المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الارهاب بين الظاهرة الاجتماعية والظاهرة الاعلامية


لمعيطي ادريس
02-08-2010, 03:39 AM
تزايدت الاهمية لموضوع الارهاب بعد ﺃحداث 11 سبتمبر2001م٬ والمشاهد المُرعبة التي تنقلتها وسائل الاعلام العالمية . لا ﺃحد كان يصدق ما يجري ﺃمام شاشة التلفاز مناظر الرعب والخراب والجثث في مكان الانفجار٬ وما من ﺃحد كان سيصدق ﺃن ﺃقوى دولة في العالم الولايات المتحدة الامريكية ٬ يمكن ﺃن تكون ضحية عمليات ﺇرهابية . خاصة وﺃن ﺃجهزة الاستخبارات العسكرية والمدنية الاقوى في العالم ؛ يمكن ﺃن تُخترق بسهولة من طرف متسللين لبسوا قناع الدين الاسلامي ٬ واختطفوا طائرات مدنية ٬ واتجهوا الى اكبر بُرجين في نيويورك . لا ﺃحد اﻵن يعرف تفاصيل ما وقع بالرغم من التحقيقات المفتوحة الى اﻵن عن هوية المنفذين ٬ والدوافع الحقيقية التي كانت وراء هذا العمل الارهابي الجبان٬ الذي شكل وقوعه حدثا فاصلا في تاريخ العالم المعاصر. عالم ما قبل 11 سبتمبر ٬ وعالم ما بعد 11 سبتمبر ٬ لازلنا نعيش وقائعه نحن المسلمين يوميا بمرارة من جراء التُهم النمطية ٬ التي صارت تلصق بالمسلم والعربي ؛ والمضايقات العنصرية التي يعانيها المهاجر العربي والمسلم بعد الاحداث الارهابية على الولايات المتحدة الامريكية ٬ والحملات الاعلامية المغرضة والمحرضة على كراهية المسلمين والعرب في الولايات المتحدة الامريكية واروبا . حيث صار التدين بالاسلام هناك تهمة ؛ وشعورا بالنقص؛ والرغبة في عدم الانتساب الى ما يبث للاسلام والعروبة بصلة . وﺃصبح المسلمين وحدهم في مواجهة الكراهية ؛ والعنف ؛ والتميز الاجتماعي دون الاخرين من الاديان والاعراق من المهاجرين . كل هذه العوامل جعلتني ﺃعيد التساؤل من جديد عن ماذا حدث بتفصيل بعيدا عن الحماسة ٬ والعاطفة التي تشدنا نحن المجتمعات العربية ٬ وطرح تساؤلات سوسيولوجية ٬ تختلف عن المقاربة الاعلامية التي جعلت من الارهاب هاجسا يخيف الافراد والمجتمعات والدول . يمكن طرح تساؤل سوسيولوجي عن الاستعدادت الذاتية ٬ والاجتماعية التي يمكن ان تجعل شخصا مثقفا مثل طبيب ؛ ومهندس؛ وطيار؛ وتقني معلوماتي؛ وخبير في المتفجرات ان يقوم بعملية انتحارية ( اي ما يسمى بعملية جهادية ) ؟ السؤال الثاني كيف ﺃستطاع ما يسمى بتنظيم القاعدة ﺃن يستقطب هذه النوعية من الاشخاص ذوي تكوين علمي ومهني مرتفع ؟ سؤال ﺃخر عن العوامل الاجتماعية التي تؤدي الى ظاهرة الارهاب ؟ وهل الفقر والتهميش يدفع الانسان الى الانتحار في سبيل دينه الاسلامي؟ سؤال ﺃخير هل الدين الاسلامي وحده هو الذي يتصف بالارهاب؟ وماذا عن ظاهرة الارهاب في الاديان الاخرى المسيحية واليهودية ؟ ﺃسئلة ضمن ﺃخرى كثيرة ٬ يمكن طرحها تساعد في الاجابة عن ﺃمور٬ بقيت غامضة في معالجة موضوع الارهاب . خاصة وﺃن الموضوع اتخذ صفة التضخيم والتضليل من طرف وسائل الاعلام الغربية والعربية ٬ لا موضوع اخر غير بث صور لزعيم تنظيم القاعدة ؛ وتسجيلات مصورة ومسموعة عن مختطفين غربيين ؛ تم اختطافهم من طرف عناصر القاعدة في جبال افغانستان وباكستان . الامر الذي جعلني صراحة ﺃشك في وجود تنظيم القاعدة ﺃصلا ٬ وهل هذه الاعمال الارهابية حقيقية ؟ ام انها من صنع الاعلام الغربي قصد تشويه المسلمين والعرب في العالم . يمكن ان اعترف للقارئ ان اختياري لموضوع ظاهرة الارهاب لم يكن بالصدفة ٬ وانما حددته ضرورات طرح السؤال السوسيولوجي ٬ على كل ظاهرة اجتماعية وان كانت ظاهرة الارهاب تختلف عن ظواهر اجتماعية اخرى ٬ اتخذت لها صورة اعلامية كبيرة يجعلها حاضرة في اذهان كل الناس ٬ تقلق وتزعج الافراد في تحركاتهم ٬ ونحن ٬ يمكن ان نلمس ذلك من خلال حجم القلق ٬ والخوف الذي يشعر به المواطن العربي والمسلم ؛ من جراء التخويف الشديد الذي تمارسه قنوات اعلامية غربية ؛ وقنوات عربية اخرى تردد نفس الاخبار عن القاعدة ٬ وعن الاجراءات الصارمة المتخذة في المطارات الاروبية والامريكية ٬ وعن المحاكمات لعناصر القاعدة في العراق وافغانستان والمغرب العربي وتركيا وبلدان اروبية ٬ ومحاولات اختطاف ﺃروبيين في اليمن ٬ يجعل المواطن البسيط يرفع درجة الحذر لديه ٬ من خطر ارهابي وشيك قادم.
يمكن ان اقول ان الاعلام الغربي ساهم في انتاج صور نمطية خاطئة عن المسلمين ٬ وكرس حقيقة ان الارهاب صناعة اسلامية خالصة؛ ساعد في ذلك ضعف مواجهة الحملات الاعلامية من طرف وسائل الاعلام العربية . التي وجدت نفسها في موقف المدافع عن النفس او الضعيفة او غير مهتمة لتحسين صورة المسلم والعربي عند الرﺃي العام الاروبي.
المحور الاول : محاولة تعريف الارهاب واعطاء لمحة عن صناعة تنظيم القاعدة
يتفق الكثير من الباحثين عن صعوبة تعريف ظاهرة الارهاب ٬ ومن هو الشخص الارهابي٬ وﺒﺄي مقاييس علمية يمكن ان نحكم على الاشخاص ﺃنهم ارهابيين. في ظل غياب كامل لدراسات سوسيولوجية وانثربولوجية ٬ عن جذور هذه الظاهرة الاجتماعية الجديدة والقديمة في عصر العولمة والانترنيث ٬ ومن هو الذي يستطيع تعريف الارهاب على مزاجيته وخلفيته الحضارية ٬ اذا علمنا ان الاقوى هو الذي يستطيع ان يُعرف دائما . هل نعتمد تعريف الولايات المتحدة للارهاب ٬ ام نتخذ الحيطة والحذر من مثل هذا التعريف . على كل حال الارهاب يعني في معناه البسيط :« هو كل عنف موجه من طرف الى طرف اخر يتخذ خلفية دينية وعقائدية ومذهبية ٬ غرضه القتل والحاق الاذى والانتقام من طرف يختلف معك دينيا وعقائديا ومذهبيا» . ويعرف الباحث منير مزيد الانسان الارهابي :« هو انسان حدي متعصب في كل شيء ٬ هو يرى الامور في وضع لا يعرف النسبية والناس اما اعداء واما اصدقاء . اما معي او هم من الضروري ضدي والوسطية لا وجود لها في تصوره بل ينكر وجودها ٬ ويعتبرها ضربا من ضروب تميع الحقيقة » يتبين من خلال التعريف ﺃن سيكولوجية الانسان الارهابي متوحدة اذا جاز القول فهو لا يقبل الا من يشبهه في الدين واللون والعرق ويرفض الاختلاف ﺃي كان نوعه . ويمكن ان نوسع دائرة التعريف لتشمل كل شخص يتعصب لعرقه وجنسه ولونه ٬ ولا يقتصر الارهاب على الدين وحده وهذا ما تريد جهات غربية ان تخفيه ٬ ويمكن ان يشمل الممارسات العنصرية على الشعب الفلسطيني وخطابات اليمين المتطرف في اروبا ابان الانتخابات ٬ وكل اشكال التلفظ العنصري الصادرة عن شخصية سياسية او دينية في اروبا .
ننتقل الى مناقشة المتهم الرئيسي في صناعة الارهاب العالمي تنظيم القاعدة وجذوره التاريخية التي تعود الى التمانينات من القرن الماضي ٬ فهو تنظيم تمت صناعته وتمويله من اجهزة المخابرات الامريكية والعربية في مواجهة الامتداد الشيوعي للاتحاد السوفياتي على افغانستان واسيا الوسطى ٬ تزعم هذا التنظيم اسامة بن لدن تحت اشراف المباشر للولايات المتحدة الامريكية . لما انتهت الحرب على افغانستان وطرد الاتحاد السيوفياتي تحول من تنظيم اقليمي الى تنظيم عالمي جند الاف المقاتلين العرب وتدريبهم في افغانستان وجبال باكستان كان اول خروج اعلامي للتظيم يوم تفجير الناقلة الامريكية في اليمن مطلع التسعينات . لكن انشطته لم تلقى الانتباه الاعلامي الكبير الى بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001م انذاك انقلب السحر على الساحر ٬ ﻓﺈذا كان هذا التنظيم الارهابي صناعة امريكية فلماذا ندفع نحن المسلمين ضريبة افعال لم نقترفها ؟ ٬ الم يكن من العدل ان نفصل بين ارهاب القاعدة وافعال منفصلة قام بها مسلمين هنا وهناك ٬ لماذا تخلط وسائل الاعلام الغربية بين تنظيم القاعدة وجماعات دينية اسلامية متواجدة في بلدان عربية تساهم في انشطة خيرية واعمال اجتماعية ؟ لماذا الاضواء مسلطة على الجماعات الاسلامية وليس غيرها من الجماعات الدينية الاخرى الا توجد جماعات دينية مسيحية متطرفة في اروبا وجماعات يهودية متشددة في اسرائيل ؟ لماذا هذا الحكم الجائر على كل ماهو مسلم وعربي في اروبا والولايات المتحدة الامريكية؟.
المحور الثاني : قدرة تنظيم القاعدة على الاستقطاب الفكري .
لا توجد اليوم دراسات علمية حول تنظيم القاعدة . الشيء الذي يجعل الساحة مفتوحة على بعض الاشاعات عند الناس ٬ كما ان طبيعة تنظيم القاعدة هي سرية في انشطته وتنظيمه وتمويله ٬ يجعل من الصعب على ﺃي باحث ان يجد معلومات سوى بعض التقارير الصحفية التي لا يمكن الاعتماد عليها في انجاز بحث يقتضي الموضوعية ٬ كما يجعل من غياب المعلومات الصحيحة ان يصبح لتنظيم القاعدة مد جماهيري اعلامي ؛ يبتغي منه التنظيم جلب التعاطف الشعبي العربي والاسلامي في مواجهة اعدائه . عبر خرجاته الاعلامية هنا وهناك تضامنا مع موقف ظالم تعرضت له دولة من الدول العربية او الاسلامية. الشيء الذي يبين نجاح تنظيم القاعدة في استراجية الخرجات الاعلامية ٬ هو استهداف الجماهير العربية الغاضبة عن موقف سياسي مخجل للحكومات . يجعل هذا الجمهور يبحث عن بديل لهذا الوضع الضعيف كما وقع في حرب لبنان ؛ وحرب على غزة ؛ والصور المسيئة لرسول لله محمد عليه الصلاة والسلام . يجعل تنظيم القاعدة الاقرب الى الجماهيرعبر تسجيل الاهداف في مرمى الحكومات العربية والاسلامية ٬ ويجعل موقفها محرجا امام الولايات المتحدة التي تضغط بكل قوة في اتجاه القضاء على الارهاب في اشكاله المتطرفة .
وبهذه الاستراتيجية استطاع تنظيم القاعدة ٬ ان يبقى حيا لم يموت ٬ وﺃن يقترب من الجماهير العربية والاسلامية الشعبية الغاضبة التي تكن له تعاطفا خاصا وان كانت لا تتفق معه في الوسائل التي يستخدمها كالتفجيات الدموية واختطاف المواطنين الاروبيين والاكثر من ذلك استطاع هذا التنظيم الارهابي ان يستقطب نخبة مثقفة من العرب والمسلمية وحتى من غربيين تتستر الولايات المتحدة عن فضح اسماءهم فجل المنفذين للاحداث 11 سمبتمبر ذو مستوى تعليمي جامعي وتقني عالي في بعض التخصصات القليلة هندسة الطيران وصناعة المتفجرات والصواريخ والذرة والمعلوميات واجهزة الحاسب وغيرها اضافة الى تكوينهم الديني الذي استطاع تنظيم القاعدة ان يوجهه لتحقيق اغراضه.
ما الذي يجعل انسانا مثقفا ينفذ عملا ارهابيا ؟ اجابة تبقى صعبة في ظل غيابدراسة سوسيولوجية وانثربولوجية ونفسية متكاملة . لكن في طرح هذا السؤال نصف الجواب هو قدرة تنظيم القاعدة على الاستقطاب الفكري حتى النخبة المثقفة تنجذب الى مشروعه المقاوم لاحتلال الصهيوني والتواجد الامريكي ولحلف ما سميا بالاعتدال لانطمة السلطة العربية التي ظلت عاجزة على انتاج خطاب فكري بديل يساير روح العصر٬ ويستجيب لتطلعات فئات عريضة من الشعب .
المحور الثالث : هل الفقر سبب اجتماعي في ظهور الارهاب ؟
لا احد يستطيع ان يرد ظاهرة الارهاب العالمي الى انتشار الفقر كسبب رئيسي في المجتمعات العربية والاسلامية ٬ ﻷن التدين هو سلوك اجتماعي يمارسه الفقير والغني على السواء ٬ ولا يمكن قياس مؤشر التطرف والارهاب عند هذه الفئة الاجتماعية دون الاخرى وان كانت مقولة ان احزمة الفقر في المجتمعات مسؤولة عن تفريخ الارهابيين هي خاطئة بالاساس ٬ ﻷن هذه الاحزمة الاجتماعية نفسها كانت مصدر دائما لتخريج المسؤوليين السياسين والرياضين ورجال السلطة غالب اصولهم الاجتماعية فقيرة ترقو بفضل التعليم والجد الى مستوى اجتماعي راقي . ومن يرد الارهاب الى الفقر فهو خاطئ بالاساس ويحاول ان يختزل السبب ويغالط الحقيقة . وماذا يمكن القول عن منفذي عمليات 11 سبتمبر 2001 الذين كانوا من نخبة مثقفة وراقية اجتماعيا ٬ وحتى تمويل مثل هذه العمليات الارهابية يحتاج الى ﺃموال ضخمة تفوق امكانية تمويل الفقراء٬ وقد نقول ان بعض المجتمعات تكون استعدادتها الاجتماعية اكبر لظهور الارهاب من بعض المجتمعات الاخرى لكن في المحصلة النهائية ان الارهاب ظاهرة معولمة لا تعرف حدود جغرافية ولا تخص جماعة اجتماعية بعينها او دينا معينا او فردا دون غيره الكل المجتمعات في عرضة الى انتشار هذه الظاهرة بين فئاته لذا ينبغي العمل على التحصين التربوي لاجيالنا من فكر مغالى في التطرف قد يتسلل الينا .
في الختام يمكن ان نستنتج ان الارهاب العالمي هو ظاهرة اعلامية يفوق تواجدها الاسباب الاجتماعية٬ فهو لا يتعلق بجماعة معينة ؛ ودين معين ؛ او فئة اجتماعية دون اخرى . والكل على استعداد ان يكون ارهابيا ٬ شريطة ان يكون محصنا فكريا وتعليميا مدركا لمعاني دينه محترما لدين غيره .