المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثقافة الأمن في المجتمع القطري


الظعاين
05-24-2008, 04:30 PM
ثقافة الأمن في المجتمع القطري

لو نظرنا إلى الوراء قليلا مطلين على سير الأمن ونوعية ثقافة الأمن في المجتمع القطري في الماضي البعيد نسبيا- أي منذ ما يقرب من خمسين عاما - لوجدنا أن قنوات التثقيف المجتمعي للأسرة كانت تتسم بالتعدد النوعي النسبي المحكوم بحزام أمني واحد وهو أسرة
( الفريج ) ، فعلى الرغم من أن الفرد منذ نعومة أظفاره كان يتصل بعدة مستويات من قنوات النقل البشرية لثقافة المجتمع – من أتراب ووالدين ومن في حكمهم إلى درجة الأجداد – إلا أن هذا لم يتمخض عن اختلافات وتناقضات جيلية في التوجهات والتوجيهات المجتمعية بل نتج عنه الكثير من الاحتواء لأفراد المجتمع ، وما كان ذلك إلا لكون المجتمع العام يتمتع بنوع من الانسجام والاتفاق في المرئيات الآنية والمستقبلية مما ساعد على توحيد مسارات الذاكرة المجتمعية بالنسبة لما يمكن توصيله لأجيال عبر الأجيال وهذا أضفى قدرا كبيرا من الأمن الثقافي المتفق عليه ضمنيا عند الجميع ومنه نتج ما يمكن أن نسميه بـ(العرف السلوكي ) للأفراد صغارا وكبارا وقد أطلق عليه قديما اسم (السَلْك والسَنَع ) والذي عمدت جماعة الفريج على أساسه بعزل من لا يحملون إرث سلك الجماعة عزلا تصنيفيا فارزا لهم كما حدث مع أهل الطرب ومن صنفهم المجتمع في حكمهم ممن يرتادون دور اللهو والسمر والسهر ، ومع ذلك فقد مارس المجتمع بشكل قوي نوعا من الرقابة القيمية للمنتجات الفنية لهؤلاء فلم يسمح سوى بإعلان الأغاني التي تحث على القيم النبيلة وتتغنى بالصفات الأخلاقية لدى الأفراد من رجال ونساء سواء على مستوى حفلات الأعراس أو المناسبات الدينية في الأعياد أو في المناسبات العامة .

ساند ذلك ورافقه أن الأم في البيت كانت تتغنى لأولادها بأغان شعبية متوارثة تحث على الاتصاف بالصفات والقيم الحميدة ، وكانت تتبع في ذلك نهجا تربويا واعيا حين كانت تستبدل أسماء أصحاب الهمة بأسماء أولادها من بنين وبنات والأمثلة على ذلك كثيرة .

وفي المقابل كان المجتمع يرفع القيمة المجتمعية للأفراد الذين يتشربون إرث الجماعة ويقدمهم على غيرهم تعزيزا للقيم التي يحملونها ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل كانوا يستغلون كل أنواع الوسائل الإعلامية التثقيفية المتاحة لغرس هذه القيم في الأفراد حماية لهم ولمجتمعهم ولأجيالهم ، ومن تلك الوسائل الشعر الذي كان يحتل مقاما رفيعا كوسيلة إعلامية متاحة ومرغوبة ومؤثرة في نفس الوقت .
لذا نجد أن الشاعر يقول مخاطبا الفتيان والشباب ملخصا التوجيهات التربوية الوقائية المطلوب أن تتحول إلى ثقافة أمنية للوصول إلى أمن مجتمعي ثقافي :
احذر من الدنيا تغرك وتغراك ولا تحسب إنها على الكيف تعطيك
ولا تغرك يا فتى كثر الأملاك وشعاد لو تربح بكثرة مشاريك
حافظ على التقوى ترى الدين يحماك واصبر على أمر من الله ياتيك
أحذرك من ربعة خبيثين الأسلاك ترى ربعة الحمقين يا صاح تدنيك
ايعرضك طرق على غير مهواك إن صار حزات اللوازم يخليك
احرص على جار يعزك ويدراك عزه وخل الجار حسبة أهاليك
إحذر عدوك لا تخليه وياك ولا تفضي له خفايا مساويك
وقال أيضا
إن كان ما عندك نديم يدلك على الخير ولا يعتريك العيب
هذه الأبيات لم يكن الشاعر ليكلف نفسه عناء إنشائها وإنشادها وكتابتها لو لم يكن على ثقة بأنه سوف يجد له أذنا صاغية وذهنا مستوعبا لما يمكن أن يعنيه الأخذ بتلك الوصايا .
ولو تفحصنا هذه الأبيات لوجدنا تلخص الاتجاهات والمسلمات الثقافية المجتمعية التي أراد مجتمع الأسرة أن يغرسها في نفوس النشء حماية له مما قد يواجهه اجتماعيا وثقافيا ، كما أنها تخلص إلى القناعة بأن الفرد كثير بإخوانه وأن الجماعة للفرد والفرد للجماعة ومن هنا كان التأكيد على أن يكون الجار – ضمنيا - واحدا من العائلة وما ذلك إلا حرصا من الوالدين على تكوين قاعدة بديلة من المشرفين ليحلوا محلهما ويقوموا بأدوارهما- عند الضرورة-وبرضا الأولاد.

كما مارست الأسرة نوعا من التثقيف الأسري الواعي توثيقا للعلاقات بين أفرادها وتأكيدا للهوية الانتمائية عن طريق استحداث نوع من الإلغاز والتسابق بين الأطفال حتى في الجلسات العادية استثمارا لوقتهم للمتوفر من وسائل الترفيه عنهم واختبارا لمعرفتهم للتشعبات الأسرية في عائلتهم فكان أن أوجدت مسابقة " سويرة وبنتها ..عرفنا من تحتها " والتي تتلخص في أن تعمد الأم إلى ذاكرتها القريبة والبعيدة و مخزونها المعرفي عن أعداد أفراد أسرتها من جهة والديها وعائلة زوجها من جهة والديه لتسأل أبناءها عنهم ، فإذا لم يتعرف الطفل على فرع معين من الأسرة عمدت إلى تعريفه بهم عدديا واسميا وحتى يمكن سنيا والتعريف بأماكن سكناهم ، ويتبارى الأطفال المتحلقين حولها في تخزين المعلومات الجديدة للاستفادة منها في مرات قادمة . هذه المسابقة البسيطة في محتواها وسير تنظيمها كانت تهدف وبشكل متعمد لمعرفة الأهل والأقارب مما يشبع لدى الطفل شعوره بالامتداد واتساع الدائرة المجتمعية للرجوع إليها عند الحاجة . هذه القناعة الاجتماعية سيرت توجه الاستقرار والتوطن في المناطق على مدى عقود من الزمن ولا زالت تواصل ذلك ما أمكن وهذا يجعلنا نخلص إلى نتيجة وهي أن المجتمعات لا تستمر في تعزيز سلوك أو اتجاه برفعه من مستوى الممارسة الفردية إلى مستوى التأكيد المجتمعي المتواصل إلا لثبوت نجاحه كشكل من أشكال المحافظة على الكيان والهوية .

اليوم ومع تعدد وتشعب وتشابك قنوات الإمداد المعرفي والثقافي والقيمي وعلى جميع المستويات الفردية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها ، وفي ظل ما يسمى بالعولمة ودخول الأفراد مراحل من الاغتراب في التواصل الفكري والاجتماعي مع تواجدهم في نفس الحيز المكاني ، وفي ظل اتجاه التغذية الراجعة المجتمعية لثقافة الهوية - بكل معطياتها بما فيها المعطيات الإيجابية- نحو الانحسار أصبح الأمر يحتاج إلى تكثيف وتكامل جهود عامة وخاصة قيما يتعلق بتعزيز قيم التواصل الاجتماعي الإيجـابي بين الأفـراد والجماعات ، مع العنـاية بالتوعيـة الفردية والمجتمعية والمؤسسية بثقافة الأمن ، خاصة وأن معظم الدراسات والآراء تكاد تتفق على تعدد جوانب الآثار السلبية التي يتركها تواجد النشء أمام شاشات الفضائيات وشاشات التقنيات الحاسوبية لساعات طويلة من اليوم مما أدخل الكثير منهم في حالات من تبني الخيال المبالغ فيه كواقع معترف به خاصة فيما يتعلق بمناظر العنف والرعب التي أعطيت جواز مرور اجتماعي وأصبح القتل على سبيل المثال أمر ميسر وسهل بإطلاق من مسدس أو تفجير مبنى أو انفجار مركبة سواء على شاشة التلفزيون أو في الألعاب الإلكترونية المتعددة الأشكال أو من خلال الإنترنت أو على شاشة الكمبيوتر الذي تحول إلى تلفزيون شخصي .
وأصبح التعدي على الآخرين في الألعاب ومحوهم فوزا وانتصارا يؤدي إلى رفع معدلات الاستمرار في اللعب والتفوق الوهمي ،ومن هنا بدأت نسب المظاهر النفسية والانفعالية والاجتماعية غير السوية في البروز بشكل واضح لدى الأطفال ، ومنها الانعزالية والميل إلى الخنوع والخوف والقلق والسلوك العدواني.
وهذا لا يعني أنه لا توجد محاولات أسرية ومجتمعية ومؤسسية للحد من هذه المظاهر قبل أن تتحول إلى ظواهر ولكن الأمر يعني أن لا بد من الاستفادة من هذه الومضات المنبهة للمجتمع بكافة قطاعاته وخاصة الأسرة والقطاع الأمني والاقتصادي والإعلامي لإعادة تقييم المسارات وتوحيد الجهود سيرا نحو التكامل .
والعمل وعلى جميع الأصعدة من منظور أن انتشار الأمن والأمان في المجتمع العام هو توافر للأمن الخاص لكل فرد في المجتمع ، وأن الوطن هو البيت الكبير المتوقع أن يساهم الجميع في حمايته وحماية أفراده ، ومن هذا المنظور والهدف تبني المؤسسات قناعات أفرادها ومنتسبيها وبشكل عملي وواقعي ، وتستثمر في سبيل تحقيق ذلك كل ما تملك من القدرات ،الطاقات ،المناسبات والإمكانيات ، على سبيل المثال لا الحصر في مجال إعداد المناهج والمطبوعات والإعلانات والملصقات على الكتب وفي لوحات الحوائط المدرسية ، وفي الشوارع ،على شاشات التلفزيون وفي صفحات الإنترنت ، في الأسواق ، وفي صالات الألعاب .
وتأكيد الدفع بوسائل الضبط الاجتماعي من : معتقدات دينية ،قانون ، رأي عام ، مثل عليا ، إيحاء اجتماعي ، قيم اجتماعية وغيرها إلى أن يتبناها المجتمع- بمؤسساته الرسمية وغير الرسمية ككيان عام والأسر ككيان خاص والأفراد كممثلين عن أنفسهم -من أجل التنظيم وبشكل تعاوني مشترك لإيجاد نوع من التواصل والتوازن والتوافق بين عناصر البنية الاجتماعية في وقت أصبح الفرد مجتمعا بذاته عندما ينفرد بالتخاطب والتفاعل مع المعطيات الثقافية والقيمية والعلمية الواقعة مكانيا خارج مجتمع التفاعل الوجاهي والواقعة ذهنيا وشبكيا داخل نطاق التفاعل اليومي للأفراد .

ولذا لا بد من استقطاب الناشئة والشباب في مجالات الحماية القيمية للمجتمعات الصغيرة في المناطق السكنية وهذا يمكن إنشائه عن طريق الاستفادة من مجالس " الفرجان " -قبل أن تنحسر هذه العادة وتتحول المجالس إلى أماكن مناسبات فقط .

وهذا يعني الحد من التوجهات لدى بعض الأفراد والمؤسسات في السعي نحو تعزيز ما يمكن أن يطلق عليه اسم : الإسكان العشوائي بالفرز على أساس من مستوى الوظيفة : كبار موظفين وصغار موظفين ، أو نوع الوظيفة خاصة فيما يتعلق بأراضي السكنى الممنوحة من الدولة ، وذلك لأن تعزيز هذا من الممكن أن يفرز عينات غير متجانسة اجتماعيا لكونها قدمت من مناطق وثقافات مختلفة ، إذ أن تقارب المستوى الاقتصادي لا يعني بالضرورة تقارب الثقافات والسمات والاتجاهات ، فتمضي تلك الجماعات زمنا في تدارس الوضع الاجتماعي و إمكانية التجانس مع الآخرين وبحذر وهذا ما نلاحظه – على سبيل المثال - عندما جرب هذا النوع من الإسكان بتعاقب وعلى مدى ثلاثة عقود ومنذ بداية السبعينات فلم ينجح واقتصر على عدة مناطق: مدينة خليفة الجنوبيـة والشمـالية وشعبيـة الهلال وإسكان كبـار موظفي الخليـج الغربي ( الدفنة ) والهلال ، والدليل على ذلك أعداد المستبدلين لأراضيهم و قسائمهم مع غيرهم وإعلانهم عن ذلك في الجرائد مع تحديدهم للمناطق التي يودون الاستقرار فيها ، هذا التحديد من الممكن أن يفسر على أنه رغبة اجتماعية من الأسر الصغيرة بالاقتراب من مناطق أسرها الكبيرة وامتداداتها وفروعها .