مصرية
07-04-2005, 01:23 PM
الدكتور محمد سمير فرج مركز الصحة النفسية / مركز إعداد القادة للصناعة
الأسرة والعنف في مصر
الأسرة والعنف في مصر
استجابات لاختبار ( TAT )
يعتبر العنف أحد وسائل التعبير عن النزعات العدوانية، ويتصف بصيغة انفعالية شديدة. وتؤكد البحوث العلمية ووسائل الإعلام المختلفة ، العالمية والعربية والمصرية ، أن ظاهرة العنف تزداد حدة يوماً بعد يوم ، وقد باتت تشكل خطورة على الأمن والاستقرار والنمو ، سواء على مستوى الفرد أو الأسرة أو المجتمع.
ولذلك فإن علينا جميعاً أن نتصدى لدراستها ، حتى نتفهم أسبابها وخصوصيتها بالنسبة لكل بيئة أو مجتمع ، فالعنف قد يكون واحداً من حيث الشكل أو الفعل ، إلا أنه مثل أي سلوك يكون متعدد الدوافع بتعدد البيئات والتشخيص السليم هو أساس العلاج الشافي .
لقد بات العنف داخل الأسرة ، إننا نتعلم العنف عبر عملية التنشئة الاجتماعية التي يتولاها الوالدان، إن إحباط الوالدين خارج المنزل أو داخله، ينقلانه ويلقنانه عدوانا وعنفاً لأبنائهما. الأبناء بدورهم يزيحون هذا العنف شعورياً ولاشعورياً إلى المدرسة أو الشارع ، أو يحتفظون به كبتاً في نفوسهم إلى حين .
لقد سبق للباحث أن قام بتأليف اختبار نفسي إسقاطي (8) على نمط الاختبار العالمي المعروف TAT (تأليف موراى) ، ولكنه يلائم أكثر البيئة العربية ، وعرض بطاقات الاختبار (صور) على عينة من المبحوثين، وعلى المبحوث أن يستجيب لكل صورة بطاقة بكتابة قصة من وحي خياله، ويقوم الباحث في النهاية بتحليل سيكولوجي لتلك الاستجابات .
لقد وضح من قصص عينة البحث فى هذا الاختبار أن إذا جاز لنا التعميم ، على الأقل بالنسبة للطبقات الاجتماعية فوق المتوسطة أو المتوسطة وما دونها ، أى أكثر من ثلاث أرباع المجتمع ، أن الأسرة المصرية وتحت ضغط الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها ، وفى نفس الوقت ارتفاع الطموح الاستهلاكي بتأثير غزو البضائع الأجنبية والإعلانات التليفزيونية والمحاكاة الخاطئة للآخرين أنها تقام على أسس ضعيفة ، وأن العنف يكمن في داخلها ، ولولا أن الشعب المصري بتاريخه الموروث يقدس الكيان الأسرى في حد ذاته ويعمل على بقائه مهما كانت المعاناة بداخله ، لانهارت أسر كثيرة .
والمحصلة الظاهرة من مختلف استجابات المبحوثين ، تتجسد في مسحة التشاؤم والإحباط والعدوان المكتوم التي تعم قصص المبحوثين ، وكادت تخفى روح الحب الحقيقي والمتعة المتجددة بالحياة .
لم يعد الاختبار الحر هو أساس بناء الأسرة ولكن هناك غالباً أو دائما " المال" يتدخل بضغوطه أو بإغراءاته.
ونعرض فيما يلي كمثال سطوراً من بعض قصص المبحوثين حول بطاقة " رجل وامرأة " في الاختبار ، سواء الذكور منهم أو الإناث (وهى كما جاءت في نص الاستجابات وبأخطائها اللغوية) .
(… وفى يوم من الأيام عاد إلى منزله في إجازة إذا بخطيبته تبلغه خبر مزعج وهو أن أحد الأشخاص تقدم لخطبتها ووالدها موافق عليه لأنه جاهز من كل شئ، وهو في حيرة ماذا يفعل. قالت له تقدم لوالدي، ولكنه رفض لأنه لا يملك ما يتقدم به، هي كانت معذورة، وكان ما كان أن وافق والدها على هذا الرجل وظل هذا محتار ماذا يفعل وتم الزواج من غيره، وهذه إرادة الله ...).
ويقول مبحوث آخر في قصته :(... ثم جاءه عقد عمل بالخارج فسافر كأي شاب أمامه مسئوليات حياة جديدة. ثم بدأ الخطابات والمراسلات، جاء في خطاب لها أن والدها جاءه إحساس أنه شاب لا يجيد المسئولية وكان يمهد لها أنه يوجد شاب آخر جاهز ومتمكن من حياته وعنده أملاك، ثم بعد 3 سنوات من السفر جاء الشاب الغائب ليجد الحقيقة المذهلة أنها تزوجت فلم يصدق فذهب إليها ليكلمها، فقالت له لقد اضطررت لهذه الزيجة لأن أبي كان يحتاج مبلغ كبير من المال لعمل عملية جراحية مهمة. فتم زواجي رغم أنفي لكي أنقذ والدي من هذا الأخطبوط المرضى. فقال لها وهو يغادر المكان أتمنى لك حياة زوجية سعيدة...) .
وتقول إحدى المبحوثات: (إن الحب في هذه الأيام مستحيل لأن الشاب يجب أن يكون متوفر لديه مال، من أجل أن يحب ويتزوج ).
ويتأكد أثر الضغط الاقتصادي في القصة التالية لمبحوثة ثانية - وكانت بطلة القصة تدعى سعاد وكأنها رمز للسعادة المفقودة- قالت فيها (كانت سعاد بنت مؤدبة ومن أسرة متواضعة وكانت بتعمل سكرتيرة في إحدى الشركات، وكانت تميل إلى زميلها بعض الشيء وهو أيضاً. ولكن لعدم وجود المال في أيديهم فهم ينتظرون إلى أن تتحسن الحالة المادية لهم، ولكن زميلها تقدم إلى خطوبتها من والدها وكانت سعاد سعيدة جداً في هذا اليوم لأنها كانت تتمنى ذلك وتمت الخطبة وكانت الشبكة متواضعة دبلتين فقط وكانت سعيدة جداً هي وخطيبها، وبدءوا في البحث عن شقة بحثوا في جميع أنحاء المدينة ولكن دون فائدة فجميع الشقق مرتفعة الأسعار والخلو كبير جداً، وأحست سعاد بالفشل وجلس خطيبها يشجعها ويحمسها ويريد منها أن تتفاءل بأن الأيام والأوضاع ستتحسن في يوم ما .
وفى النهاية وجدت سعاد أنها وصلت إلى طريق مسدود فإنها حزينة جداً فتركت من كانت تحب وتزوجت برجل أكبر منها سناً لأنه ميسور الحال).
يظهر جلياً من القصص السابقة أن إلحاح المشاكل الاقتصادية وإعاقتها لتحقيق لا نقول الأماني بل لتحقيق حق الفرد في الحياة، في أن يتزوج، جعلت أفراد العينة، ذكوراً وإناثاً، يتوحدون بتلقائية واندفاع مع بطاقة الاختبار، ويسقطون آمالهم مع إحباطاتهم، وكأن كلا منهم يحكى قصته ، قصة رباعية الأبعاد ، هو ... وهى ... وأبوها ... والمال !
إن ما كان يسمى بالزواج التقليدي ، الذي كان شائعاً في أوائل هذا القرن، وربما بقيت منه حتى الآن أمثلة في الريف أو في الصعيد، وكان يتم باتفاق الأهل دون أن يرى الخاطب خطيبته، كانت تتوفر له عوامل النجاح أكثر بكثير من أوضاع الآن. إذ كان متحرراً من سطوة المال ومن سلطان الحب الذي يملى على الفرد اختياراً بذاته. كانت مشاعر العروسين أقرب إلى الحياد، ومن ثم تيسر نشأة الحب بعد الزواج والرضا " بالنصيب " .
أما الآن وفى ضوء استجابات عينة البحث لنا أن نتساءل عن مدى التوافق الذي يمكن أن يحدث في تلك الزيجات التي تتم بالقهر، قهر المال لإرادة الأب والفتى والفتاة .
ماذا يكون إذن حال تلك الزيجات التي تمت مع هذا الآخر غير المقصود سوى ماله؟
الأسرة والعنف في مصر
الأسرة والعنف في مصر
استجابات لاختبار ( TAT )
يعتبر العنف أحد وسائل التعبير عن النزعات العدوانية، ويتصف بصيغة انفعالية شديدة. وتؤكد البحوث العلمية ووسائل الإعلام المختلفة ، العالمية والعربية والمصرية ، أن ظاهرة العنف تزداد حدة يوماً بعد يوم ، وقد باتت تشكل خطورة على الأمن والاستقرار والنمو ، سواء على مستوى الفرد أو الأسرة أو المجتمع.
ولذلك فإن علينا جميعاً أن نتصدى لدراستها ، حتى نتفهم أسبابها وخصوصيتها بالنسبة لكل بيئة أو مجتمع ، فالعنف قد يكون واحداً من حيث الشكل أو الفعل ، إلا أنه مثل أي سلوك يكون متعدد الدوافع بتعدد البيئات والتشخيص السليم هو أساس العلاج الشافي .
لقد بات العنف داخل الأسرة ، إننا نتعلم العنف عبر عملية التنشئة الاجتماعية التي يتولاها الوالدان، إن إحباط الوالدين خارج المنزل أو داخله، ينقلانه ويلقنانه عدوانا وعنفاً لأبنائهما. الأبناء بدورهم يزيحون هذا العنف شعورياً ولاشعورياً إلى المدرسة أو الشارع ، أو يحتفظون به كبتاً في نفوسهم إلى حين .
لقد سبق للباحث أن قام بتأليف اختبار نفسي إسقاطي (8) على نمط الاختبار العالمي المعروف TAT (تأليف موراى) ، ولكنه يلائم أكثر البيئة العربية ، وعرض بطاقات الاختبار (صور) على عينة من المبحوثين، وعلى المبحوث أن يستجيب لكل صورة بطاقة بكتابة قصة من وحي خياله، ويقوم الباحث في النهاية بتحليل سيكولوجي لتلك الاستجابات .
لقد وضح من قصص عينة البحث فى هذا الاختبار أن إذا جاز لنا التعميم ، على الأقل بالنسبة للطبقات الاجتماعية فوق المتوسطة أو المتوسطة وما دونها ، أى أكثر من ثلاث أرباع المجتمع ، أن الأسرة المصرية وتحت ضغط الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها ، وفى نفس الوقت ارتفاع الطموح الاستهلاكي بتأثير غزو البضائع الأجنبية والإعلانات التليفزيونية والمحاكاة الخاطئة للآخرين أنها تقام على أسس ضعيفة ، وأن العنف يكمن في داخلها ، ولولا أن الشعب المصري بتاريخه الموروث يقدس الكيان الأسرى في حد ذاته ويعمل على بقائه مهما كانت المعاناة بداخله ، لانهارت أسر كثيرة .
والمحصلة الظاهرة من مختلف استجابات المبحوثين ، تتجسد في مسحة التشاؤم والإحباط والعدوان المكتوم التي تعم قصص المبحوثين ، وكادت تخفى روح الحب الحقيقي والمتعة المتجددة بالحياة .
لم يعد الاختبار الحر هو أساس بناء الأسرة ولكن هناك غالباً أو دائما " المال" يتدخل بضغوطه أو بإغراءاته.
ونعرض فيما يلي كمثال سطوراً من بعض قصص المبحوثين حول بطاقة " رجل وامرأة " في الاختبار ، سواء الذكور منهم أو الإناث (وهى كما جاءت في نص الاستجابات وبأخطائها اللغوية) .
(… وفى يوم من الأيام عاد إلى منزله في إجازة إذا بخطيبته تبلغه خبر مزعج وهو أن أحد الأشخاص تقدم لخطبتها ووالدها موافق عليه لأنه جاهز من كل شئ، وهو في حيرة ماذا يفعل. قالت له تقدم لوالدي، ولكنه رفض لأنه لا يملك ما يتقدم به، هي كانت معذورة، وكان ما كان أن وافق والدها على هذا الرجل وظل هذا محتار ماذا يفعل وتم الزواج من غيره، وهذه إرادة الله ...).
ويقول مبحوث آخر في قصته :(... ثم جاءه عقد عمل بالخارج فسافر كأي شاب أمامه مسئوليات حياة جديدة. ثم بدأ الخطابات والمراسلات، جاء في خطاب لها أن والدها جاءه إحساس أنه شاب لا يجيد المسئولية وكان يمهد لها أنه يوجد شاب آخر جاهز ومتمكن من حياته وعنده أملاك، ثم بعد 3 سنوات من السفر جاء الشاب الغائب ليجد الحقيقة المذهلة أنها تزوجت فلم يصدق فذهب إليها ليكلمها، فقالت له لقد اضطررت لهذه الزيجة لأن أبي كان يحتاج مبلغ كبير من المال لعمل عملية جراحية مهمة. فتم زواجي رغم أنفي لكي أنقذ والدي من هذا الأخطبوط المرضى. فقال لها وهو يغادر المكان أتمنى لك حياة زوجية سعيدة...) .
وتقول إحدى المبحوثات: (إن الحب في هذه الأيام مستحيل لأن الشاب يجب أن يكون متوفر لديه مال، من أجل أن يحب ويتزوج ).
ويتأكد أثر الضغط الاقتصادي في القصة التالية لمبحوثة ثانية - وكانت بطلة القصة تدعى سعاد وكأنها رمز للسعادة المفقودة- قالت فيها (كانت سعاد بنت مؤدبة ومن أسرة متواضعة وكانت بتعمل سكرتيرة في إحدى الشركات، وكانت تميل إلى زميلها بعض الشيء وهو أيضاً. ولكن لعدم وجود المال في أيديهم فهم ينتظرون إلى أن تتحسن الحالة المادية لهم، ولكن زميلها تقدم إلى خطوبتها من والدها وكانت سعاد سعيدة جداً في هذا اليوم لأنها كانت تتمنى ذلك وتمت الخطبة وكانت الشبكة متواضعة دبلتين فقط وكانت سعيدة جداً هي وخطيبها، وبدءوا في البحث عن شقة بحثوا في جميع أنحاء المدينة ولكن دون فائدة فجميع الشقق مرتفعة الأسعار والخلو كبير جداً، وأحست سعاد بالفشل وجلس خطيبها يشجعها ويحمسها ويريد منها أن تتفاءل بأن الأيام والأوضاع ستتحسن في يوم ما .
وفى النهاية وجدت سعاد أنها وصلت إلى طريق مسدود فإنها حزينة جداً فتركت من كانت تحب وتزوجت برجل أكبر منها سناً لأنه ميسور الحال).
يظهر جلياً من القصص السابقة أن إلحاح المشاكل الاقتصادية وإعاقتها لتحقيق لا نقول الأماني بل لتحقيق حق الفرد في الحياة، في أن يتزوج، جعلت أفراد العينة، ذكوراً وإناثاً، يتوحدون بتلقائية واندفاع مع بطاقة الاختبار، ويسقطون آمالهم مع إحباطاتهم، وكأن كلا منهم يحكى قصته ، قصة رباعية الأبعاد ، هو ... وهى ... وأبوها ... والمال !
إن ما كان يسمى بالزواج التقليدي ، الذي كان شائعاً في أوائل هذا القرن، وربما بقيت منه حتى الآن أمثلة في الريف أو في الصعيد، وكان يتم باتفاق الأهل دون أن يرى الخاطب خطيبته، كانت تتوفر له عوامل النجاح أكثر بكثير من أوضاع الآن. إذ كان متحرراً من سطوة المال ومن سلطان الحب الذي يملى على الفرد اختياراً بذاته. كانت مشاعر العروسين أقرب إلى الحياد، ومن ثم تيسر نشأة الحب بعد الزواج والرضا " بالنصيب " .
أما الآن وفى ضوء استجابات عينة البحث لنا أن نتساءل عن مدى التوافق الذي يمكن أن يحدث في تلك الزيجات التي تتم بالقهر، قهر المال لإرادة الأب والفتى والفتاة .
ماذا يكون إذن حال تلك الزيجات التي تمت مع هذا الآخر غير المقصود سوى ماله؟