذا كان (الاسقاط) هو حيلة يسقط بها المرء نقائصه وعيوبه على الناس والآخرين.. ويهمه بالدرجة الأولى. أن يلصقها بمن يظن انه ينافسه مباشرة.. كالزوج الذي يخون زوجته.. ثم يتهمها بالخيانة.. إذا كان هذا هو مفهوم الاسقاط في علم النفس.. فإن القرآن الكريم روى ذلك عن أخوة يوسف. حينما دس يوسف صاع الملك في متاع أخيه والقى القبض عليه بتهمة السرقة ليستبقيه دون أن يكشف لهم عن شخصيته إذ تقول الآية الكريمة على لسانهم (ان يسرق فقد سرق أخ له من قبل).
العمى النفسي!
وحينما عاد الاخوة ليفجعوا والدهم في ابنه الثاني شقيق يوسف، وأحب أولاده اليه بعد يوسف، وقد جددت هذه الصدمة الجديدة أحزانه القديمة على يوسف إذ تقول الآية (وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف، وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم). مع انهم نقلوا اليه خبر ابنه الثاني وليس يوسف، وذلك ما يطابق أحدث نظريات علم النفس.. وتبيض عيناه من الحزن.. فلم يعد يبصر فقد انتابته رغبة في العمى. رغبة قوية سيطرت على ارادته.. فهو لا يريد أن يرى الدنيا وقد خلت من ولديه الحبيبين.. وذلك هو العمى النفسي، ويدرك يوسف عليه السلام، وهو الذي أوتي علماً وحكمة بنص القرآن ان هذا العمى نتيجة لصدمة نفسية، وانه يمكن ان يشفى بصدمة مضادة، وتقول الآية على لسانه (اذهبوا بقميصي هذا فالقوه على وجه أبي يأت بصيرا).
ثم الرمزية التي جاءت في تفسير يوسف للأحلام الثلاثة.. حلم السجين الذي رأى نفسه يعصر خمراً، والآخر الذي رأى انه يحمل طعاماً فوق رأسه ويأكل منه الطير.. ثم حلم الملك الشديد الرمزية.. ان كل ذلك يجعل القرآن الكريم يتفوق في تفسيراته للنوازع والرغبات والسلوك الإنساني.. تفوقاً يجل عن المقارنة، ويتنزه عن المنافسة لمجهودات كائناً من كان من البشر في هذا المضمار!!
-----------------------
المصدر : القرآن _ نظرة عصرية جديدة