المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أهمية علم الاجتماع الديني


محمود عبدالعليم
06-20-2008, 01:11 AM
علاقة الدين بالمجتمع.. علاقة اجتماعية حيوية يجب ان تدرس وتبحث وفق منظور علمي ذلك لما لها من مكانة فاعلة ومنفعلة في منظومة المجتمع ومفاصله.. وبخاصة في الدول العربية.. ولهذا خصص علماء الاجتماع الغربيون علم الاجتماع الديني يقوم بتحليل الظاهرة الدينية وتركيبها من جديد من أجل وضع الدين في مكانه المناسب كعلاقة روحية بالفرد لها استقلاليتها بعيداً عن التوظيفات الايديولوجية والسياسية والثقافية على عكس التوظيف الديني والسياسي للإسلام كأيديولوجية في حالة صراع على الهوية والأصالة مع الحداثة.. ان علم اجتماع الديني ولد من رحم تساؤل علم الاجتماع حول العصرية، والغريب او الطريف ان من ساهم في تطوير هذا العلم في اوروبا.. هي الاوساط الدينية المسيحية، كما أكد ذلك (جان بول وليم) في كتابه (الاديان في علم الاجتماع).. حتى ظهرت تخصصات في (علم اجتماع الكاثوليكية) و (علم اجتماع البروتستانتية).

إلاّ ان من المؤسف ان هذا العلم يمنع من التدريس في معظم الجامعات العربية.. وذلك باعتباره مادة محظورة وخطاً احمر لا يمكن تجاوزه باي شكل من الاشكال.. والجامعات العراقية حالها حال بقية الجامعات العربية في وقت تشكل فيه التنوعات الدينية والطائفية والعرقية احد اهم الازمات الرئيسية في بناء نظام سياسي موحد يستوعب كل تلك التعددية الاجتماعية للعراق دونما تقسيم.
ان ملاحظة مدى تأثير الدين وتأثره بالمجتمع وعلاقته بالمؤسسات الاجتماعية الاخرى ودراسة التغييرات التاريخية والمعاصرة التي تطرأ عليه هو أحد اهداف علم الاجتماع الديني الذي يضع بأيدينا مفاتيح الظاهرة الدينية منطلقا من مبدأ.. لا يمكن البحث في الدين خارج الأطر الاجتماعية والنفسية والتاريخية للإنسان.. فالدين كواقع اجتماعي، يتغير عن اساسه الاعتقادي (فالإسلام الواحد عقائدياً هو ليس كذلك سوسيولوجيا، ولا يكفينا الكلام على اسلام عربي وغير عربي، اذ هناك تنوع سوسيولوجي للإسلام نفسه، كممارسة لدى العرب انفسهم، وبين المسلمين غير العرب في اسيا وافريقيا، واوروبا والامريكتين) كما اكد ذلك أ.د. خليل أحمد خليل.. وما الانقسامات والنزاعات الحاصلة داخل الدين الواحد ليس بسبب الاختلاف الاعتقادي.. وانما ناتج من جملة التناقضات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. ذلك ما اكده (حليم بركات) في بحثه (المجتمع العربي في القرن العشرين). إلا ان عالم الاجتماع (انطونيو غرامشي) لاحظ ايضاً (ان كل دين هو في الواقع عديد من الاديان المختلفة والمتناقضة غالباً: فهنالك كاثوليكية للفلاحين وكاثوليكية للبرجوازية الصغيرة وعمال المدن وكاثوليكية للمرأة وكاثوليكية للمثقفين).
وواضح من هذا ان ديناميكية المجتمع وتفرعاته المختلفة تنعكس بشكل او بآخر على بنية الدين وبالتالي فان المجتمع هو الذي ينتج الظاهرة الدينية حتى ولو بصيغة افراد.. هم في الحقيقة عبروا عن تحول اجتماعي حتمي مرتقب.
ان تجريد الدين من جذوره الاجتماعية وتطويقه باسلاك شائكة من (التابو) ومحاربة البحوث والدراسات العلمية التي تحلله او تنقده، قاد الى توظيفات سياسية وانتهازية ونفعية من قبل انظمة حاكمة ورجال دين من اجل استغلال وتبرير سلطات قمعية ومؤسسات وحركات متطرفة اصولياً.. ان مواجهة هذه الحركات الراديكالية ليس بتكفيرهم او تجهيلهم بفهم الاسلام فهؤلاء لم ينطلقو من فراغ ديني.. ان المواجهة تبدأ من استقصاء وتغيير الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتي جعلتهم يلوذون بالدين ويوظفونه بهذا الاتجاه الجذري عن الحياة العصرية.
ان تحييد الدين وتخصصه بالجانب الروحي للأفراد واستقلاله كالعوامل الاخرى مثل الاقتصاد والفن والسياسة والعلم.. تجعلنا نواجه مشاكل اجتماعية عالقة كالالتزام بحقوق الانسان والمساواة بين الرجل والمرأة والتعددية والحرية الدينية والعلمانية والحرية الفكرية.. الخ
ولقد كتب عن هذا الموضوع بحوث كثيرة إلا انها ظلت محصورة في الوسط الثقافي وعلى المستوى النظري فقط من دون ان يشاع في الاوساط الاكاديمية .. لذا فمن الضروري ادخال علم الاجتماع الديني ضمن مناهج علم الاجتماع العام وتدريسه بصورة علمية كبقية العلوم الأخرى.
ولست اعلم فيما اذا كانت هذه الدعوة مكررة ام لا إلا انني اعتقد ان التأكيد عليها بات من الضروريات لكتابة بحوث تدرس وتعالج الظاهرة الدينية في المجتمع العراقي خاصة والعربي عامة.


المصدر:-
http://www.almadapaper.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=36189