في
الأحد 20 أبريل 2014

جديد الصور
جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو

سعودي عقار

المقالات
أقلامهم
التخييل عند العرب

التخييل عند العرب
07-11-2009 05:42 AM

تعريف التخييل لغة( خَيَل: ([1]) خال الشيء يخال خَيْلاً، وخَيْلَه, ويُكْسَران، و خاَلاً، وخَيَلاناً، مُحرّكةً، وَمخِيلَة ومَخَالَةً وخَيْلولة: ظنّه.... وفي التهذيب خِلْته زيداً خيلاناً، بالكسر، ومنه المثل:مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ أي يظن. وخَيّل عليه تَخْييْلاً، وتَخَيُّلاً: وجه التُّهْمة إليه كما في المحكم. وخيَّل فيه الخير: تفرّسه وتَخيّل الشيء له إذا تشبّه. وقال الراغب: التخيُّل: تصُّور خَيَال الشيء في النفس....

وقال الراغب: أصل الخيال القوّة المجرّدة كالصورة المتصوّرة في المنام وفي المرآة وفي القلب، ثم استُعمل في صورة كل أمر مُتصوَّر، وفي كل دقيق يجري مجرى الخيال. وأخال الشيء اشتبه، يقال: هذا أمر لا يُخيل. قال: والصدق أبلج لا يُخيل سبيله والصدق يعرفه ذوو الألباب وخُيّل إليه أنه كذا.. من التخييل والوهم، ومنه قوله تعالى: «يُخيَّل إليه من سحرهم أنها تسعى». والتخييل: تصوير خيال الشيء في النفس... وشيء مُخِيل: مُشْكِل. وكذلك باقي المعاني التي يمكن أن نلخصها بـ: الظن وتوجيه التهمة والتفرّس والتشبه وتصور خيال الشيء في النفس والاشتباه والتوهم، والإشكال. وقد جاء في التعريفات للجرجاني ([2]): الخيال: وهي قوة تحفظ ما يدركه الحس المشترك من صور المحسوسات بعد غيبوبة المادة بحيث يشاهدها الحس المشترك كلما التفت إليها. فهو خزانة للحس المشترك، ومحله مؤخر البطن الأول من الدماغ. ولم تخرج بقية كتب اللغة والتعريفات عن هذه المعاني وهذا الاصطلاح([3]). توطئة: إن دراسة التخييل والتخيل عند الجرجاني أو حازم القرطاجني، أو حتى عند غيرهما من الأدباء والنقاد والبلاغيين بَل والفلاسفة العرب، لا تكتمل ولا تتوضح إلا بمعرفة هذا الموضوع عند اليونانيين. إذ إن نظرية الخيال في التراثَيْن العربي والغربي تدين للثقافة اليونانية التي تلقفها العرب وأفاضوا في تفسيرها والإضافة إليها. وقد تأثر كلٌّ من الفلاسفة والأدباء والنقاد والبلاغيين بمن سبقهم من فلاسفة اليونان، كأرسطو وأفلاطون([4])، ولذا أرى أنه لا بد من أن أمهد بشيء عن التخييل لدى أرسطو وبعض الفلاسفة المسلمين، حتى نصل إلى الجرجاني والقرطاجني، فإن الأخيرَيْن قد تأثرا بشكل ملحوظ بالفلاسفة المسلمين أمثال ابن سينا بل إن حازماً القرطاجني يكاد لا يخرج عن أقوال ابن سينا. وابن سينا وغيره من فلاسفة الإسلام تأثروا بفلاسفة اليونان فالموضوع مترابط لا يمكن فصله، ومالا يدرك كله لا يترك جُلّه. لقد اهتم أرسطو في تعريف التخييل وعالجه في كتابه النفس، ولم يتعرض له في فن الشعر إلا بإشارة سريعة([5]). أما رأي أرسطو في طبيعة التخيل ومدى حظه من الصدق والكذب، فيمكن إيجازه في أن التخيل ضرب من الحركة في الذهن يقابل الحركة في عالم الحس (كما مرّ آنفاً) وحركة التخيل يجب في رأيه أولاً: ألا تكون قادرة على الوجود بدون الإحساس، وأن تنتمي إلى الكائنات التي لا تحس. ثانياً: أن تجعل صاحبها قادراً على أن يفعل وينفعل بعدد كبير من الأفعال. وأخيراً أن تكون هي نفسها صادقة أو كاذبة([6]).
التخييل عند ابن سينا: إن الكلام في التخييل عند الفلاسفة المسلمين من حيث مصدره ومفهومه فيه آراء ومواقف متباينة كثيرة، فقد اختلفوا في ذلك مذاهب شتى، ومنهم من يخلط بين المحاكاة والتخييل، ومنهم من يجعل التخييل والوهم شيئاً واحداً. إن تأثير كل واحد منها بالآخر واستمداده من الفلسفة اليونانية وأثره في الثقافة العربية، كل ذلك يحتاج إلى دراسة مطولة متأنية تفصل بين الآراء المختلفة وتبين الفرق بين هذه المصطلحات ([7]). - ويظهر التقصي التاريخي على أن مذاهب اليونانيين في علاقة الإدراك الحسي بالتخيّل، قد انتقلت برمتها إلى تراث الثقافة العربية، ومما يدل على هذا تأثر الفلاسفة المسلمين بذلك أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد. وأولهم تأثراً الفارابي، وكان لأرسطو النصيب الأوفى من التأثير بفضل الترجمة، وقد حظي بعناية كبيرة. أما ابن سينا فقد تأثر بالفارابي في كل ما كتبه في المحاكاة والتخيل والتخييل، وأفاد منه إفادة كبرى جعلته يوضح هذه الأمور ويسهب فيها ويطورها عما كانت عليه([8]). «وجدير بالذكر أن ابن سينا هو -فيما نعلم- أول فيلسوف من فلاسفة المسلمين وصف الشعر بأنه كلام مُخَيِّل، كما سنرى بعد عند تعريفه للشعر. وابن سينا هو آثر الفلاسفة عند حازم، نقل عنه في أربعة عشر موضعاً في كتابه، ولذا هناك علاقة وثيقة بين حازم وابن سينا في الفكر»([9]).
تعريف الشعر عند ابن سينا: يقول ابن سينا: «إن الشعر هو كلام مُخيِّل مؤلّف من أقوال موزونة متساوية، وعند العرب مقفّاة». إن هذا التعريف للشعر خاص بابن سينا، وهو في الشعر عامة، ثم ينسحب على الشعر العربي بقوله: «وعند العرب مقفاة». ولم يقف ابن سينا في تعريفه للشعر على أنه قول موزون ومقفى، كما هو شائع عند النقاد العرب، بل ذهب إلى أبعد من هذا وجعله في الدرجة الأولى «كلام مخيِّل» وهكذا يبدو دور الشعر في المتلقي. فإن المقصود عند ابن سينا بـ«كلام مخيِّل» أي «فعل مخيِّل». يشرح ابن سينا معنى «مخيل» فيقول: والمخيِّل هو الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط عن أمور، وتنقبض عن أمور من غير روية وفكر واختيار، وبالجملة تنفعل له انفعالاً نفسانياً غير فكري، سواء كان المقول مصدَّقاً به أو غير مصدق. فإن كونه مصدقاً به غير كونه مخيلاً أو غير مخيل: فإنه قد يصدق بقول من الأقوال ولا ينفعل عنه، فإن قيل مرة أخرى وعلى هيئة أخرى انفعلت النفس عنه طاعة للتخييل لا للتصديق فكثيراً ما يؤثر الانفصال ولا يحدث تصديقاً وربما كان المتيقن كذبه مخيلاً. ومما يلاحظ على هذا الكلام تركيز ابن سينا على عملية التخييل ودورها الهام في المتلقِّي، أو بتعبير آخر الاهتمام بالأثر الذي يتركه الشعر في نفس المتلقي، الذي لا تتشكل صوره بوساطة القوة الحاسة، كما هو الحال عند الشاعر في المرحلة الأولى، تتشكل مباشرة من الصور الذهنية المخيلة. وفي كل الأحوال لا نستطيع أن نفصل فصلاً حاداً بين النص الشعري وأثره في المتلقي أو بين التخيّل الشعري والتخييل الشعري([10]). * ونذكِّر أن ابن سينا لا يربط مفهوم الشعر بالمضمون الأخلاقي الديني، من حيث الصدق والكذب. - والتخييل عند ابن سينا هو الفصل بين ما هو شعر وغير شعر، أو بين الشعر والنثر، أو بين الشعر والخطابة. يقول: «الشعر يستعمل التخييل والخطابة تستعمل التصديق»، وليس التخييل هنا ضد التصديق من حيث الطبيعة ولكن من حيث الفاعلية والأثر في المتلقي، أو بقدر درجات الاستجابة والإذعان والنزوع لهما. فالخطابة تستعمل التصديق للإقناع بالبرهان فتكون لها استجابة عقلية ادئة وباردة «لأنها محصورة متناهية يمكن أن توضع أنواعاً ومواضع». وتظهر الفوارق عند ابن سينا بين الشعر والخطابة على الأسس التالية: 1- الخطابة تستعمل التصديق، بمعنى أن تقوم على محاكاة الأشياء المعروفة والمشهورة بدون زيادة أو نقصان، بأسلوب تقريري مباشر يقبله العقل والمنطق. 2- الشعر يستعمل التخييل: بمعنى أن الشعر خلق وإبداع لا يحاكي الموضوعات المشهورة والمحصورة، أي لا يقلد الأشياء وينسخها بأمانة، وعدم الأمانة بالنسخ والنقل والمحاكاة هنا –هو الكذب- من حيث الشكل- بالتقسيم المنطقي للخبر (صادق – كاذب) والكذب الفني بهذا التقسيم المنطقي للشعر مرتبط بالمستحسن في الشعر، أي بالتجديد الذي يحدث الدهشة والمتعة لدى المتلقي. أو بتعبير آخر أن الكذب في الشعر يساوي عملية الخلق والإبداع الفني، وهذا ما جعل القدماء يقولون: «أكذب الشعر أعذبه» ومن هنا أصبح للكذب قوة تخييلية يستعملها الشعر([11]). في قضية علاقة التخييل بالصدق أو بالكذب، يفهم من كلام ابن سينا أن الجهة منفكة، فالنفس تنفعل للكلام المخيل كما ذكرنا قوله سابقاً «انفعالاً نفسانياً غير فكري سواء كان المقول مصدقاً به أو غير مصدق، فإن كونه مصدقاً غير كونه مخيلاً أو غير مخيل». وهذه العلاقة المنفكة هي في صالح القول الصادق إذا كانت العبارة عنه بكلام مخيل، لأنه «إذا كانت محاكاة الشيء بغيره تحرك النفس وهو كاذب، فلا عجب أن تكون صفة الشيء على ما هو عليه تحرك النفس وهو صادق، بل ذلك أوجب» ويرى ابن سينا «أن الناس أطوع للتخييل منهم للتصديق، وكثير من الناس إذا سمع التصديقات استكرهها وهرب منها. وقال: «القول الصادق إذا حرف عن العادة وألحق به ما تستأنس به النفس أفاد التصديق والتخييل، وربما صرف التخييل عن الالتفات إلى التصديق والشعور به. ومن هنا يرد ابن سينا أصل البراعة الشعرية إلى التخييل، وهذا التخييل يمكن أن يكون في خدمة الحقيقة كما قد يكون في خدمة الكذب، وهو في كلتا الحالتين إنما يخاطب قوة النزوع والشوق يجذبها إلى ما تحب ويطردها عما تكره. ومرد ذلك كله إلى عبقرية الشاعر وبراعته في القول والتعبير، لأن التخييل إذعان، والتصديق إذعان، ولكن التخييل إذعان للتعجب والالتذاذ بنفس القول، والتصديق إذعان لقبول أن الشيء على ما قيل فيه، فالتخييل يفعله القول لما هو عليه، والتصديق يفعله القول بما المقول فيه عليه([12]). وإذا عدنا إلى تعريف ابن سينا للشعر بأنه كلام مخيل نجد أن سبيل الشعر إلى التخييل هي المحاكاة بعنى التشبيه والتمثيل، فمجال الشاعر هو النفس وليس العقل، وعمله فيها هو التأثير، وطريقه إلى هذا التأثير هو التخييل. ومعنى التخييل هنا هو مخاطبة القوة المتخيلة في النفس. وهذه القوة تعمل في صور المدركات الحسية التي تصل إلى قوة الخيال من الفنطاسيا أو الحس المشترك، وتقوم فيها بالجمع والتفريق كما تشاء، كما تقوم بهذه العملية أيضاً مع المعاني المدركة من المحسوسات الجزئية التي تنالها قوة الوهم وتحتفظ بها الذاكرة([13]). ويرى ابن سينا أيضاً «أن الشعر من جهة ما يُخيِّل ويحاكي بأشياء ثلاثة: باللحن الذي يتنغم به، فإن اللحن يؤثر في النفس تأثيراً لا يرتاب به، وبذلك التأثير تصير النفس محاكية في نفسها لحزن أو غضب أو غير ذلك. وبالكلام نفسه إذا كان مُخيِّلاً ومحاكياً، وبالوزن فإن من الأوزان ما يُطيش وما يُوقّر، وربما اجتمعَت هذه كلها وربما انفرد الوزن والكلام المخيل([14]). ونجد كذلك أن ابن سينا قد ربط بين التخييل وإثارة التعجب، وهو ربط يعني أن أخيلة الشعر تبعث في المتلقي إعجاباً بالصور التي تبدعها مخيلة الشاعر من المعطى الحسي. إن الإعجاب في هذا السياق غير دال، فالتعجب تعبير عن ضرب من الاستحسان وإثارة الدهشة، لما يحيل عليه التدهش من تنوع وجدة يبدعها الخيال. وفي كلام ابن سينا ما يؤذن بوضع التخييل والانفعال في مساق واحد، إذ التخييل من شأنه أن ينفعل له المتلقي بغير روية فكرية، بحيث يحدث هيآت مختلفة من تلذذ وغبطة وانتشاط من عقال، أو تألم وحزن تنقبض له النفس ويحرج منه الصدر. إن من وظائف التخييل على هذا النحو إحداث وضع كيفي من الانفعال([15]). ومن ملاحظات ابن سينا الجديرة بالاعتبار ما أورده في تعريف القوة المتخيلة، إذ ذكر أن من شأنها أن تركب بعض ما في الخيال مع بعض، وأن تفصل بعضها عن بعض. إن هذه الوظيفة المنسوبة للوعي التخيلي سوف تعود للظهور بتألق زائد عند النقاد والفلاسفة من ذوي النزعات الرومانتيكية، وهو ما عبروا عنه: بأن الخيال ينشر ويبدد ويفكك ويعيد بناء العناصر من جديد([16]). وقبل أن نختم الكلام عن ابن سينا فلا بد أن نشير إلى قضية مهمة وهو إدخاله التخييل الفني في قوالب المنطق، ومما يدل على هذا اعتباره الشعر بمثابة مقدمات فحيلة، كأنما يشاكل بينه وبين القياس، وتمييزه بين التخييل والتصديق. كما مر سابقاً معنا عندما ذكرنا نوعي الإذعان بين التخييل والتصديق. فابن سينا يعد القول المخيل من أقسام المنطق، وعبارته في ذلك أن للمقدمات المخيلة لواحق وعوارض... وكذلك الوزن لكن القول في الوزن أولى بصناعة الموسيقيين، وأما الذي من صناعة المنطق فالنظر في المقدمات المنطقية ولواحقها وكيف تكون حتى تصير مخيلة([17]). لقد كان ابن سينا ينظر في الشعر نظر المنطقي في القضايا والأقيسة والبراهين، وإليه يرجع الفضل في إذاعة كلمة التخييل. وقد حدد بعض الدارسين أربعة معان لكلمة التخييل عند ابن سينا، ومن دلالتها: أن الكلام المخيل موجه إلى مخاطبة الغير. وهنا نرى أثر ارتباط الشعر بالمنطق عند العرب، فالجدل يراد به إقناع الغير ويعتمد على المقدمات المقبولة عند العلماء، والخطابة يراد بها إقناع الغير وتعتمد على المقدمات المقبولة عند الجمهور، والشعر يراد به إيقاع المعاني في نفوس السامعين، فالتخييل الشعري نظير التصديق الجدلي والخطابي. ومن دلالات التخييل عند ابن سينا: 1- أن التخييل أمر خارج عن التصديق، فالتصديق راجع إلى مطابقة الكلام للواقع، أما التخييل فراجع إلى ما للكلام نفسه من هيئة تحدث الانفعال، ومن هنا جاز أن تكون مواد التخيلات صادقة أو كاذبة إذا أحدثت في النفس الانفعال المقصود بالشعر. 2- أن التصديقات والتخييلات بمنزلة المادة والصورة، مما يترتب عليه أن حقيقة الشعر الذاتية ليست في مادة المعاني بل في صورتها. ومن ملاحظاته أن التخييلات الشعرية قد توجه نحو «الأغراض المدنية» من سياسة وغيرها([18]). ويمكننا أن نختم بالقول إن التخييل إبداع وابتكار عربي إسلامي من ابن سينا أفاده من مبحث أرسطو في النفس، ومن اجتهاده الشخصي في هذا المجال، وإن مفهوم التخييل عند ابن سينا مفهوم جيد لطبيعة الصناعة الشعرية ووسائلها التعبيرية.
التخييل عند عبد القاهر الجرجاني: لم يكن الدرس البلاغي والنقدي بمعزل عن منهج الفلاسفة وقد تشبث نفر من المشتغلين بالبلاغة والنقد بما انتهى إليه الفلاسفة من نتائج، وأثاروا قضايا هي من ثمرات هذا التأثر من مثل: قضايا اللفظ والمعنى، والصدق والكذب والخبر والإشارة، وأدخلوا التخييل في قوالب المنطق. ويجد الدارس هذا التأثير أوضح ما يكون عند عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة، وحازم في منهاج البلغاء. (مع أن للدكتور سعد رأي مختلف في عبد القاهر سنورد جزءاً منه في هذا المبحث([19]). ولم يكن عبد القاهر بِدْعاً بين المشتغلين بالبلاغة فيمن سبقوه، ذلك أنه ربط مبحث التخييل بالأخذ والسرق وما فيهما من التقليل، وقد بث فكرة التخييل في \"أسرار البلاغة\" ومن هذا حديثه عن الفرق بين العقلي والتخييلي، وقياسه ما نعته بالمعاني العقلية في الشعر في الاستنباط المنطقي للأدلة البينة، وإلحاقه قسماً من التخييلات بالاحتجاج والقياس بضرب من التلطف والمرانة والحذف والصنعة التي يحتال بها الشعراء، وخلاصة القول في مذهبه إنه قصد بالتخييل ما قصده المتأخرون بالإيهام وحسن التعليل، وراغ إلى ما راغ إليه الأوائل من مشكلات الصدق والكذب، مصطنعاً الموازين المنطقية التي اصطنعوها للتمييز بين معان عقلية هي نسب للتصديق يحكم بإثباتها أو نفيها، وأُخَر تخيلية لا شأن لها إلا بصورة الصيغة الشعرية، فلا يقال فيها إن الشاعر بسبيل الصدق أو الكذب، ومن هذه المعاني التخيلية طائفة مصنوعة سبيلها البرهان والقياس([20]). ولكن التخييل عند عبد القاهر فيه اختلاف عن التخييل عند فلاسفة المسلمين، فإن الفلاسفة درسوا التخييل من خلال الأثر الذي يتركه الكلام المخيِّل في نفوس السامعين، أو بتعبير آخر يركزون على سيكولوجية المتلقي، ولم يهتموا بطبيعة العمل الفني، أي بطبيعة هذا الكلم المخيّل. أما عبد القاهر فقد حلل التخييل على أنه جزء لا يتجزأ من العمل الفني، وتحدث عن تكوّنه وإنشائه ووجوده، وبهذا يكون: الشعر كلام مخيِّل ومخيَّل عنده([21]). ومما يدل على هذا أقوال عبد القاهر وهو يتحدث عن التخييل الشعري «أعلم أن الحكم على الشاعر بأنه أخذ من غيره وسرق، واقتدى بمن تقدم وسبق، لا يخلو من أن يكون في المعنى صريحاً أو في صيغة تتعلق بالعبارة. ويجب أن نتكلم أولاً على المعاني وهي تنقسم قسمين: عقلي وتخييلي، وكل واحد منهما يتنوع، فالذي هو العقلي على أنواع، أولها عقلي صحيح، مجراه في الشعر والكتابة والبيان والخطابة مجرى الأدلة التي تستنبطها العقلاء، والفوائد التي تثيرها الحكماء، ولذلك نجد الأكثر من هذا الجنس منتزعاً من أحاديث النبي e وكلام الصحابة، ونقولاً من آثار السلف الذين شأنهم الصدق وقصدهم الحق، أو ترى له أصلاً في الأمثال القديمة والحكم المأثورة عن القدماء»([22]). ويضرب أمثلة على هذا النوع من المعنى العقلي([23])، ويكمل قوله «وهذا من باب من المعاني التي تجمع النظائر... ومكانه من العقل ما ظهر لك واستبان ووضح واستنار، ومنه قول المتنبي: وكل امرئ يولي الجميل محبب

وكل مكان ينبت العز طيب

وهو صريح معنى ليس للشعر في جوهره وذاته نصيب، وإنما له ما يلبسه من اللفظ ويكسوه من العبارة، وكيفية التأدية من الاختصار وخلافه». وهذا يبين لنا أن عبد القاهر يعتبر المعاني العقلية ليست من جوهر الشعر وإن لبست رداءه، مع أنه لا يقلل من أهميتها ومن دورها في النواحي العقلية والاجتماعية والدينية بقوله بعد الاستشهاد بـ: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانبه الدم

«معنى معقول، لم يزل العقلاء يقضون بصحته ويرى العارفون بالسياسة الأخذ بسنته، وبه جاءت أوامر الله سبحانه وتعالى...»([24]). وبهذا تمثل المعاني العقلية عند عبد القاهر الحقائق الصادقة التي يقبلها العقل والمنطق، والتي تعتمد الأساليب المباشرة التي تصور الأمور تصويراً واضحاً. ثم يمضي عبد القاهر بعد هذا القسم في بيان القسم التخييلي للمعاني فيقول: «وأما القسم التخييلي للمعاني فهو الذي لا يمكن أن يقال فيه إنه صدق وإن ما أثبته ثابت وما نفاه منفي، وهو مفتن المذاهب كثير المسالك... ثم إنه يجيء طبقات، ويأتي على درجات، فمنه ما يجيء مصنوعاً قد تلطف فيه واستعين عليه بالرفق والحذق، حتى أعطي شبهاً من الحق... باحتجاج يخيّل، وقياس يصنع فيه ويعمل»([25]). وقبل أن نكمل قولـه وتمثيله لما ذكر، نرى بأن ما يفهم من كلامه أن المعاني التخييلية ليست صادقة كالمعاني العقلية، لأنها أعم وأشمل فلا تنحصر ولا تخضع لمقاييس حادة كالمعاني العقلية، وتتسم بطبقات من المعاني ودرجات مختلفة حتى تعطي شبهاً من الحق بقياس يصنع فيه، ونجد أن عبد القاهر تأثر بالمنطق الأرسطي، فموضوع الصدق والكذب والقياس والسبب والعلة من ضمن تحليلاته. ونعود لنراه يستشهد على كلامه بقول أبي تمّام: لا تنكري عطل الكريم من الغنى

فالسيل حرب للمكان العالي

وهذا البيت يجري عنده على القياس التخييلي لا العقلي فيقول: «فهذا قد خيل إلى السامع، أن الكريم إذا كان موصوفاً بالعلو والرفعة في قدره، وكان الغني كالغيث في حاجة الخلق إليه وعظم نفعه، وجب بالقياس أن ينزل عن الكريم نزول ذلك السيل عن الطود العظيم، ومعلوم أنه قياس تخييل وإيهام، لا تحصيل ولا إحكام، فالعلة أن السيل لا يستقر على الأمكنة العالية أن الماء سيّال لا يثبت إلا إذا حصل على موضع له جوانب\"

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1943



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


وقال الراغب
تقييم
6.29/10 (18 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة العلوم الاجتماعية www.swmsa.net

الرئيسية |الصور |المقالات |الأخبار |الفيديو |راسلنا | للأعلى
get firefox
Copyright © 2014 swmsa.net - All rights reserved