في
الأحد 23 نوفمبر 2014

جديد الصور
جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو

سعودي عقار

المقالات
المقالات العلمية
سياسة الحماية والرعاية الإجتماعية في لبنان

سياسة الحماية والرعاية الإجتماعية في لبنان
08-15-2013 01:49 AM

تسياسة الحماية والرعاية الإجتماعية في لبنان:
خصائصُ، نقاط قوةٍ وضعفٍ، وفرصُ الإصلاح.
*د.شربل ليشع
تنتمي سياستا الحماية والرعاية إلى حقل السياسات الإجتماعية. فوفقاً لمقاربة السياسة الإجتماعية بمفهومها الضيق، تقتصر السياسة الإجتماعية على الحماية الإجتماعية (Social welfare) والرعاية الإجتماعية (Social assistance). ووفقاً للمقاربة التوسيعية، تشمل السياسة الإجتماعية، بالإضافة إلى الحماية والرعاية الاجتماعيتين، كل ما له علاقة بالسياسة التربوية، سياسة الإستخدام، سياسة السكن، سياسة الدخل، سياسة الصحة العامة، سياسة الحفاظ على البيئة، وغيرها من السياسات ذات الطابع الإجتماعي. فالحماية الإجتماعية (Social Welfare) هي"السياسة التي تضمن المواطن ضد الطوارئ الإجتماعية كالمرض والبطالة والشيخوخة، وحوادث العمل ...، وذلك عبر مجموعة تقديماتٍ اجتماعيةٍ، منها التعويضات العائلية، الضمان الصحّي، المنح المدرسية، تعويضات البطالة، تعويضات السكن، تعويضات نهاية الخدمة أو معاش التقاعد ... وهكذا تضمن هذه السياسة المواطن اجتماعياً من المهد حتى اللَّحد...من هنا تسميتها أيضاً بالضمان الاجتماعي."(1). هذا التعريف، ينسجم نوعاً ما، مع ما جاء في الإتفاقية رقم 102 لمنظمة العمل الدولية (ILO)، بحيث تُعدِّد هذه الأخيرة، المخاطر نفسها التي يجب أن تغطيها الحماية الإجتماعية(2). ومهما تكن التعريفات التي تطلق على الحماية الإجتماعية، فإنَّ هذه الأخيرة تكتسب بعداً اجتماعياً ، اقتصادياً، نفسياً ومالياً، يؤثر في حياة الشعوب والمجتمعات. أمَّا سياسة الرعاية الإجتماعية(Social assistance policy) ، فهي سياسةٌ مكملةٌ لسياسة الحماية الإجتماعية، بحيث تعمل على تغطية الفئات غير المشمولة نهائياً بشبكات الحماية الإجتماعية، أو تغطيتها للفئات المشمولة جزئياً. تظهر سياسة الرعاية الإجتماعية، من خلال آليات المساعدة المرتكزة على دافع الإحساس بالمسؤولية تجاه الفقراء والمهمشين إجتماعياً من أبناء المجتمع. تأتي تدخلات الرعاية الإجتماعية، الرسمية أو غير الرسمية، لمعالجة قصور آليات الحماية الإجتماعية، وبذلك يستفيد المهمشون في المجتمع من مساعداتٍ وليس من تقديمات. "تشمل المساعدات أحياناً أغلبية الميادين التي تغطيها الحماية الإجتماعية. غير أنَّ الفارق بين هذه وتلك، هو أنَّ المساعدات الإجتماعية، ليست حقاً للمستفيدين منها من الدولة أو من المؤسسات المانحة(لأنهم لا يشتركون في تمويلها كما هو الحال بالنسبة للحماية الإجتماعية)، إنَّما هي واجب على الدولة. كما تزداد الرعاية الإجتماعية حيث تضعف الحماية الإجتماعية، والعكس صحيح"(3).
لم تعد الحماية والرعاية الاجتماعيتين في هذا العصر، من الضرورات المعنوية والأخلاقية والحقوقية فقط، بل من الضرورات الإقتصادية أيضاً. يؤدي هذا الوعي، إلى إضفاء قوةٍ إضافيةٍ جديدةٍ للمادة 22 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948. فقد نصت هذه المادة: " أنَّ لكل شخصٍ بصفته عضواً في المجتمع الحق بالضمان الإجتماعي، وفي أن تحقق بواسطة المجهود القومي والتعاون الدولي وبما يتفق ونظم كل دولة ومواردها الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والتربوية التي لا غنى عنها لكرامته وللنمو الحر لشخصيته."(4) غير أنَّ التأمل في واقع الحماية الاجتماعية على الصعيد العالمي وفي عصر العولمة بالتحديد، يُمَكِّنُنا من القول، أنَّ هذا الحق الدولي بقي صعب المنال، وأنّه بعد مرور أكثر من ستين سنة على هذا الإعلان، لا يزال هذا الأخير، الهدف البعيد المدى الذي تصبو إليه المجتمعات المتقدمة والنامية على حدٍ سواء، ولا يزال يُشكل أحد أبرز التحديات على الساحة الدولية. فعلى الصعيد العالمي، تقل نسبة السكان المحميين في إطار شبكات أمانٍ حكوميةٍ، عن ربع عدد سكان العالم، وتقل نسبة من يمكنهم التعويل على مدخراتهم أو أراضيهم أو أصولهم الخاصة للتصدي لأزمات تراجع النشاط الاقتصادي، أو الحروب الأهلية، أو الكوارث الطبيعية(5). وهناك ما يقارب 50% من سكان العالم يعيشون دون أية حمايةٍ اجتماعية تذكر، و 80% من الـ 50% من سكان العالم المحميين، يفتقرون للحماية الكافية، وقليلة هي الدول التي لا تقف فيها عوائق الإنفاق أمام إنجاز المزيد من الرعاية الإجتماعية والصحية وتحسين الرواتب التقاعدية(6). فضعف دخل الفقراء، خصوصاً في الدول النامية، يؤدي إلى إدخارٍ سالبٍ أو شبه معدوم. إنَّ معظمَ الدخلِ في هذه الحالة يذهب بإتجاه الإستهلاك وليس الإدخار. وإذا ما حدثت أزمة اقتصادية، أدت إلى انعدام الدخل، أو تراجعه، لدى هذه الفئة من المجتمع، فإنَّها لن تتمكن من المحافظة على مستوياتها الإستهلاكية السابقة، ما يُؤدي إلى زيادة فقرها. وفي هذا الصدد، وبحسب "روبرت هولتسمان"، المدير المسؤول عن الحماية الإجتماعية في البنك الدولي: "ينبغي على الجهات العاملة في ميدان التنمية، تخطي المفهوم القائل بأن الحماية الإجتماعية معنية بالدخل فقط، حيث أنَّه يمكن التغلب على أعراض الفقر لفترة ما، دون فعل ما يستحق الذكر في سبيل القضاء على أسبابه. ويقدم البنك الدولي للبلدان النامية، إستراتيجيةً جديدةً لإدارة المخاطر، بالتشاور مع المجتمعات الفقيرة، بحيث توضع خطط الحماية والرعاية الاجتماعية، بما يلائم تقدير كل منها لمكامن الضعف، والتعرض للمعاناة. فمساعدة المجتمعات المحلية في تخفيض مدى تعرضها للمخاطر ، سيمكنها من حماية نفسها من محنٍ كثيرةٍ، وبذلك تعيش حياةٍ أكثر أمناً."(7) يبين هذا، أن الأزمات الاقتصادية تصيب الطبقات المحدودة الدخل. فقد أبرزت الأزمة الإقتصادية العالمية الأخيرة(بدأت عام 2008)، وأزمة جنوب شرق آسيا في نهاية التسعينيات (بداية منتصف سنة 1997)، ضرورة تصميم برامج الحماية الإجتماعية للفقراء والمعرضين للمعاناة أثناء وقبل حدوث الأزمات الإقتصادية. كما أوضحت أزمة الديون التي حدثت في أمريكا اللاتينية في الثمانينيات، سرعة انقلاب حياة الناس رأساً على عقب نتيجة الانكماش الاقتصادي الحاد"(8). هذا يؤكد أنَّ انقلاب الأوضاع الاقتصادية من النمو إلى الانكماش، ومن الانتعاش إلى الركود، من شأنه أن يؤدي إلى أزماتٍ اقتصاديةٍ واسعةٍ، يتحمل ثقلها ذوو الدخلِ المحدودِ، خصوصاً في ظل عدم وجود برامج رعايةٍ وحمايةٍ إجتماعيةٍ دائمةٍ ومستقرةٍ.
وبالنسبة للبنان، فقد شرع هذا الأخير، الذي يعيش تاريخياً، أزماتٍ إقتصاديةٍ- إجتماعيةٍ، بنيويةٍ وظرفيةٍ متكررةٍ، منذ مرحلة ما قبل الإستقلال، في وضع بعض التشريعات الإجتماعية، مكوِّناً بذلك، عناصر رئيسة لما بات يُعرف بـ "سياسة الحماية والرعاية الإجتماعية ". من هذه التشريعات: إقرارُ القانون العثماني الذي أتاح حق الإنتظام وتأسيس الجمعيات(1909)، إنشاءُ وزارة صحة في لبنان في ظل الإنتداب الفرنسي(1929)، إقرارُ قانون الموجبات والعقود(1932)، تشريعاتُ طوارئ العمل(1943)، قانون التعويضات العائلية(1943)، قانونُ العمل(1946)، تقديمُ الدولة العناية الطبية والإستشفائية وبعضَ المساعدات العينية للفقراء منذ ما قبل الإستقلال؛ وضعُ الخبير الدولي (دوبرماك) في العام 1956 مسودة مشروعٍ جديدٍ لنظام الضمان الإجتماعي في لبنان، توج في العام 1963 بإقرار قانون إنشاء الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي وتعاونية موظفي الدولة؛ وفي العام 1968 أُقرَّ نظامُ ضمانٍ خاصٍّ للقوى الأمنية، تلاه في العام 1970 إنشاءُ مجلسِ الجنوب، والهيئة العليا للإغاثة في العام 1976، وفي العام 1977 تمَّ تشريعُ التأمين الخاص وتلاها في العام 1983 إقرارُ نظام ضمان خاص بالعسكريين وصندوقِ تعاضدٍ للقضاة؛ ليتم في العام 1993 تأسيس وزارة الشؤون الإجتماعية وصندوقِ المهجرين 1994 وإقرارُ صندوقِ تعاضدِ أساتذةِ الجامعةِ اللبنانية، وإقرارُ صندوقِ تعاضدِ الهيئةِ التعليمية في المدارس الخاصة في العام 1997...
ورغم الأهمية النسبية لتلك التشريعاتِ الإجتماعيةِ، والمكتسبة أصلاً ممّا تحمله في طبيعتها من قيمٍ تكافليةٍ وتعاضديةٍ ورعائيةٍ ساميةٍ، فإنَّ سياسةَ الحمايةِ والرعايةِ الإجتماعيةِ في لبنان، لا تزالُ تحمل في طياتها عوراتٍ كثيرةٍ. فالمسؤوليةُ الجماعيةُ في مواجهة المخاطر(Risques)، التي تُشكل مرتكزاً أساسياً، قامت عليه وتبلورت معه، تجاربُ الأنظمةِ الحمائيةِ والرعائيةِ في العالم لا تزال ضعيفةً، أو أنَّها جاءت، لتحلَّ مكانَ أو لتكمل أشكالاً من المسؤولياتِ ذاتِ الطابعِ الفردي أو الانتقائي أو "ما دونِ دولتي" تولتها مؤسساتٌ دينيةٌ أو طائفيةٌ أو حرفيةُ– مهنيةٌ أو أهليةٌ. يُضاف إلى ذلك، أعطابٌ أخرى تتمثل في بروز تفاوتاتٍ على عدةِ مستوياتٍ، أبرزها: نطاقُ الشمول الإجتماعي، ميدانُ تغطيةِ المخاطرِ وكفايةُ المنافعِ (المرضُ والأمومة، التعويضاتُ العائلية والشيخوخةُ والتقاعدُ وطوارئُ العملِ والبطالةُ والتعليمُ والسكنُ والنقلُ...)، طرقُ التمويل والإستدامةُ المالية(إشتراكاتُ أربابِ العملِ أو إشتراكاتُ أربابِ العملِ مع العمالِ أو التمويلِ عبر الضرائب)، الفئاتُ المشمولة بالرعاية الإجتماعية، جودةُ برامج الرعاية الإجتماعية وإستدامتُها، جودةُ الحاكمية المؤسساتية وغيرُها من التحدياتِ...
سنحاول بحث خصائص سياستي الحماية والرعاية الإجتماعيتين في لبنان، وسنستخدم أداةَ التحليل الرباعي لتبيان نقاط القوةِ ونقاط الضعف، الفرصِ والتحدياتِ، لنقترح في نهاية هذا البحث، الإصلاحات التي نراها ممكنةً لتقويمِ الإعوجاجِ في هاتينِ السياستين.

أولاً:خصائص سياسة الحماية الإجتماعية في لبنان:
للحماية الإجتماعية في لبنان عدَّةُ خصائصَ تجعل منها نظاماً معقَّداً ومشرذماً، لا نجد مثيلاً له في أيَّةِ دولةٍ متقدمةٍ كانت أم ناميةٍ أم ناشئةٍ. وتتمثل أبرز خصائصِ سياسةِ الحمايةِ الإجتماعيةِ عندنا في التالي بيانه:
-1- تعدُّدُ الأنظمةِ الضامنةِ: تُعدُّ خاصيةُ تعدُّدِ وتنوعِ الأنظمة الضامنة، إحدى الخصائصِ العامةِ التي تُميِّز سياستنا الحمائية. بحيث يمكن التمييز بين ثلاث مجموعاتٍ من هذه الأنظمة. المجموعة الأولى: تضم المؤسساتِ الضامنةِ في القطاع العام، وعددها 13 مؤسسةً ضامنةً عامةً(تعاونية موظفي الدولة، 6 تعاونياتٍ عسكريةٍ وأمنيةٍ، 6 صناديقَ خاصةٍ ببعضِ موظفي القطاع العام؛ المجموعةُ الثانيةُ: تشملُ المؤسسات ِالضامنةِ في القطاع الخاص، بحيث يمكن التمييز بين أربعة أنواعٍ داخل هذه المجموعة هي: شركات التأمين الخاصّة(54 شركة مسجلة رسمياً في جمعية شركات الضمان الخاصة)، صناديق التعاضد الخاصة(97 صندوقاً تعاضدياً، أنظمة التقاعد التابعة للبنوك الخاصة أو لبعض التجمعات المهنية، كتلك التابعةِ لبعض نقابات المهن الحرَّة(حوالي 30 نظاماً تابعاً للبنوك وللتجمعات المهنية)؛ والمجوعةُ الثالثةُ: تقع في خانة المؤسسات الضامنة المختلطة، وتضمُّ مؤسسةٍ واحدةٍ هي الصندوقُ الوطنيُ للضمانِ الإجتماعي، لنصبح إزاء 195 نظاماً للحمايةِ الإجتماعيةِ في لبنان. عملياً، لا يمكنُ تبريرُ هذه التعددية، خصوصاً في القطاع العام، كونَ تمويلِ الأنظمةِ الضامنةِ العامةِ، يأتي في جزئه الأكبر من الموازنة العامة. وبما أنَّ التعاونيات العسكرية والأمنية الستة، تقدم المزايا نفسها، وتمول بالطريقة نفسها تقريباً، ومن المصدر نفسه، فإنَّه سيكون من الجيد دمجها في مؤسسة واحدة، ما قد يُخفف، أقله، من المصاريف الإدارية. كما من المجدي أيضاً ضم بعض فئات الموظفين المستفيدين من المؤسسات التعاضدية إلى تعاونية موظفي الدولة، كونَ حجمِ هذه الفئاتِ المستفيدة يُعد صغيراً، وكون إنشاء هذه الصناديق التعاضدية الستَّةِ يؤدي إلى إقامة نوعٍ من التمييزِ بين الموظفين التابعين للدولة. (هناك تمييزٌ بين بعض الفئات من الموظفين في القطاع العام [القضاة، المساعدون القضائيون، قضاة المحاكم الشرعية والمذهبية، أساتذة الجامعة اللبنانية، النواب وموظفو المجلس النيابي]، وبين الموظفين التابعين ضمانياً لتعاونية موظفي الدولة). كما أنَّ هناك تمييزاً بين الموظفين المدنيين والعسكريين وأجراء القطاع الخاص، خصوصاً في مجال التقاعد والمنح المدرسية. كما أنَّ التمييز قائم بين موظف مدني وآخر، بحيث يحق لبعض فئات الموظفين المدنيين أن يؤسسوا صناديق خاصة بهم ويحصلوا على تقديماتٍ اجتماعيةٍ أجود من التي تقدم لغيرهم. هذا التعدُّد، يكشف عن الفوضى التي تلاحق القطاع الضماني؛ فكلُّ نظامٍ له سياستُه وأجهزتُه الإداريةِ والفنيةِ والتقنيةِ، ونسبُ التغطية وطرقُ التمويلِ الخاصةِ به؛ ما يساهم في تشتتِ سياسة الحماية الإجتماعية، وتشتت تقديماتها، ويؤدي بالتالي، إلى غياب الإطار المعياريِّ الواحد الذي يُمكن على أساسه الحكمُ على مدى فعاليةِ السياسة الحمائية في لبنان، ومدى تلبيتها هواجسَ الأمن الإجتماعي للمواطنين.
-2- تعدُّد أنظمة الإنتساب ودفع الإشتراكات ونسب تغطية النفقات: تتميّز سياسةُ الحماية الإجتماعية في لبنان بتعددِ أنظمةِ الإنتساب وأنظمةِ دفع الإشتراكات ونسبِ التغطيةِ للنفقات. فالإنتساب إلى فرع ضمان المرض والأمومة التابع للصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، يتطلب تسديدَ الإشتراك الموزَّع على الشكل التالي: 9%من القيمة الكاملة للأجر بحيث يدفعُ ربُّ العملِ نسبة 7% من الإشتراك بينما يتحمل الأجير 2% فقط. في حين، تتحمل الدولة مساهمة سنوية بنسبة 25% من قيمة التقديمات لصندوق ضمان المرض والأمومة. أمَّا المنتسبون اختيارياً لفرع ضمان المرض والأمومة، فيدفعون اشتراكاً شهرياً يساوي 90,000 ل.ل. وتبلغ نسبة التغطية في هذا الفرع 90% من كلفة الإستشفاء و80% من كلفة المعاينات والأدوية والتحاليل المخبرية. ويقع تمويل فرع التعويضات العائلية على عاتق صاحب العمل الذي يدفع مبلغاً مقطوعاً يصل مجموعه إلى 225000ل.ل.، منها 60000 الف ليرة لبنانية عن الزوجة الأولى للمضمون و33000 ل.ل. عن كل ولد حتى الولد الخامس(9). وتمنح الأنظمة الضامنة العامة والمختلطة التعويضات العائلية نفسها تقريباً وتمولها بالطريقة نفسها. كما يدفع رب العمل 8,5% من إجمالي الأجر كاشتراكٍ في صندوق نهاية الخدمة الذي يستفيد منه الأجير في حال بلوغه سنَّ التقاعدِ، أو في حالِ الوفاةِ والعجزِ، وفي بعض حالات ترك العمل . ونشير هنا إلى أنَّ الإشتراكات في الضمان الإجتماعي التي يبلغ مجموعها 23,5% من الأجر، تقع بجزئها الكبير على عاتق رب العمل(21,5%)، ما يُرتب على المؤسسات الإقتصادية المنتجة أعباءً إضافية، تُخفض من قدرتها التنافسية وتزيد من تعثرها. ولتفادي هذا التعثر تلجأ بعض المؤسسات الإنتاجية إلى تشغيل يدٍ عاملةٍ أجنبيةٍ تخفيفاً لأعبائها الإقتصادية، مما ساهم في تفاقم البطالة في لبنان.
أما بالنسبة لتقديمات العناية المرضية لتعاونية موظفي الدولة، فهناك مساهمةٌ إلزاميةٌ شهريةٌ تقتطع من راتب كل منتسب إليها قدرها 1%من الراتب الأساسي غير الصافي لكل موظف، بالإضافة إلى مساعدة سنوية مقطوعة تقدمها الدولة للتعاونية، ويكون من نتائجها أن تتحرر بها الدولة من التزاماتها نحو الموظفين المنتسبين إلى التعاونية. وتحدَّد هذه المساهمة سنوياً في الموازنة على أن لا تقل عن 6% من مجموع الرواتب السنوية الأساسية غير الصافية للموظفين المنتسبين للتعاونية؛ فضلاً عن إيرادات استثمار أموال التعاونية. أما نسبة التغطية فهي 90% للإستشفاء و75% للأدوية والمعاينات الطبية، مع الإشارة إلى أنَّ التقديمات بالنسبة للعناية المرضية والطبية هي كما في صندوق المرض والأمومة. في حين أنَّ التعاونيات العسكرية تقدم خدمات الإستشفاء بنسبة 100% بالنسبة للمنتسبين للضمان وبنسبة75% للزوجة و50% لباقي الذين هم على عاتقه. أما تمويل التعاونيات العسكرية الستةِ فيتم من خلال اشتراكات المنتسبين والضريبة وبنفس النسب التي تمول فيها تعاونية موظفي الدولة. أما التقديمات الصحية لصناديق التعاضد الخاصة ببعض الفئات من الموظفين العاملين في القطاع العام فهي أيضاً شبيهةٌ بتلك التقديمات التي يقدمها صندوق المرض والأمومة، وتعاونية موظفي الدولة، والتعاونيات الأمنية والعسكرية، وشبيهة أيضاً لجهة طرق تمويلها، بطريقة تمويل تعاونية موظفي الدولة. أمَّا بالنسبة لتقديمات الشركات الخاصة، فهي تتوفَّر بحسب مضامين العقود الموقعة بين هذه الشركات وبين الأفراد والأسر والأفراد المهنيةِ، وتختلف معها أيضاً نسب التغطية ليس فقط من نوعٍ لآخر من التقديمات، بل أيضاً من شركة لأخرى. أما تمويلُ هذه الشركات فيتم عبر بوالصِ التأمين التي يختلف سعرها حسبَ أنواعِ التقديمات، ونسبِ التغطية، ونوعِ الشركة.
أمَّا لجهة نظام التقاعد، فنجد أنَّه ليس متشابهاً في القطاعين العام والخاص. ففي القطاع العام، يُخيَّر موظفو الإدارات والمؤسسات الرسمية بين نظامين للتقاعد: تعويض نهاية الخدمة وضمان الشيخوخة. وتحتسب تعويضات نهاية الخدمة في القطاع العام اللبناني على الشكل التالي: راتب آخر شهر تقاضاه الأجير قبل بلوغه سن التقاعد، وذلك عن كل سنةٍ من سنوات العمل العشر الأولى، وراتب شهرين عن كل سنةٍ من سنوات العمل الممتدة بين الـ 10و الـ 30سنة، وراتب ثلاثةِ أشهرٍ عن كل سنة تزيد عن الـ 30 سنة عمل. ونشير أنَّه في حال حصل الموظف على تعويض نهاية الخدمة، تنتفي أيَّة علاقةٍ ماليةٍ له بالدولة؛ غير أنَّه يستمر بالاستفادة من الخدمات الصحية التي كان يستفيد منها سابقاً، وتمويلُ هذه التعويضات يتم من خلال الضرائب والرسوم، ومن خلال اشتراكات 2,5% تُقتطعُ من راتب الموظف. وطريقةُ التمويلِ هذه، هي نفسُها لدى نظام ضمان الشيخوخة. وفي إطار نظام ضمان الشيخوخة، يحصل المتقاعدُ على معاشٍ شهريٍ يساوي 100% من آخر راتبٍ تقاضاه في حال أمضى 40 عاماً في الخدمة و75% في حال أمضى 30 عاماً و50% لعشرين سنة خدمة. أمَّا في حال أمضى الأجير أكثر من أربعين سنة في خدمته، فيُعطى تعويضاً إضافياً يوازي راتب ثلاثة أشهر عن كل سنة خدمةٍ تزيد عن الأربعين عاماً. أمَّا في حال كانت مدة خدمة الأجير أقل من 20 سنة، فيحصل عندئذٍ على تعويض نهاية الخدمة، إذ لا يحق له بنظام الشيخوخة.
أمَّا العسكريون عند بلوغهم سن الـ 64 سنة، فيستفيدون من كلا النظامين. والأكثر من ذلك أنَّه عند إحتساب تقاعدهم، تُضرب بـ 3 أشهر التعبئة العامة التي أمضوها بين 1975 و 1999، كما أنَّ أشهر التعبئة العامة التي تزيد عن الأربعين عاماً تُضرب مجدداً بـ 3، وهكذا يحق للعسكريين التقاعدُ في أعمارٍ قبل الـ 64 سنة. أمَّا في نظام التقاعدِ الخاص بالنظام الضماني المختلط، فلا خيار للمتقاعدين من أجراء القطاع العام وأجراء القطاع الخاص، سوى الحصول على تعويضاتِ نهاية الخدمة.
وبما يتعلق بالمنح المدرسية، نجد أنَّها تقتصر فقط على المؤسسات الضامنة في القطاع العام، ونوعاً ما في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي. حدِّدت هذه المنح المدرسية في تعاونية موظفي الدولة وفي التعاونيات العسكرية والأمنية بـ 75% من الأقساط المدرسية، وبـ 50% من الأقساط الجامعية (في المدرسة الخاصة أو الرسمية)، مهما كان الصف في تعاونية الموظفين ولغاية الولد الخامس، وفي صناديق التعاضد الخاصة ببعض فئات الموظفين، تحدَّدُ المنح المدرسية كنسبة من الأقساط المدرسية والجامعية أو كقيمة مقطوعة. في حين تُحصرُ التعويضات المدرسية في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي بثلاثة أولادٍ وبمبلغٍ مقطوعٍ قدره 200 ألف ل.ل. في المدارس الحكومية، و500ألف ل.ل. في المدارس الخاصةِ، و300 ألف في الجامعة اللبنانية. أما تعويضات الجنازة، فهي تقريباً نفسها في الأنظمة الضمانية العامة والمختلطة (مرة ونصف الأجر الصافي للأجير).
والمهم في الأمر هنا، هو أنَّ اختلاف نسب التغطية والإشتراكات يعكس نوعاً من التمييز بين المواطنين المضمونين في الأنظمة الضمانية العامة والخاصة والمختلطة بشكل عام، وبين المضمونين في الأنظمة الضمانية الخاصة بشكلٍ خاص؛ ما يطرح ضرورة توحيد الأنظمة الضمانية كحلٍ مبدئيٍّ كما هو متَّبع في معظم البلدان الأوروبية التي رسمت ملامح سياساتها الحمائية الإجتماعية وبنتها على مبدأ توحيد المنافع والإشتراكات وعلى أسس المساواة، إذ أنَّه لا يمكن لسياسة حمايةٍ إجتماعيةٍ غير عادلةٍ، من توفيرِعدالةٍ إجتماعيةٍ.
-3- محدوديَّة الميادين: تنحصر سياسة الحماية الإجتماعية في لبنان بأربعة ميادين رئيسة هي: الضمان الصحي والأمومة، التعويضات العائلية، التقاعد والمنح المدرسية. فالضمان الصحي والأمومة ميدانٌ موجودٌ في كل الأنظمة الضمانية تقريباً، غير أنَّ ما ملاحظته هو أنَّ تطبيقَ هذا الميدان بقي منقوصاً حتى يومنا هذا من الناحية كونه لم يجرِ تطبيق "تعويض المرض والأمومة" كما هو حاصل في معظم البلدان المتقدمة، وعلى الأخص بلدان منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية. والأهم من ذلك أنَّ الضمان الإجتماعي بوصفه أهم الأنظمة الحمائية في لبنان، كان قد أشار إلى هذه التعويضات، دون أن يضعها موضع التنفيذ، وحصل ذلك تحت ضغط أصحاب العمل الذين أرادوا تقليصَ الأعباء الضمانية، فشكلوا بذلك تحالفاً ضمنياً مع الدولة باعتبارها أكبر رب عمل.
أمَّا التعويضات العائلية، فهي موجودةٌ في الأنظمة الضمانية العامة والمختلطة، غير أنَّ معدلاتها منخفضةٌ ولا تعبِّر عن نية الدولة في تشجيع النمو السكاني والتزايد السكاني(تعويضات الأولاد). وكذلك هي الحال بالنسبة لأنظمة التقاعد، فهي موجودة أيضاً في معظم الأنظمة الضمانية في لبنان، بيد أنَّ هناك اختلافاً بين أنظمة الضمان المتعددة، لجهة اعتمادها نظاماً أو أكثر من أنظمة التقاعد الإجتماعي. فالخاضعون للنظام التقاعدي في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، يخضعون فقط لنظام تعويض الصرف من الخدمة، في حين يُخضع القطاع العام الضامن موظفيه المدنيين والعسكريين، إلى نظامين تقاعديين ضمن شروط محددة سبق وأشرنا إليها، هذان النظامان هما تعويض نهاية الخدمة وضمان الشيخوخة. أما المنح المدرسية، فلم يستفد منها حتى هذا التاريخ المشمولون بتغطية الضمان الإجتماعي بشكل واسع، في حين أنَّ الأنظمة الأخرى تعتمد هذا النوع من المنح، وإن وُجدت فروقاتٌ في حجمها والأعدادِ المستفيدة منها.
كذلك، تتجاهل سياسة الحماية الإجتماعية في لبنان ميادين أخرى أساسيةً كتعويضات البطالة، وتعويضات الأبوة، ومعاش العجز أو الإقعاد... وهذه الميادين نجدها مطبقةً في أنظمةٍ ضمانيةٍ عريقةٍ وعصريةٍ، كفرنسا وإنكلترا وألمانيا وحتى في بعض الدول العربية كمصر على سبيل المثال. وهذا ما يستوجب توسيع الميادين تلبية لحاجات المواطنين، ما يزيد ويوسع من دائرةِ الشمولِ، ويُدخل فئاتٍ وشرائحَ جديدةً، ويؤمن لها الحماية الإجتماعية بما يتناسب مع وضعها ومتطلباتها.
-4- عدم الشمولية: تعتبر سمة عدم الشمول من السمات الأساسية لسياسة الحماية الإجتماعية في لبنان. فرغم تعدد الأنظمة الضامنة وتنوعها بين العام والخاص والمختلط(195 نظاماً ضمانياً)، نلاحظ أنَّ هناك نسبة كبيرة من الشعب اللبناني لاتزال غيرَ مشمولةٍ بأيَّةِ تغطيةٍ ضمانيةٍ تُذكر. وبحسب الإحصاءات الوطنية المتوفرة بدءاً من النصف الثاني من التسعينيات، فإنَّ أكثر من نصف الشعب اللبناني غير مشمول بتغطية هذه المؤسسات. فقد قدرت الدراسة الوطنية للأوضاع المعيشية للأسر عام 1997، نسبة التغطية التي توفرها الأنظمة الضامنة مجتمعة، بـ 41,8% من سكان لبنان. في حين بلغت نسبة غير المشمولين بأيِّ نظامٍ للحمايةِ الاجتماعية حوالي 58,2% (10). أما في العام 2000، فقد بلغت نسبة المؤمنين نحو 43,4% مقابل 56,6% لغير المشمولين بأيَّ نظامٍ للحمايةِ الاجتماعيةِ(11). وارتفعت نسبة التغطية بالأنظمة الضمانية عام 2004، وبحسب دراسة الأوضاع المعيشية للأسر الصادرة عام 2006، إلى 44,9% مقابل 53,3% لغير المشمولين بأيَّة تغطية ضمانية(12). وعاودت نسبة التغطية ارتفاعها لتصل الـ 48,3% من أصل مجموع المقيمين مقابل 51,7% عام 2007(13). ونشير في هذا الصدد إلى عدم تطابق هذه النسب التي بيَّنتها الدراسات الآنفة الذكر مع تصريحات المؤسسات الضامنة، التي يتوجب عليها تأمينُ بياناتٍ على درجةٍ كبيرةٍ من الدقة، بحيث من المفترض أن تكونَ أعدادُ المنتسبين والمستفيدين معروفةً من قبلها، كونَها توفر خدماتٍ وتعويضاتٍ ماليةً لهؤلاء على أساسٍ إسميٍّ، وكونَها تمتلك ملفاً شخصياً لكل منتسبٍ يحدد تفصيلاً من يستفيد معه، وماهية التقديمات. غير أنَّ معظم الأنظمة الضامنة لا تصدر بيانات واضحة عن عدد المستفيدين، بل غالباً ما يتم استنتاج أعداد المستفيدين، من خلال اعتماد مبدأ "المضاعف"(Coefficient)، ما يعني أنَّ هذه الأرقام تبقى بمثابة أرقام تقديرية غير دقيقة.
بشكل عام، أكثر من نصف الشعب اللبناني لا يستفيد من أيَّة تغطيةٍ ضمانيةٍ مهما كان نوعها(خاصٌ، عامٌ، مختلطٌ). وتعتبر نسبة غير المستفيدين، من أعلى النسب في العالم. هذه السمة (عدم الشمولية)، تعود بالدرجة الأولى إلى كون الحماية الإجتماعية في لبنان مشروطةً بالعمل المأجور، ما يعني أنَّ من هم خارج القوى العاملة لا يمكنهم أن يكونوا منتسبين إلى الأنظمة الضمانية النظامية، غير أنَّ بإمكانهم أن يكونوا مستفيدين من انتساب أحد أفراد أسرتهم، مع العلم أنَّ التقديمات ستكون أقل مما هي عليه بالنسبة إلى المنتسب نفسه؛ ما يعني بالتالي، أنَّ هناك فئاتٍ كبيرةٍ (العاطلون عن العمل، المزارعون، العمال المستقلون، أصحاب المشاريع الصغيرة لحسابهم الخاص، صيادو الأسماك، قطاع البناء والأعمال الموسمية والمتقطعة)، تبقى غير مشمولةٍ بالتغطيةِ الضمانيةِ. ويُضاف إلى هؤلاء، فئة كبار السن؛ فالمشمولون منها، هم المتقاعدون فقط في القطاع العام الذين اختاروا الاستمرار بالإفادة من التأمين الصحي ومن معاشات التقاعد. أمَّا كبار السن من غير موظفي القطاع العام، وربات المنازل غير العاملات، فهم غير مشمولين بالتغطية. كما تعتبر سمة عدم الشموليَّة، من السمات المشتركة بين معظم الدول النامية. فقد تراوحت نسب التغطية الضمانية في الدول الإفريقية على سبيل المثال في العام 2008 بين 20 و70% في حين انخفضت هذه النسبة في شبه الصحراء الإفريقية إلى نحو 7,5% واقتصرت التغطية في معظم الأحيان على كاسبي الدخل. وفي حين تنفق الدول الإفريقية ما نسبته 4,3% من الناتج المحلي الإجمالي، تنفق الدول الأوروبية ما نسبته 25% من ناتجها الإجمالي على الضمان مقابل 16,6% في أميركا الشمالية(14). باختصار، تبقى المجموعات الفقيرة في معظم الدول النامية والمتوسطة الدخل غير مشمولة ، رغم محاولة بعض الدول توسعة شمولية أنظمتها الحمائية. ومن بين هذه المحاولات، قيام نيجيريا بتأسيس الصندوق الصحي للفقراء (Health insurance fund) في العام 2007 بدعم من الحكومة الهولندية(15). كما عمدت رواندا إلى دمج صندوق الضمان الإجتماعي (The social security fund) مع صندوق التأمين الصحي العسكري(Military medical insurance)(16) وذلك من أجل تجميع الخدمات التأمينية في هيكلية واحدة، وتوسيع شموليتها لتشمل جميع المواطنين. أمَّا في دول آسيا والباسيفيك، فتتراوح نسب الشمول الضماني ما بين حد أعلى يقترب من معدل التغطية الضمانية في دول منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية، وبين حد أقصى يصل إلى حدود 4%(17). ومن أجل مواجهة تحدي توسعة الشمول، عمدت بعض الدول الآسيوية إلى ضم الفئات التي لم تتمتع سابقاً بأيَّة تغطيةٍ ضمانيةٍ تذكر، بما فيهم العاملين لحسابهم الشخصي(الأردن وإيران)، والعمال المهاجرين والمغتربين(سيريلانكا والإمارات العربية المتحدة)، وسكان الريف(الصين). وظهرت بعض الإصلاحات التي سعت إلى شمول كل السكان كما في المالديف، وعملت كلُّ من الصين والفيليبين وكوريا وتايلند على تأمين التغطية الصحية لكل مواطنيها(18). من هنا نرى ضرورة أن يعمل لبنان على توسعة شمولية أنظمته الضمانية أقله لناحية التغطية الصحية. ويتم ذلك، من خلال البدء تدريجياً بدمج الأنظمة الضمانية المتعددة في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي لكي يُصار إلى توحيد المنافع والإشتراكات ونسب التغطية وتوسيع الشمولية لتشمل كل المواطنين من دون استثناء. مع العلم أنَّ التحول نحو الضرائب في تمويل الأنظمة الضمانية قد يؤمن الإستدامة والشمولية والفعالية لهذه الأنظمة أكثر ممَّا يوفره الإعتماد على الإشتراكات. وبذلك، يكون النظام الضماني أكثر عدالةً اجتماعيةً بحيث يُمكَّن أصحاب الدخل المرتفع من تمويل تقديمات أصحاب الدخل المنخفض.
- 5- التفاوتات المناطقية والإجتماعية في معدلات التغطية: تتشابه التفاوتات المناطقية بالنسبة لتغطية المؤسسات الضامنة في لبنان مع التفاوتات في المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية بين المناطق. وبوجه عام فإنَّ معدلات التغطية في بيروت وجبل لبنان أعلى منها في المحافظات الأخرى. ونشير أيضاً إلى أنَّ المؤسسات الضامنة في القطاع العام وعلى الأخص تعاونية موظفي الدولة والتعاونيات العسكرية هي أكثر أهميةً في المناطق الريفية من الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي. ولعلَّ هذا مرده إلى الضعف النسبي في استثمار القطاع الخاص في المناطق الريفية، والى تراجع القطاع الزراعي فيها. وهذا ما يؤدي إلى توجه العاملين في هذه المناطق إلى العمل في الإدارة العامة وعلى الأخص في التعليم الرسمي، وفي القوى الأمنية والعسكرية. وفي مقارنة لنسبة المستفيدين من التأمين الصحي في لبنان بحسب المحافظات، تشير نتائج الدراسة الوطنية للأحوال المعيشية للأسر التي صدرت عام 2008، إلى أنَّ النسبة الأكبر من المستفيدين في محافظة بيروت(64,1%)، يليها من حيث الأهمية محافظة جبل لبنان(ما عدا جبل لبنان)(60,7%)، الضاحية الجنوبية لبيروت 45,1%، محافظة البقاع 42,7%، محافظة لبنان الشمالي 40,5%، الأقضية الأقل تضرراً في الجنوب40,8%، الأقضية الأكثر تضرراً في الجنوب33%. أمَّا على مستوى لبنان فالنسبة هي 48,3% ، في حين أنَّ النسبة الأدنى من المستفيدين هي في محافظة النبطية. وتشير الدراسة عينها أيضاً، الى ارتفاعٍ في نسبة الاستفادة من التأمين في كافة المناطق بين العامين 2004 و2007.
أمّا لجهة العمر، فقد بلغ معدل تغطية الأطفال دون الخامسة عشرة بالتأمينات حوالي 41,3% وهو معدلٌ قريبٌ نوعاً ما من المعدل العام 42% عام 1997. أمَّا في العام 2004 فقد أظهرت دراسة الأوضاع المعيشية للأسر الصادرة في العام2006، أنَّ نسب الإستفادة من أحد أنواع التأمينات الصحية بين الذكور والإناث تتوزَّع على الشكل التالي: 51,7% للإناث، و48,3% للذكور. أما بالنسبة لمعدل الإستفادة من أحد أنواع الضمان الصحي بحسب العمر، فقد دلَّت الدراسة نفسها أنَّ هذه النسب كانت على الشكل التالي0- 24 سنة) 45,7%من مجموع المستفيدين، مقابل 28,2% للفئة العمرية (25- 44)، و17,9% للفئة العمرية(45- 65)،في حين أنَّ المسنين لا يشكلون سوى 8,2% من مجموع المستفيدين(19). ويعود ارتفاع النسبة في التغطية لدى الأطفال إلى كونهم يستفيدون حكماً من التقديمات بفعل انتساب أهلهم إلى الأنظمة الضامنة. أمَّا بالنسبة للفئة العمرية 65+ فعلى الرغم من حاجتها الماسة إلى هذا الضمان الصحي في هذه المرحلة من العمر، فإنَّ نظام التقاعد في لبنان لا يزال ضعيفاً بشكل عام، وعلى الأخص في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي. أمَّا على صعيد الحالة الزواجية، فترتفع نسبة المستفيدين من تأمين صحي ما لدى المتزوجين(49,3%)ومن ثمَّ لدى الذين لم يسبق لهم الزواج (42,4%)، ولدى الأرامل(41,7%)، في حين تنخفض لدى المنفصلين(36,1%) والمطلقين(27%).
بوجه عام، يمكن أن نقول إنَّ معدل تغطية الفئات السكانية الأقل دخلاً هو أقل منه لدى فئات الدخل الوسطيِّ والمرتفع. وينطبق هذا، على العاملين في الزراعة والعمال الموسميين والمؤقتين والعمال غير المهرة والعمال المستقلين، أي عند الذين يقومون بأعمالٍ ضعيفةِ الدخل أو هامشيةٍ... ما يعني، أنَّ الفقر يترافق مع الدخل غير المستقر والعمل غير المستقر، وبالتالي مع غياب التأمينات الإجتماعية. في حين أنَّ أصحاب الدخول المرتفعة يملكون تغطية ضمانية. ما يعني أنَّ ضعف التأمينات الإجتماعية يُعد بدوره سمةً من سماتِ الفقر. فرغم كل الإنفاق الصحي والتغطية الاستشفائية الشاملة للمواطن اللبناني(كون وزارة الصحة تغطي الفئات غير المشمولة بأي نظام ضماني، فإنَّ فروقاً كبيرةً لا تزال موجودة بين المناطق أقله على صعيد المؤشرات الصحية، فمعدلُ الوفياتِ عند الأطفال دون الخامسة من العمر، الذي يبلغ 19 بالألف في بيروت والجبل، يرتفع إلى 57 بالألف في مناطق عكار وشمال البقاع. كما أنَّ هناك تفاوت كبير بين المواطنين اللبنانيين من حيث الحصول على الخدمات الاستشفائية، على الرغم من التغطية المتوفرة، إذ توجد نسبة من المواطنين (حتى من المضمونين)غير قادرة على دفع النسب المطلوبة منها.
كما يدل هذا الواقع، على وجود ثغرات أساسية في نظام التأمينات الصحية، منها اختلاف النظم الإدارية والتمويل بين مؤسسة ضامنة وأخرى، وفي التعاطي مع المستشفيات لجهة أنظمة العقود وتكبير التكلفة. فعلى سبيل المثال، تتبنى وزارة الصحة نظامَ البدل المقطوع للخدمات الاستشفائية الجراحية، في وقت لا تزال فيه المؤسسات الضامنة الأخرى تعتمد الفاتورة المركبة، مما يؤدي إلى زيادة التكلفة أو ما يصرف بنفخ الفاتورة. وإضافة إلى ذلك، فإن المؤسسات الضامنة بغالبيتها، لا تحمي مرضاها أو زبائنها بشكلٍ كافٍ، فالمريض يدفع من جيبه مبالغ خارج النسبة المطلوبة، وذلك بحجة أنَّ الدولة تتأخر عن سدادِ المتوجباتِ المالية عليها. فالصناديق الضامنة لا تعمل بما يعرف بمبدأ الخدمات الرعائية، و"كأن السياسة المعتمدة الآن، تتضمن فقط المرض، وهذا ما يخالف ما وقع عليه لبنان العام 1983، وهو إعلان (ألما آتا) الخاص بمنظمة الصحة العالميةِ". في هذا السياق، أشار مدير وحدة التخطيط والدراسات في وزارة الصحة "بهيج عربيد"، إلى أنَّ الوزارة تعمل إزاء هذا الواقع على تحسين الخدمات للمواطنين وتسهيلها، وزيادة التنسيق بين المؤسسات الضامنة؛ وقد بدأت منذ العام 2004 السعي إلى إنشاء واعتمادِ قاعدةٍ موحدةٍ للمعلومات، بانتظار تبني سياسةِ تأميناتٍ وطنيةٍ تشرف عليها وزارة الصحة(20). غير أنَّ الحلول المعقولة لموضوع التضارب بين الصناديق الضامنة، تتطلب معالجةً وفقاً لروزنامةٍ تنفيذيةٍ تحتاج إلى سنوات. كما يتطلب قراراً سياسياً واضحاً وحاسماً للتدخل في إصلاح هذا القطاع.

ثانياً- خصائصُ سياسةِ الرعايةِ الإجتماعية في لبنان:
تتميَّز سياسة الرعاية الإجتماعية بدورها، بمجموعة من الخصائص التي تنبع من طبيعة العمل الرعائي في لبنان، ومن آلياته ومؤسساته الرسمية والأهلية من جهةٍ، ومن الخطوط العريضة للسياسات الإقتصادية والإجتماعية الكلية المتبعة من جهةٍ أخرى. وفيما يلي أبرز الخصائص التي تتميز بها سياسة الرعاية الإجتماعية في لبنان.

-1- ضعف السياساتِ الإجتماعيةِ الكليةِ والسياسةِ الرعائيةِ: تمثل الرهانُ الأبرزُ للمعادلة الإعمارية في لبنان في مرحلة ما بعد الطائف في أنَّ الإعمار سيولد معدلات نمو عالية جداً، وسيؤدي إلى رفع مستوى الرخاء، وإلى القضاء على حال التبرم الاجتماعي في البلاد، وإزالة أشكال التهميش واللامساواة الإجتماعية. غير أنَّ نقطة العطب الرئيسة في السياسة الإعمارية بعد الحرب، وكما أشار جورج قرم في مجلة "أبعاد"، تتمثل في أنَّ هذه السياسة "لم تنطلق من دراسة واقعية للحاجات الاجتماعية بشكلٍ دقيقٍ وتفصيليٍّ، رغم ما أصاب الفئات الاجتماعية من ويلات متتالية خلال الحرب."(21) لقد أُعطيت الأولوية، للنمو الإقتصادي الذي كان من المفترض به أن يجد بعصاه السحرية (آليات السوق) حلاً لمشاكل الفقر والبطالة وغيرها. وبالتالي، فان معظم المجهودات الحكومية في الشأن الاجتماعي، بشكلٍ عامٍ، وفي الشأن الرعائي، بشكلٍ خاصٍ، ومنذ تسعينيات القرن الماضي، لم ترق إلى مستوى ما يمكن تسميته بـ" سياسةٍ أو رؤيةٍ اجتماعيةٍ". لقد إقتصرت معظم الجهود الحكومية والتدخلية، على علاج نتائج الأزمة الإجتماعية، ولم تصل إلى اقتلاعها من جذورها. فالخطط الإعمارية التي تم الاعتماد عليها بعد الطائف، لم تعط الأولوية للشأن الاجتماعي، لا بل لم تقم بدراسة الحاجات الاجتماعية بدقة وتفصيل. وعلى سبيل المثال، لم تحصل البنية التحتية الاجتماعية على أكثر من 25% من مجموع النفقات الإعمارية المقدرة بين عامي 1995 و2007.(22) كما بقيت التدخلات في الشأن الرعائي الاجتماعي، منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، عبارة عن مجموعة من التدخلات الجزئية والمتناثرة، يقوم بها القطاع الرسمي والأهلي، ولا يجمع فيما بينها وبين السياسة الاقتصادية الكلية، أي إطار تنسيقي.
لقد نظرت الحكومات المتعاقبة منذ العام 1992 إلى الحقوق الإجتماعية بوصفها جزءاً من خطابٍ أكبرَ يقوم على التنمية والنمو المتوازنين. وبقي هذا الخطاب بجزئه الأكبر من دون تنفيذ، وبقيت الإختلالات والإجحافات قائمة بين المناطق والفئات، لقد عرف لبنان في مرحلة ما بعد الحرب نمطاً ضعيفاً من السياسات الإجتماعية سواء الكلية أو الجزئية. ورغم ارتفاع حصة النفقات الإجتماعية العامة إلى إجمالي النفقات العامة، لم تحقق هذه الزيادة ما كان منتظراً منها. فقد ضُربت فعالية الإنفاق الإجتماعي لأسبابٍ عديدة منها: غياب الرؤية الإجتماعية الواضحة، عدم تحديد المعايير اللازمة لتحقيق الأهداف المرجوة، تداخل الصلاحيات للجهات المعنية بالشأن الإجتماعي، تكرارية المشاريع والبرامج...وبحسب التقرير الوطني للتنمية البشرية في لبنان "نحو دولة المواطن،2008- 2009،2009"، لم تنجح زيادة النفقات الإجتماعية في ردم الهوة بين النمو الإقتصادي والحرمان الإقتصادي – الإجتماعي، والتخفيف من مختلف أشكال الفقر والهشاشة والإقصاء الإجتماعي(23). وبما أنَّ الرعاية الإجتماعية جزء لا يتجزأ من السياسة الإجتماعية الكلية، لم يظهر خلال العشرين سنة الماضية أية رؤية واضحة تحدد تلك السياسة. وبقيت الحدود ملتبسة بين التدخلات الرعائية التي تقوم بها الدولة من جهة، وبين تلك التي تقوم بها الأطراف الأخرى الفاعلة في هذا المجال.

-2-ضُعفٌ في إستخدامِ المعطياتِ والبياناتِ الإجتماعية المتوفرة: لم يعمل أصحاب القرار في لبنان على تسخير الدراسات الإحصائية التي تناولت الأوضاع المعيشية في لبنان، وغيرها من المعطيات والبيانات الإجتماعية، من أجل بناء استراتيجية إجتماعية شاملة. فخلال الفترة 1996- 2009 صدر في لبنان، ما لا يقل عن 6 دراسات إحصائية، تتضمن معطيات حول الفقر والفئات المهمشة، وأنماط التهميش وتوزعه الجغرافي، والأحوال المعيشية، وغيرها من المؤشرات ذات الدلالة الإجتماعية. مع العلم أنَّ هذه الدراسات لا تدعي الإحاطة الكافية بكل المعطيات الإحصائية الإجتماعية والإقتصادية، إذ يُسجل في أحيانٍ كثيرةٍ ندرةٌ أو انعدامٌ أو إخفاءٌ لمعطياتٍ معينةٍ (تُلاحظ هذه المشكلة، على سبيل المثال لا الحصر، عند القيام بإستعراض الواقع الرعائي عامة، وواقع القطاع الأهلي خاصة...). فهل من الممكن أن الدولة تتبع استراتيجية إخفاء الرقم والمعطيات بهدف التستُّر عن حجم التأزُّم الإجتماعي والإقتصادي؟ وما جدوى هذه الدراسات الإحصائية، مهما كانت أهميتُّها أو دقتُّها، إن لم تُستثمر في تخطيط الواقع الإجتماعي والإقتصادي؟

-3- تعدد الأنظمة الرعائية: هناك تعدد واضح للجهات التي تعمل على تقديم خدمات الرعاية الإجتماعية في لبنان، بحيث يمكن توزيع العمل الرعائي اللبناني على ثلاث خانات رئيسية هي: تدخلات رعائية تقوم بها جهات حكومية ذات صفة دائمة(وزارة الشؤون الإجتماعية، ووزارة الصحة العامة)، تدخلات رعائية تقوم بها جهات حكومية ذات صفة مؤقتة(مجلس الجنوب، الهيئة العليا للإغاثة، وزارة المهجرين وصندوقها)، وتدخلات حكومية تقع على عاتق المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية. فالتدخلات الرعائية الرسمية تُقسم أيضاً إلى تدخلاتٍ رعائيةٍ لجهات حكومية ذاتُ صفةٍ مؤقتةٍ، وإلى تدخلاتٍ حكوميةٍ ذاتُ صفة دائمة. هذه التعددية تشير بصورة رئيسية إلى غياب الإطار العام الناظم للسياسة الرعائية في لبنان والى عدم وجود رغبة لدى أصحاب القرار السياسي فيه، في تصميم سياسة رعائية واضحة وربطها بخطط التنمية الإجتماعية والإقتصادية الشاملة. ويبرِّر بالتالي، الفوضى الكبيرة الحاصلة في سوق الخدمات الرعائية لناحية تعدد البرامج، وتزاحم المعنيين على تنفيذها، وغياب الأطر المعيارية لتحديد هوية المستفيدين منها.

-4- تعدُّد الميادين وتداخلها: يأتي تدخل الجهات المختلفة المعنية بالسياسة الرعائية في لبنان، في ميادين إجتماعية خدماتية مختلفة أبرزها (خلال الفترة 1992-2013) : الصحة(رعاية صحية، إستشفاء في المستشفيات الخاصة، إستشفاء في المستشفيات الحكومية، توعية صحية، علاج الأمراض المستعصية والمزمنة، تقديم الأدوية المزمنة...)، التعليم (تعليم وتدريب مهني معجَّل، محو أمية، رعاية الفئات المهمشة والضعيفة( الأطفال الرضع، رعاية الأيتام، إيواء الأطفال، رعاية المعوقين، رعاية كبار السن، رعاية المنحرفين والمعرضين للانحراف، رعاية المرأة، رعاية المساجين والمدمنين...)، أعمال الإغاثة(تقديماتٌ ماليةٌ وعينيةٌ، تعويضاتٌ لذوي الشهداء، تعويضاتٌ للمتضررين من الكوارث الطبيعية و الاعتداءات والحروب...). ويبدو أنَّ وزارة الشؤون الإجتماعية تضطلع بالدور الأكبر في مجال الرعاية الإجتماعية، وأنَّها تشترك مع المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية في نفس حقول وميادين التدخل الرعائية تقريباً.

كما يُلاحظ أيضاً أنَّ ميدان الصحة هو حقلُ عملٍ مشتركٍ بين كل الجهات الرعائية الرسمية وغير الرسمية، كما أنَّ النشاطات الرعائية الأخرى التي تقوم بها الهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب، تعتبر حقولٌ مشتركةٌ مع وزاراتٍ وجهاتٍ حكوميةٍ أخرى كمجلس الإنماء والإعمار ووزارة الأشغال العامة. ويضاف إلى ذلك، أنَّ برامج الدعم المدرسي ومحو الأمية، والتدريب المهني المعجل، التي تقوم بها وزارة الشؤون الإجتماعية والمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية، تعتبر أيضاً حقولٌ وميادينُ عملٍ مشتركةٌ مع عمل وصلاحيات وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان.
-5- غياب وضعف التنسيق: بالإضافة إلى تعدد الميادين الرعائية وتعدد الجهات العاملة في مجال الرعاية الإجتماعية (رسمية وخاصة)، تعتبر سمة "غياب التنسيق بين الجهات والمرجعيات الرعائية"، إحدى السمات الغالبة على سياسة الرعاية الإجتماعية في لبنان. فغياب التنسيق في هذا المجال، هو الذي يؤدي إلى التداخل بين الجهات الرعائية، ويجعل معظم الميادين الرعائية ميادين مشتركة بين جهتين رعائيتين أو أكثر، كما يؤدي أيضاً إلى تكرار البرامج والمشاريع الرعائية.
-6- هدر الموارد المالية وضعف فعالية الإنفاق الإجتماعي الرعائي : يؤدي غياب التنسيق وعدم وضع حدودٍ واضحةٍ لصلاحيات كل جهةٍ رعائيةٍ، إلى هدرٍ في الموارد المالية. والدليل على ذلك، هو أنَّ الإنفاق الإجتماعي الحكومي وغير الحكومي (الإنفاق على الوزارات والجهات الرعائية وعلى الوزارات الإجتماعية الأخرى)، بات يُشكل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي تخطَّت في بعض الأحيان حدود 12%(24)، ورغم أنَّ نسبة الإنفاق على الوزارات الإجتماعية من مجموع الإنفاق العام تراوحت في الفترة 1992-2012 بين 8 و14%تقريباً، (بإستثناء معاشات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة ومساهمة الدولة في الضمان الإجتماعي وصناديق التعاضد وغيرها من المساهمات الإجتماعية الأخرى، التي إذا إحتسبناها، سترفع من دون شك حصَّة الإنفاق الإجتماعي من مجموع الإنفاق العام في لبنان، إلى حدود 45% كمتوسطٍ من مجموعِ هذا الإنفاق (من دون إحتساب خدمة الدين))، إلاَّ أنَّ فعالية ومردودية ونتائج هذا الإنفاق، لم تأتِ في أغلب الأحيان متناسبة معه، والدليل الدامغ على ذلك، أنَّ الفقر والتهميش الإجتماعيَين لا يزالا على تفاقم، ولا تزال هناك فئاتٌ إجتماعيةٌ كثيرةٌ (وخاصة الفئات الفقيرة) متروكةً دون أيَّة حمايةٍ أو رعايةٍ إجتماعيةٍ تُذكر. من هنا نرى أنَّ هذا الهدر في الموارد المالية المحولة إلى القطاعات الرعائية الإجتماعية، والضعف في مردودية الإنفاق الإجتماعي قياساً إلى كلفتها((Cost ، لا يمكن ردهما إلى "غياب التنسيق" فقط، بل إلى أسبابٍ أخرى جوهريةٍ تساهم بدورها في إحباط نتائج سياسة الرعاية الإجتماعية وتدخلاتها. وتتمثل هذه الأسباب في: غياب السياسة الإجتماعية الكلية للدولة، غيابِ التخطيط الإجتماعي، غيابِ الرؤية لما يجب أن تكون عليه سياسة الرعاية الإجتماعية، صعوبةِ تحديد الأولويات ووضعِ سياساتٍ وبرامجَ تتناسب مع خصائص المجتمع وقيمه، وفي هدرٍ كبيرٍ للموارد. ويكفي أن نشير في هذا الصدد، وبحسب البنك الدولي 2011، بأنَّ كلفة الفساد في لبنان بلغت في العام 2011 حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
-7- تداخل في الفئات المستفيدة وفي النطاق الجغرافي للتغطية الرعائية: حسب ما أورد تقرير الوضع الإجتماعي للعام 2004، "إنَّ الفئات المهمشة الشديدة الفقر توجد بنسبة 40,6% في المناطق الريفية، وتبلغ نسبة الإناث منها 54%. كما تتميز هذه الفئا بارتفاع نسبة الأمية (40,3%)وبتدني نسبة العاملين عن المعدل الوطني (19,5%). ويضاف إلى ذلك تدني المؤشرات الصحية ومؤشرات التغذية وارتفاع معدلات الإعالة، والعجز عن توفير متطلبات تلقي العلاج وخصوصاً الإستشفاء والمعاينات"(25). وبالرغم من أنَّ بعضَ البرامجِ والمشاريعِ الرعائية تطالُ الفئات المهمشة والضعيفة في المجتمع، غير أنَّ تداخلاً وفوضى كبيرتين تسودان عند محاولة تحديد الفئة المستفيدة من كل نشاطٍ رعائيٍّ. وهذا ناتجٌ عن عدمِ استخدامِ معاييرَ واضحةٍ في تحديد هذه الفئات والمجالات التي يحق لها الإستفادة منها. فمن الممكن أن يستفيد شخص واحدٌ من خدماتٍ رعائيةٍ عدَّة حتى لو لم تكن حاجتُه من الوجهة المعيارية تقتضي دخوله في فئة المستفيدين، ما يشكل ازدواجية فاضحة في تقديم نفس الخدمة لمستفيد واحد. في وقت، تُحرم فيه فئاتٌ معياريةٌ شديدةُ الحاجة للخدمات الرعائية. كما أنَّ هناك ضعفٌ في التغطية الرعائية في المناطق الريفية، بإستثناء الدور الذي تلعبه المراكز التنموية التابعة لوزارة الشؤون الإجتماعية، خصوصاً على صعيد الرعاية الصحية، ودور وزارة الصحة العامة أيضاً من خلال تأمينها التغطية الصحية المجانية لبعض الفئات المهمشة. ويتركز معظم عمل الجهات غير الحكومية في المجال الرعائي في المناطق المُدُنية في الغالب، نظراً للثقل الكبير الذي يتَّخذه هكذا نوع من المنظمات في المدن، سواء لناحية حجم المنظمة أو حجم التمويل، في حين، يضعف العمل الأهلي ومبادراته كلما اتجهنا أكثر نحو المناطق الريفية الفقيرة. كذلك، يقل عدد المنظمات غير الحكومية التي تعمل على المستوى الوطني ككل، والتي تصمم برامج متخصصة لتطال الفئات المهمشة في المناطق الريفية والفقيرة.
-8- فقدان بُعد الإستدامة واستمرار بوادر الفقر: من أبرز الخصائص التي تميز سياسة الرعاية الإجتماعية في لبنان، هو ضعف استدامة معظم البرامج والمشاريع الرعائية التي تنفذها الجهات المعنية بالشأن الرعائي. وضعف بُعد الإستدامة هذا، ناتج عن كون معظم التدخلات الرعائية لا تعدو كونها مجرد مشاريع وبرامج محدودة الآجال تطال فئات معيَّنة غير معيارية تنتهي مع انقطاع مصدر التمويل(تظهر هذه المشكلة في الغالب في تدخلات المنظمات غير الحكومية). وهذه السمة السلبية لسياسة الرعاية الإجتماعية في لبنان(إذا أمكن أن نطلق عليها سياسة رعائية)، تعني من ضمن ما تعنيه عدم وجود تخطيط إجتماعي يهدف إلى معالجة المشاكل البنيوية الإجتماعية من جذورها، بل جل ما يتم الإعتماد عليه هو عبارة عن مشاريع وبرامج رعائية- مهدئات ، في وقت تحتاج فيه الأورام الإجتماعية الى عمليات إستئصال جذرية. هذا الإستئصال يكون عن طريق وضع سياسات إجتماعية متكاملة مع السياسات الإقتصادية، بحيث لا تأتي الأولى كفرعٍ منسيٍّ من فروع الثانية، إنَّما جزءٌ مكملٌ ومتعاونٌ بندية مع السياسة الإقتصادية.
وبحسب البنك الدولي، تشكل السياسة الرعائية بما تضمنه من شبكات وصناديق أمان إجتماعي، أحد عناصر التخفيف من الفقر(Poverty alleviation) ، بحيث توضع برامجها لتخفيف الآثار السلبية المباشرة للأزمات الإقتصادية على الفئات الفقيرة في المدى القصير، بانتظار أن تعطي هذه البرامج كافة مفاعيلها الإيجابية إقتصادياً وإجتماعياً. غير أنَّ هذه المقاربة لا تبدو عملية من الناحية التطبيقية. ففي لبنان، لم تؤد معدلات النمو المرتفعة والبرامج الإجتماعية وما رافقها من إنفاقٍ إجتماعيٍّ إلى تخفيف حدة الفقر، بل على العكس من ذلك، استمرت نسب الفقر في الارتفاع (سجل معدل الفقر المطلق في لبنان 28 %، وسجل الفقر المدقع نسبة 8 % من مجموع سكان لبنان)(26)، وتزايدت حدة البطالة بسبب اعتماد سياسات تقليص عدد الموظفين في القطاع العام، وتفككت وتراجعت أنظمة الحماية الإجتماعية المتعددة وتراجعت حصة الإنفاق الإجتماعي من الموازنة العامة بحجة تقليص العجز، كما تمَّ السير بوقف التدخل الحكومي لدعم أسعار بعض السلع الواسعة الإستخدام . ولم يؤد ما اتبع من برامجَ إجتماعيةٍ ومن تأسيسٍ لصناديقَ ولشبكاتِ أمانٍ إجتماعيٍّ إلى تقليص الفقر أو الحد منه((Poverty Reduction في المدى القصير، والى القضاء عليه في المدى الطويل(Elimination of poverty). بل إستمرت الهوة بين الدخل والإنفاق والتدهور في مستوى الخدمات كماً ونوعاً، مع ما رافق ذلك من تنامٍ لكتلة المهمشين الذين تستبعدهم الآليات الإقتصادية السائدة ونظام الحماية الإجتماعية المعتمد...
ثالثاً: سياسة الحماية والرعاية الإجتماعية مشاكل وإمكانيات- بإستخدام التحليل الرباعي الأبعاد(تحليل نقاط القوة والضعف، المخاطر والفرص المتاحة).
بعد إستعراضنا لأبرز خصائص سياستي الحماية والرعاية الإجتماعيتين، سنعمد إلى دراسة مواطن الضعف(Weaknesses)والقوة(Strengths)، والمخاطر(Threats)- التي يُمكن أن تكون خارجية (تعود لعوامل أخرى)-، والفرص المتاحة(Opportunities)، بإستخدام أداة التحليل الرباعي (SWOT Analysis). تُستخدم هذه الأداة في الدراسات الإستراتيجية، وفي تلك التي تتناول السياسات العامة والتخطيط، وفي مجالات أخرى كالتسويق وإدارة الأعمال ودراسات المجتمعات المحلية وغيرها...


الحمايةُ والرعايةُ الاجتماعية في لبنان، بإستخدام أداةِ التحليل الرباعيِّ.
أ- نقاط القوة:
o بداية التفكير بالتشريع الحمائي والرعائي في لبنان قديمة بعض الشيء، وتعود إلى أوائل القرن العشرين .
o يستفيد من الأنظمة الضمانية المتعددة في لبنان 45,65% من الشعب اللبناني.
o وجود أنظمة ضمانية مكملة للضمان الإجتماعي(تعاونيات عسكرية، تعاونية موظفي الدولة، صناديق التعاضد، ضمان خاص...)
o وجود مروحة مقبولة نوعاً ما من التقديمات والمزايا التي يحصل عليها المضمونون والمستفيدون(تقديمات المرض والأمومة، تعويضات عائلية ومدرسية، إستشفاء، تعويضات العجز على أنواعه، تعويضات الوفاة، حوادث العمل، الأمراض المهنية...)
o إرتفاع نسبة الإنفاق على الوزارات الإجتماعية بالنسبة إلى مجموع الإنفاق العام(تراوحت هذه النسبة في الفترة 1992-2011 بين 8 و14%تقريباً.) ويرتفع الإنفاق الإجتماعي إلى 45% إذا ما احتسبنا معاشات التقاعد و نهاية الخدمة ومساهمة الدولة في الأنظمة الحمائية.
o وجود عدد كبير من المنظمات غير الحكومية التي تنشط في مجال الرعاية الإجتماعية(أكثر من 6000 منظمة غير حكومية).
o الحركة السنوية المالية لقطاع المنظمات غير الحكومية يتراوح بين250 و 300 مليون دولار أميركي سنوياً.
o توفر عدد كبير من الدراسات الإحصائية الإجتماعية الصادرة عن جهات وزارية بالإشتراك مع منظمات دولية، تحمل في طياتها مؤشرات إقتصادية وإجتماعية مهمة، يُمكن البناء عليها لصياغة سياساتٍ إقتصاديةٍ وإجتماعيةٍ (كليةٍ وجزئيةٍ) ناجعة.
o دورٌ رعائيٌ كبير لوزارة الشؤون الإجتماعية، بحيث يصب معظم نشاطها باتجاه الفئات المهمشة والضعيفة في المجتمع(الأطفال، المسنون، الأحداث المنحرفون والمعرضون للإنحراف، المعوقون، رعاية المرأة، المدمنون، السجناء، الرعاية الصحية،...)
o تنفق وزارة الشؤون الإجتماعية ثلثي موازنتها السنوية على الرعاية الإجتماعية.
o تلعب وزارة الصحة العامة دور شبكة الأمان الإجتماعي في لبنان بحيث تؤمن التغطية الصحية للفئات التي لا تستفيد من أيَّة تغطية ضمانية تذكر(حوالي 54% من اللبنانيين).
o يسجل الإنفاق الصحي العام في لبنان 12,3% من الناتج المحلي وهي نسبة تعد مرتفعة.
o يُسهل وجود وزارة المهجرين وصندوقها عودة جزءٍ كبيرٍ من مهجري الحرب(بلغ إنفاق هذه الجهة الرعائية على عودة المهجرين بين العام 1993 و2008 ما يوازي حوالي 2.201 مليار ل.ل..
o يُشكل مجلس الجنوب منذ العام 1970، شبكة رعاية إجتماعية لتقديم الخدمات والمساعدات والمشاريع في المناطق الواقعة تحت الإحتلال الإسرائيلي.
o تُشكل تدخلات المنظمات الأهلية في فترات كثيرة، وخصوصاً خلال فترة الحرب اللبنانية، ولا تزال، شبكات وصمامات أمان اجتماعية.
o يوجد تنوع في مصادر تمويل المنظمات غير الحكومية في لبنان: مصادر تمويل ذاتية (عائدات الأنشطة، إشتراكات الأعضاء)، مصادر تمويل حكومية (كتمويل وزارة الشؤون الإجتماعية وتمويل وزارة الصحة العامة، وصناديق الدعم الحكومي والإعفاء من بعض الرسوم والضرائب)، مصادر التمويل الأجنبي التي أصبحت الأكثر شيوعاً في أيامنا هذه(مصادر حكومية أجنبية، صناديق تمويل أجنبية، منظمات غير حكومية دولية، صناديق وبرامج دولية...).
o تشكل المساعدات الدولية السنوية حوالي 976 مليون$.
ب- نقاط الضعف:
o وجود جمود نسبي في التشريعات الحمائية والرعائية، خصوصاً منذ تسعينيات القرن الماضي حتى اليوم، رغم أقدمية التشريعات الإجتماعية في لبنان.
o 54,35% من الشعب اللبناني لا تستفيد من أيَّة تغطية ضمانية تُذكر رغم وجود حوالي 195 نظاماً ضمانياً.
o إرتباط نظم الحماية الإجتماعية بالعمل المأجور.
o عدم إدخال تقديمات ومزايا جديدةٍ (تعويض السكن، تعويض البطالة، تعويضات ما قبل الولادة، تعويض المولود، تعويض الأم التي تتفرغ لرعاية ولدها، وتعويض الأبوة...)
o عدم منح بعض التعويضات لمستحقيها رغم شرعنتها (تعويضات المرض والأمومة) أو إعطاء بعضها بصورة إستنسابية (التعويضات المدرسية التي تتفلت من منحها بعض المؤسسات المنتسبة للضمان الإجتماعي...)
o تعدُّد نظمِ الحماية الإجتماعية في لبنان(195 نظاماً تقريباً).
o تعدد أنظمة الإنتساب ودفع الإشتراكات ونسب تغطية النفقات بين نظام وآخر.
o تعدد أنظمة التقاعد ووجود فروقات في هذا المجال بين نظام ضماني وآخر(على سبيل المثال، يأخذ الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي بتعويض الصرف من الخدمة فقط، بينما تُخير التعاونيات الأمنية والعسكرية وتعاونية موظفي الدولة ، موظفيها بين نظام تعويض الصرف من الخدمة ونظام ضمان الشيخوخة.
o وجود تفاوتات مناطقية وإجتماعية في معدلات التغطية.(يستفيد من الأنظمة الضمانية سكان بيروت وجبل لبنان، بينما تتراجع نسبة التغطية في المناطق الطرفية وعلى الأخص الريفية)
o نظم الحماية الإجتماعية غير مصممة لتغطية أكثر الفئات فقراً وضعفاً وتهميشاً في المجتمع(المسنون، الأرامل، المطلقات، 16% فقط من الفقراء مضمونون، مقابل 84% منهم غير مضمونين؛ 25% فقط من القريبين من الفقر مضمونون، مقابل 84% منهم غير مضمونين؛ 54% من ذوي الوضع الجيد مضمونون، مقابل 46% منهم غير مضمونين.
o يُقدر إجمالي عدد الأجراء في القطاعين العام والخاص بـ 800 ألف مستخدم وموظف. أكثر من 300 ألف من إجمالي عدد الأجراء (40%) يبقون عملياً من دون أيَّة تغطية ضمانية.
o هناك تستر عن ظاهرة المكتومين بالميل نحو نفخ أعداد المستفيدين. (يتم إعتماد "المضاعف" 2,8 و 3,5).(يتراوح عدد المستفيدين بين 1,2 و 1,5).
o إرتفاع الكلفة الإدارية في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي بالنسبة إلى نفقاته، بحيث تتراوح بين حد أدنى هو 8,67% وحد أعلى هو32,14 % من إجمالي التقديمات في الفروع الثلاث للضمان الإجتماعي(1992- 2011).
o جرى تخفيض معدلات الإشتراكات من 15% إلى 9% بالنسبة لفرع المرض والأمومة، ومن 15% إلى 6% بالنسبة إلى فرع التعويضات العائلية، وتراجعت إيرادات استثمار أموال احتياط فرع نهاية الخدمة، ما أوقع هذه الصناديق بعجوزات مالية وأثر سلباً على تقديماتها.
o توجد زيادة مطردة في حجم التقديمات الإجتماعية في الصناديق الضامنة، بسبب الإرتفاع المطَّرد في معدلات الإستشفاء (Hospitalization rate).
o توجد فوضى كبيرة في سوق الخدمات الرعائية، لناحية تعدد الجهات الرعائية والبرامج، وتزاحم المعنيين على تنفيذها، وغياب الأطر المعيارية لتحديد هوية المستفيدين منها.
o تعدد الميادين الرعائية التدخلية وتداخلها(يوجد ما لا يقل عن 26 ميداناً تدخلياً، تعتبر حقول عمل مشتركة بين جهتين رعائيتين أو أكثر.
o يوجدغياب فاضح للتنسيق بين الجهات والمرجعيات الرعائية.
o يوجد هدر كبير في الموارد المالية المحولة إلى قطاعات الرعاية الإجتماعية، يترافق مع ضعف في مردودية الإنفاق الإجتماعي قياساً إلى كلفته (Cost ).
o يوجد تداخل في الفئات المستفيدة وفي النطاق الجغرافي للتغطية(المنطقة الريفية +عدم وضع معايير للمستفيدين + عدم الربط الإلكتروني بين الجهات الرعائية).
o هناك ضعف في استدامة البرامج والمشاريع الرعائية التي تنفذها الجهات المعنية بالشأن الرعائي (مجرد برامج ومشاريع محدودة الآجال).
o لا ترصد الدولة موازنة كبيرة لوزارة الشؤون الإجتماعية (لم تتجاوز نسبتها أكثر من 2,5% من إجمالي الموازنة العامة منذ تسعينيات القرن الماضي حتى اليوم).
o 80% من نشاط المركز الإنمائية التابعة لوزارة الشؤون الإجتماعية يصب في إطار الرعاية الصحية، مع العلم أنَّ هذا المجال هو من إختصاص وزارة الصحة العامة والجهات الضامنة.
o عدم وضع معايير واضحة لتحديد الفئات المستفيدة من البرامج الرعائية التي تقدمها الجهات الرعائية على أنواعها.
o سطوة كبيرة للقطاع الخاص على سوق الرعاية الصحية في لبنان، بفعل الجهوزية، ولكون قطاع الصحة من القطاعات المنتجة والمربحة.
o تتخطى الفاتورة في القطاع الصحي الملياري دولار سنوياً، أي ما يعادل 12% من الناتج المحلي، وهي الأغلى في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، بينما يحتل لبنان المرتبة الـ 96 عالمياً من حيث جودة الخدمات الصحية.
o حولت أموال كثيرة إلى غير مكانها الفعلي في ما يتعلق بقضية المهجرين(إخلاء أليسار، سوليدير، نهر الغدير، الجامعة اللبنانية، بكركي، حريصا،...).
o إرتبطت وزارة المهجرين بقضايا الهدر والفساد، فرغم الإنفاق الكبير لم يعد من المهجرين سوى نسبة 25%.
o تخطى كل من مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة الدور المنوط بهما، وطالت تدخلاتهما ميادين تُعد من تخصصات وزارات أو جهات رسمية أخرى(وزارة الصحة، وزارة التربية والتعليم العالي، مجلس الإنماء والإعمار..)
o لم تنخرط المنظمات غير الحكومية في العملية النهضوية والتنموية بشكل كبير بعد إنتهاء الحرب، ولم تأخذ على عاتقها جزءاً من العملية التنموية في لبنان. مع العلم بأنَّ أدوارها التقليدية ذات الطابع الخيري والرعائي ظلت جاسمة في نشاطاتها وتدخلاتها.
o يوجد صعوبة كبيرة وبالغة في تقدير عدد المنظمات غير الحكومية العاملة في لبنان(تصل بعض التقديرات إلى أكثر من 6000 جمعية) كذلك، يوجد إختلاف كبير في المعطيات الرسمية، التي تقدمها الجهات الحكومية المسؤولة(وزارة الداخلية ووزارة الشؤون الإجتماعية). كذلك، لا يوجد أي تصنيفٍ رسميٍّ لمجال عمل هذه المنظمات.
o تعمل معظم الجمعيات خصوصاً تلك المنظمات غير الحكومية المعلنة عن انتمائها الديني على خدمة مصالح جماعتها المذهبية والسياسية والمناطقية، وتسجل المناطق الجغرافية ذات الطابع المذهبي المعيَّن حضوراً وثقلاً نسبياً للمنظمات غير الحكومية ذات الإنتماء المذهبي نفسه.
o مجالات نشاط هذه المنظمات، يقع في الدائرة نفسها التي تعمل فيها وزارة الشؤون الإجتماعية تقريباً.
o تعتبر مستويات التشبيك والتنسيق بين المنظمات غير الحكومية، ضعيفة أو في بداياتها.
o غالباً ما تتناسى المنظمات غير الحكومية، بأنَّها لم تُنشأ لأهداف غير ربحية بل لأهداف إنسانية وخيرية، فتسير في طريق الكسب غير المشروع ويكدس أصحابها الثروات التي يحسنون ويحصنون من خلالها مواقعهم السلطوية والمنفعية.
o غالباً ما تستقطب المصاريف الإدارية، جزءاً كبيراً من تمويل المشاريع، خصوصاً تلك الممولة من الجهات الأجنبية.
o نشهد حالياً تراجعاً للتمويل الذاتي والتمويل الحكومي المحلي للمنظمات غير الحكومية في لبنان، ما يطرح مسألة مدى القدرة على الاستمرار في إيجاد التمويل الخارجي ومدى استدامة عمل ونشاط هذه المنظمات فور انتهاء التمويل.

جـ- التهديدات(المخاطر):
o وقوع لبنان في أزمات إقتصادية- إجتماعية متكررة، وتراجع وتائر النمو الإقتصادي فيه بشكل كارثي(أزمة 1996، الأزمة الحالية).
o - إسقاط القضيّة الإجتماعية من التداول على مستوى السياسات الكلية بعد الطائف.
o عدم الإلتزام بالمُدرجات الإنمائية والإجتماعية الخجولة الواردة في دستور الطائف.
o لا تزال وعود الإنماء الإجتماعي والإقتصادي التي ترد في البيانات الوزارية والبرامج الإنتخابية مجرد وعود تعجيزيةً، تُستخدم كمطية لتحقيق المكتسبات السياسية والسلطوية.
o وجود مشاكل بنيوية في الإقتصاد اللبناني، (نظام إقتصادي حر مفرط في ليبراليته، سياساتٌ إقتصادية منذ مرحلة تسعينيات القرن الماضي لم تكن سوى مجرد رؤية إعمارية للبلاد، اتكأت على سياسة التثليث الإقتصادي وأهملت القطاعين الأول والثاني والقطاعات الإجتماعية، سياسات نقدية ومالية تخدم الرؤية الإعمارية وتنسجم مع مبدأ عدم التدخل المباشر والصريح للدولة في الشأنين الإجتماعي والإقتصادي، إستمرار العجز في الموازنة العامة، الناتج بدوره عن الإستمرار في السياسات الإنفاقية التوسعية والتي جرى تمويل أكثر من نصفها عن طريق الإستدانة).
o إرتفاع حجم الدين العام الناتج بدوره عن إرتفاع خدمته(من حوالي 2,64 مليار دولار عام 1992 إلى حوالي 57 مليار دولار في نهاية العام 2012).
o يقوم نظامُنا السياسيُ على استراتيجية الصراع والتناحر، وهو عاجز عن إنتاج بيئة حقيقية للحوار الإجتماعي والسياسي والاقتصادي. (مثال على ذلك: الأزمة السياسية الكبيرة والإنقسام العامودي بين اللبنانيين (منذ 2005) والأفقي (بنيوياً).)
o ضعف قدرة الحركة النقابية و المطلبية في تعديل السياسات الإجتماعية والإقتصادية، نتيجة تشرذمها وتفككها وإنقساماتها، ونتيجة إنخراطها في اللعبة التسووية السياسية والطائفية. (ظاهرة تفريخ النقابات لإحداث توازن سياسي وطائفي).
o الإرتدادات السلبية الناتجة عن الربيع العربي عامة والثورة السورية خاصة(قضية اللاجئين السوريين وتأمين رعايتهم)
o سياساتٌ نقديةٌ وماليةٌ تخدم الرؤية الإعمارية وتنسجم مع مبدأ عدم التدخل المباشر والصريح للدولة في الشأنين الإجتماعي والإقتصادي.
o الأحداث الأمنية التي تخفف دوماً من وتيرة التشريعات الإجتماعية وتؤجلها في بعض الأحيان(أحداث 1958 التي أعاقت الأخذ بدراسة دوبرماك وتنفيذها، الحرب اللبنانية 1975-1990 التي قوضت الدولة ومؤسساتها، حروب إسرائيل على لبنان...).
o غياب الإطار العام الجامع لسياسة الحماية والرعاية الإجتماعية في لبنان.
o عوامل سياسية - إجتماعية لا تزال تعيق عودة المهجرين إلى قراهم.
o غالباً ما تكون للجهات المانحة الأجنبية، أجندة خاصة بها أو رزمة من البرامج والمشاريع التنموية التي قد لا تنسجم مع المعطيات الثقافية والإجتماعية للبلد الممنوح أو مع أولوياته التنموية. ويسعى بعضهم إلى فرض أجندات سياسية على الجهات الممنوحة انطلاقاً من اعتباراتٍ مصلحيةٍ سياسيةٍ لبلدانها ومن المبدأ القائل “Celui qui donne ordonne”(من يعطي يأمر). ما يضع مسألة استقلالية المنظمات غير الحكومية أمام إختبار كبير. والأسوأ من ذلك، أنَّ هذه العلاقة بين المانح والممنوح تعود فتتكرر بين الجمعيات الكبيرة و الصغيرة في حال كانت هذه الأخيرة تستفيد من أحد المشاريع الكبرى الممولة أجنبياً عن طريق الشراكة مع كبريات المنظمات غير الحكومية الدولية، أو عن طريق أيَّة جهة دولية أخرى مانحة.- أُسقطت القضيّة الإجتماعية، من التداول على مستوى السياسات الكلية بعد الطائف، فقد رُسمت معظم السياسات بعيداً عن مراعاة المصلحة الوطنية العامة.
o يصعب على المنظمات غير الحكومية المحلية خلق التغيير والدفع باتجاه التنمية الإقتصادية والإجتماعية والدمقرطة، طالما أنَّها تنفذ مشاريع وبرامج مكتوبة وممولة أجنبياً ولا تراعي في الغالب أولويات المجتمع ولا تنسجم مع خططه التنموية. فجُل ما تفعله هذه المنظمات هو الحفاظ على الستاتيكو القائم، بحيث تؤمن عبره إستمراريتها.
o لم تبذل الأحزاب السياسية اللبنانية أي جهدٍ يذكر من أجل التحول من ناحية آلية عملها إلى مجموعات ضغط كما هو حال الأحزاب السياسية الحداثوية.
o عدم تمكن الأحزاب ( اليساريّة واليمينيّة) من مراكمة محصّلة عمليّة، تمكّنها راهناً من إحداث انقلاباتٍ نوعيّةٍ على صعيد الأداء الحزبي، ما كان من شأنه أن يؤدّي إلى بلورة رؤى اجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ تقدميّةٍ ذاتِ أبعادٍ إنمائيّةٍ بعدويّةٍ.
o ضعف القدرة التأثيرية للحركة النقابية والمطلبية في تعديل السياسات الإجتماعية والإقتصادية، نتيجة تشرذمها وتفككها وإنقساماتها، ونتيجة إنخراطها في اللعبة التسووية السياسية والطائفية.(ظاهرة تفريخ النقابات لإحداث توازن سياسي وطائفي).
o وجود تشابك وتواطؤ مصلحي تاريخي بين الدولة(بمعنى صاحبة قرار ورب عمل) وبين بعض فئات التجار وأصحاب العمل. هذا التواطؤ عمل على إبقاء الوضع الإجتماعي والإقتصادي في حالة ستاتيكو معينة، وإستطاع أن يؤمن، أقله عبر تاريخ لبنان الحديث، مصالح التجار وأصحاب الثروات وإستطراداً الطبقة السياسية، فزاد الأغنياء غنى والفقراء فقراً وتهميشاً.
o ذهنيةٌ حوكَميَّةٌ معقدةٌ ذاتُ مركباتٍ مرضيةٍ خبيثةٍ تبدأ بالطائفية والزبانية ولا تنتهي عند حدود الفساد وسقوط الموانع الأخلاقية...
o مجتمع مدني مطوق طائفياً وعائلياً وعشائرياً(الجمعيات الأهلية مثال على ذلك).
o إعلام مُسيس لا يُعطي القضايا الإجتماعية الإهتمام اللازم..
o تراجع كبير في مؤشرات الوضع الإجتماعي رغم الإنفاق الإجتماعي الكبير، وعلى الأخص ما يتعلق بمؤشرات الفقر والبطالة (الفقر المطلق سجل حوالي 28% والفقر المدقع 8% تقريباً، بينما سجل معدل البطالة السافرة حوالي 9,2%، أكثر من نصف الشعب اللبناني من دون أية تغطية ضمانية تذكر،الإنفاق الإستهلاكي للأسر على الصحة تراوح بين 6,1 و6,5 في الفترة (2002-2008)،متوسط دخل الأسرة:1034800 ل.ل.، كلفة التدهور البيئي 556 مليون دولار(2007)، متوسط حجم الأسرة 4,2 فرد، معدل الإعالة 52,3 % (2007).
o يُعد لبنان بحسب منظمة «Transparency International» غير الحكومية، كأحد أكثر الدول فساداً في العالم، بحيث يحتل المرتبة 130 مع نيجيريا وليبيا، بين 180 دولة تناولها تقرير المنظمة لهذا العام.
o تبلغ الكلفة السنوية للفساد في القطاعات الاجتماعية 550 مليون$.
o غياب خطةٍ تنمويةٍ شاملةٍ ومتكاملةٍ للبنان.
د- الفرص:
o وجود مرتكزاتٍ دستوريةٍ وتشريعيةٍ ذاتِ أبعادٍ إجتماعيةٍ يُمكن البناء عليها، للوصول إلى تحقيق أقصى درجات الحماية والرعاية الإجتماعية في لبنان.

o وجود طاقاتٍ بشريةٍ لبنانيةٍ، داخلَ لبنانَ وخارجَه، ذات مؤهلات علمية وتقنية عالية، تستطيع أن تبتدع حلول للأزمات الإقتصادية والإجتماعية في لبنان.

o طابع التعدد والإنفتاح في الثقافة اللبنانية، عنصرٌ مهمٌ يمكن الركون إليه في فتح آفاق جديدة على الصعد كافة، بحيث يمكن استثمار التجارب الناجحة وتعميمها على الصعيد الوطني.

o نظامٌ للحريات العامة وللمؤسسات الديمقراطية يبقى على ما فيه من نواقص، موضع تطلع وأمل في أن يساعد على معالجة الترسبات الناتجة عن سنوات الحرب وتداعياتها.

o حريةٌ اقتصاديةٌ وسمعةٌ طيبة للبنان في المنطقة العربية، يمكن الركون إليها لتدعيم الاقتصاد الوطني واستثمار عوائده في عمليات التنمية الإجتماعية والإقتصادية.

o تضامنٌ عائليٌّ واجتماعيٌّ يساعد على التخفيف من كلفة الأعباء الإجتماعية، ويساعد في استيعاب أزمة الفقر، وفي تعويض قصور أنظمة الحماية والرعاية الإجتماعية في لبنان.

o تجربةٌ واسعةٌ وغنيةٌ على مستوى المجتمع المدني، وعلى الأخص على مستوى المنظمات غير الحكومية، يمكن التأسيس عليها واستثمار عناصر قوتها في تصويب السياسات العامة.

o تجربةٌ غنيةٌ للبنانيين في مرحلتي السلم والحرب، يُمكن أن تؤخذ منها العبر بما يساهم في توجيه المساعي نحو بناء دولة عصرية تكون ركيزتها الأساسية تحقيق العدالة الإجتماعية، ومعالجة الفقر وآفاته، وتمنع استغلال النزاعات الطائفية في تكبيل المطالب الإجتماعية وإرجاعها إلى آخر سلم الأولويات الوطنية.

o حقق لبنان معدلات نمو مرتفعة (8%) في سنوات الإستقرار، ما يعني أنَّ بإمكان هذا البلد العودة إلى تحقيق معدلات نموٍّ إقتصاديٍ مرتفعةٍ لتشكل رافعةً ودعامةً للواقع الإجتماعي.

o وجود هياكل مؤسساتية حمائية ورعائية عريقة في لبنان، يمكن الإستفادة من تجربتها لتطوير ادائها وطرق عملها (وزارة الصحة، وزارة الشؤون...)
o يُمكن تفعيل الموارد المالية المحولة للقطاعات الإجتماعية لتحسين حجم الخدمات الحمائية والرعائية ونوعيتها.
o يُمكن الإستفادة من المساعدات والمنح الخارجية المقدمة من المنظمات والهيئات والجهات الدولية لخلق فرصٍ تنمويةٍ حقيقيةٍ في البلاد.
o بالإمكان إجراء تعديلات هيكلية في نظم الحماية والرعاية الإجتماعية، ما من شانه تخفيف الأكلاف والهدر في الوقت والجهد والمال، وتوفير خدماتٍ معياريةٍ لكل الفئات والمناطق بشكل عادل ومتوازن (كالدمج، تحديد الصلاحيات، توسيع نطاق الشمولية، وضع معايير واضحة تحدد الفئات المستفيدة، وإيجاد أطر تنسيقية بين مختلف الجهات...)
o من شأن تفعيل الأجهزة الرقابية أن يخفف من التراخي الإداري ومن عمليات الهدر والفساد في القطاعات الإجتماعية ومن شانه تحسين الأداء ونوعية الخدمات.

o هناك إمكانية للإستفادة من الدور الذي تقوم به حركة التنسيق النقابية راهناً، لإعادة تفعيل العمل النقابي، وإحياء الحوار الإجتماعي بين أطراف الحوار.
o هناك فرصة متاحة عند كل إنتخابات لإنتاج طبقة سياسية معنية بهموم مواطنيها.
o هناك فرصة متاحة للإستفادة من بعض المبادرات الخلاقة التي تقوم بها بعض المحطات التلفزيونية وبعض المدارس في مجال الرعاية الإجتماعية(نشاطات مدرسية، نشاطات تطوعية لبعض الجمعيات غير الحكومية، برامجٌ تلفزيونية...)، على أن يتم إعطاء فسحة أكبر للإعلام الإجتماعي لكي يتسنى له نشر وتعميم ثقافة التعاضد والتعاون.
o مع إرتفاع منسوب الحديث والعمل على موضوع النفط في لبنان، هناك فرصة حقيقية للإستفادة من العوائد النفطية المأمول تدفقها من خلال التخطيط لتحويلها إلى رافعة حقيقية للشأن الإجتماعي، على غرار التجربة النروجية التي حولت العوائد النفطية إلى صندوق خاص خارج الموازنة العامة يُصرف بجزئه الأكبر على الرعاية والحماية الإجتماعيتين.


رابعاً: الإصلاحات المطلوبة بالنسبة للحماية والرعاية الإجتماعيتين في لبنان:
لقد أثبتت التجارب التنموية في البلدان المرتفعة الدخل، والتي منها أستراليا ونيوزيلندا واليابان، إضافة إلى نماذج من أميركا الشمالية وأوروبا، أنَّ الإستثمار في التنمية الإجتماعية يؤدي إلى بناء مجتمعات أكثر إنتاجية وقدرة على الإستدامة. لقد أجرت بلدان عديدة في شرق آسيا، إستثمارات ضخمة في مجالات الحماية والرعاية الإجتماعيتين، أسهمت في تعزيز الإنتاجية لمواكبة التنمية الصناعية؛ ووسعت بعض بلدان أميركا اللاتينية، برامج الحماية والرعاية الإجتماعية لديها، بهدف التخفيف من الفقر وتعزيز المساواة. لقد باتت السياسات الإجتماعية عامة، والسياسات الحمائية والرعائية خاصة، من الأدوات الرئيسة التي تعتمدها الحكومات لتنظيم وإكمال مؤسسات السوق والهياكل الإجتماعية. (27) فالسياسة الإجتماعية بالمعنى الواسع تشمل الخدمات الإجتماعية (التعليم، الصحة، الأمن الإجتماعي)، سياسة إعادة التوزيع والحماية والعدالة الإجتماعية، وتعني المشاركة في صنع القرارات العامة، وتعزيز رأس المال البشري، وتقيم التوازن بين النمو البشري والنمو الإقتصادي، وإزالة الإقصاء الإجتماعي، وغيرها من السياسات ذات البعد الإجتماعي ...
وفي هذا السياق، سنحاول رسم الخطوط العريضة لما نراه مناسباً من إصلاحات، لتحسين واقع الحماية والرعاية الإجتماعية في لبنان، آخذين بعين الإعتبار كل الأبعاد والعناصر، سواء السياسية، الإقتصادية والإجتماعية، محاولين التأسيس بها وعليها. مع العلم أنَّه من الصعوبة بمكان إصلاح السياسات الإجتماعية (كلية كانت أم جزئية)، من دون الأخذ بعين الإعتبار إصلاح السياسات الإقتصادية لكي تصبح قادرة على لعبِ دورٍ مساندٍ في إرساء العدالة الإجتماعية وإعادة توزيع عوائد النمو بصورة عادلة. فعندما تعمل السياسات الإجتماعية والإقتصادية جنباً إلى جنب، ستكون هناك فرصاً كبيرةً لتثبيت السلم الإجتماعي والأهلي. وفي هذا السياق نرى أنَّ إصلاح سياساتنا الحمائية والرعائية، يتطلب العمل على توفير وتحقيق الشروط التالية:
يتضمن المنهج المقترح لإحداث الإصلاحات :
• خطةً تنمويةً اقتصاديةً واجتماعيةً شاملةً ومتكاملةً ومتوازنةً، يكون هدفها الأول القضاء على الخلل البنيوي والإقتصادي والاجتماعي.
• تحسين التفاعل بين الأطر السياسية والإقتصادية، والتركيز على السياسات الإجتماعية التي توفر العيش الرغيد وتعزز النمو، وعلى السياسات الإجتماعية التي تؤدي إلى النمو والتقدم الإجتماعي.
• وفي ما يتعلَّق بإصلاحات السياسة الإجتماعية، يجب التخلي عن المناهج المتخلفة، والإستثمار في الوجهين الأساسيين، إعادة التوزيع/ الحماية والرعاية (تصميمُ أنظمةٍ حمائيةٍ فعالةٍ ومستدامةٍ، دعم إحتياجات المواطنين وتخفيف المخاطر) والإنتاج (بناء رأسمال بشري وتعزيز الفرص الوظيفية).
• الدمج بين المناهج الكمية والنوعية لفهم الديناميات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية.
• إستخدام المؤسسات وعمليات المشاركة.
• إشراك الشركاء الإنمائيين كمنظمات المجتمع المدني، وعلى الأخص المنظمات غير الحكومية المحلية، وإشراك الوكالات الدولية والمنظمات غير الحكومية الدولية المانحة، وكل الأفرقاء الإجتماعيين، والإعتماد على خبراتهم في مجال التخطيط الإجتماعي والإقتصادي.
أ- الإصلاحات المطلوبة للسياسة الحمائية: من الضروري بمكان، الحفاظ على الأنظمة الضمانية، نتيجة فلسفتها القائمة على مبادئ التكافل والتضامن الإجتماعيَين؛ ومن الضروري، الحفاظ في هذا النظام القائم، على ثلاثية تمثيل فرقاء الإنتاج الذين يقع عليهم جميعاً عبءُ تطويرِ وتحديثِ النظام الحمائي ، لكي يتوسّع ليشمل جميع اللبنانيين، ولكي يؤمّن لهم مظلةَ التقاعد والحماية الاجتماعية والطبابة والإستشفاء وغيرها من المزايا. في هذا السياق، وإنطلاقاً من ما تقدم بحثه في الفقرات السابقة، نورد فيما يلي أبرز الخطوط العريضة التي نراها تتناسب مع المضي قدماً بإصلاح نظام الحماية الإجتماعية في لبنان:
 السير بمبدأ "الضمان الصحي الإلزامي لكل اللبنانيين، باعتباره أحد الحلول الممكنة للنظام الصحي في لبنان.(عملاً بما نصَّت عليه المادة 7 والمادة 12 من قانون الضمان الإجتماعي).
 العمل على توحيد الصناديق الضامنة لكل الموظفين والعاملين في القطاع العام، على أن يصار في مرحلة لاحقة إلى دمج النظام الضماني العام بالصندوق الوطني للضمان الإجتماعي. هذا على الصعيد الإستراتيجي وعلى المديين المتوسط والبعيد.
أمَّا مرحلياً فينبغي الإسراع بإتخاذ الخطوات التالية:
 تصحيح نسبة الإشتراكات في فرعي المرض والأمومة والتقديمات العائلية والتعليمية(خفضت نسبة الإشتراكات في الضمان الإجتماعي إلى23,5% من الأجر، بعد أن كانت تساوي 38%)، وذلك بهدف إعادة التوازن المالي بين الواردات والنفقات، ولسد العجزٍ المالي في صندوق المرض والأمومة وفي صندوق التعويضات العائلية، كونهما يؤمنان الطبابة والإستشفاء لحوالي مليون ونصف مواطن لبناني.
 أن تلتزم الدولة بأحكام قانون الضمان وتبادر إلى تسديد المتوجب عن أجرائها من ديون لجهة الاشتراكات ومبالغ تسويات نهاية الخدمة، وتسديد مساهمتها في نفقات الضمان الصحي المحددة بـ 25% بصفتها مسؤولة عن الرعاية الصحية لمواطنيها، وتسديد ما عليها من اشتراكات عن الفئات الخاصة (السائقون، طلاب الجامعات، المخاتير).
 تطوير مؤسسة الضمان الإجتماعي وعصرنتها ورفدها بكل الموارد المادية والأدوات التقنية اللازمة كي تتمكن من تأدية التقديمات بشكل أفضل، وتمكينها مستقبلياً في أن تضم كل الأنظمة الضامنة لها.
 تأمين التوازن المالي والإستدامة المالية لفروع الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي ، وإعادة النظر من خلال دراسات إكتوارية موضوعية بنسب الإشتراكات اللازمة لتأمين الإستدامة المالية والتوازن المالي بين الواردات والنفقات خصوصاً في فرعي ضمان المرض والأمومة والتعويضات العائلية.
 أن يلتزم أصحاب العمل بأحكام قانون الضمان ويسدّدوا الديون المتوجبة عليهم، وأن يصرحّوا عن جميع أجرائهم وعن الأجور الحقيقية التي يتقاضونها، وأن يكفّ البعض منهم عن الهروب إلى المؤسسات والشركات الوهمية.
 إقرار قانون ضمان الشيخوخة الذي من شأنه تأمين المعاينة والفحوص المخبرية والجراحات للمسنين الذين بلغوا سن التعاقد في المستشفيات الرسمية والخاصة المنتشرة على كافة الأراضي اللبنانية.
 إقتراح التعديلات القانونية اللازمة على قانون العمل ما من شأنه أن يفي بمستلزمات التغطية الصحية لكافة العاملين، وبما يضمن تغطيتها للعامل بعد التقاعد ولمن هم على عاتقه قانوناً. فهذا الإجراء يخفف من وطأة الفاتورة الصحية للمسنين، الذين هم من أكثر الفئات العمرية حاجة للعناية.
 العمل على تفعيل الرقابة على شركات التأمين الخاصة والصناديق التعاضدية بحيث تلتزم القوانين بما يضمن مصلحة المريض أولاً.
 تفعيل وتحديث البطاقة الصحية لغير المضمونين وتحديد مساهمة الدولة، وبذلك يستفيد المرضى من خدمات إستشفائية بأسعار مخفضة في المستشفيات الحكومية والخاصة، إلى أن يتم تطبيق نظام شامل للحماية الإجتماعية .
 توسيع تقديمات الضمان الإجتماعي عبر إدخال مزايا وتقديمات جديدة، وذلك كما سنبين أدناه:
 الإنتقال من نظام تعويض نهاية الخدمة إلى نظام التقاعد والحماية الإجتماعية. فنظام تعويض نهاية الخدمة، لم يعد قادراً على تلبية طموحات المضمونين، كونه لا يؤمن لهم معيشة لائقة بعد خروجهم من سوق العمل أو بعد تعرضهم لعجز، كما أنَّه لا يؤمن المزايا المعيشية اللائقة لخلفائهم من بعدهم. كما أنّ هذا التعويض يتأثر بالتقلبات الحاصلة بسعر صرف العملة الوطنية، كما أنَّه لا يوفر للمضمون أي ضمان صحي بعد تركه العمل، في حين أنَّ السن التقاعدية هي السن التي يكثر فيها خطر تعرض المضمون للأمراض. ويُضاف إلى ذلك، أنَّ هذا النظام يشكل عائقاً أمام تنقل اليد العاملة من مؤسسة إلى أخرى، ويحد بالتالي من حركية سوق العمل. أمَّا نظام التقاعد والحماية الإجتماعية، فإنَّه يوفر معاشاً تقاعدياً مدى الحياة، بالإضافة إلى ضمان صحي للمتعاقد ولمن هم على عاتقه. وتجدر الإشارة إلى أنَّ وزارة العمل، وبعد نقاشات طويلة مع الجهات المعنية (أرباب العمل، النقابات العمالية، غرفة التجارة والصناعة، الضمان الإجتماعي والدولة...)، أنجزت تصورها حول نظام التقاعد والحماية الإجتماعية في نهاية العام 2010 ، وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه لم يقر حتى الآن ولم ترصد له أيَّة مبالغ في الموازنة العامة (موازنة 2011). وإرتكز هذا التصور على النقاط التالية:
 نظام التقاعد هو نظام إلزامي للمضمونين الذين يدخلون العمل ب

تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 1593



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


د. شربل ليشع
تقييم
3.35/10 (20 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة العلوم الاجتماعية www.swmsa.net

الرئيسية |الصور |المقالات |الأخبار |الفيديو |راسلنا | للأعلى
get firefox
Copyright © 2014 swmsa.net - All rights reserved